مجلة منظمة الصحة العالمية

الرعاية الصحية الأولية تعود إلى الواجهة

WHO/C Black
Dr Halfdan Mahler

شغل الدكتور هالفدان ماهلير منصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية طيلة ثلاث عهدات متوالية وذلك من عام 1973 إلى عام 1988. والتحق الدكتور ماهلير بالمنظمة في عام 1951 كأحد كبار الموظفين العاملين في برنامج مكافحة السل في الهند. وانتقل، في عام 1962، إلى مقرّ المنظمة الرئيسي لشغل منصب رئيس برنامج مكافحة السل وذلك حتى عام 1969. وشغل، في الفترة بين عامي 1969 و1970، منصب مدير تحليل نُظم المشاريع. ثم شغل، في الفترة بين عامي 1970 و1973، منصب المدير العام المساعد وكان مسؤولاً عن عدة شعب. وتولى، بعد تقاعده من المنظمة، إدارة الاتحاد الدولي لتنظيم الوالدية حتى عام 1995. والجدير بالذكر أنّ الدكتور ماهلير تحصل على شهادة الطب من جامعة كوبنهاغن في عام 1948 وعلى شهادة عليا في مجال الصحة العمومية.

لقد مرّت ثلاثون سنة الشهر الماضي منذ أن اجتمعت 134 دولة عضواً في منظمة الصحة العالمية في عاصمة كازاخستان السابقة ألما-آتا في أجواء من الحرب الباردة لعقد مؤتمر دولي بغرض بلوغ اتفاق بارز ألا وهو اعتماد الرعاية الصحية الأولية كاستراتيجية رئيسية لتحقيق الهدف المتمثّل في "توفير الصحة للجميع" بحلول عام 2000. ويتحدث الدكتور ماهلير، الذي كان يشغل منصب المدير العام للمنظمة آنذاك، إلى النشرة عن السبب الذي أدّى إلى انحراف الرعاية الصحية الأولية عن طريقها وعما ينتابه من آمال في تجديد تلك الرعاية اليوم.

س: لم تظنوا، في البداية، أنّ عقد مؤتمر دولي بشأن الرعاية الصحية الأولية كان يمثّل فكرة جيدة، لماذا؟

ج: لقد كنت مقتنعاً، أنا وزملائي، أنّنا كنا بحاجة إلى المزيد من الوقت لإعداد الوثائق الأساسية، ولكنّ المجلس التنفيذي رفض ذلك عندما أقرّ عقد المؤتمر في عام 1978. وإذا نظرنا إلى الوراء الآن نجد أنّ ذلك القرار كان صائباً.

س: من أين أتت المبادرة الرامية إلى الأخذ بنهج غير النهج القائم على النُظم الصحية؟

ج: من بلدان عديدة. وقد ورد عدد كبير من الوثائق من منظمات غير حكومية. ومن الوثائق الهامة التي وردت أيضاً وثيقة أصدرتها منظمة الصحة العالمية بعنوان "الناس والصحة" ترتكز على معلومات مستقاة من آحاد البلدان والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات. والمعروف أنّ منظمة الصحة العالمية ركّزت بشدة وطيلة سنوات عديدة، بعد إنشائها، على الأمراض السارية. وكان ذلك أثناء الحرب الباردة عندما كانت هناك منافسة بين القوتين العظميين من أجل احتلال المركز الأوّل. وكانت أنشطة استئصال الملاريا تحظى بدعم الولايات المتحدة الأمريكية، أمّا الاتحاد السوفياتي فكان يدعم أنشطة استئصال الجدري. وكانت الأمراض السارية الشغل الشاغل لكثير من العاملين في أمانة المنظمة. وفي الستينات بدأت الدول الأعضاء تصرّح للمنظمة بأنّها فشلت في تزويدها بما يلزم من الدعم لتوفير الخدمات الصحية. وأخيراً شرعت المنظمة، في السبعينات، في السعي إلى إيجاد توازن بين البرامج العمودية (التركيز على مرض واحد) والنهج الأفقي (النُظم الصحية).

س: كان هناك صراع بين النهج الاجتماعي الشعبي إزاء الرعاية الصحية الأولية، الذي كان يحظى بدعم المنظمات غير الحكومية وبعض الجهات في منظمة الصحة العالمية، وبين نهج النُظم الصحية المركزية المدعوم من قبل الاتحاد السوفياتي. هل أعطيتم، فعلاً، الأفضلية للنهج المجتمعي؟

ج: لا يمكنكم الأخذ بنهج واحد دون الآخر، ذلك أنّهما يكمّلان بعضهما البعض. ونهج النُظم الصحية المركزية لم يحظ بدعم الاتحاد السوفياتي فحسب، بل بدعم العديد من الدول الأعضاء. ولن يُكتب النجاح للرعاية الصحية الأولية إلاّ إذا تمكّنا من إشراك الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية، غير أنّ هذه المشاركة المجتمعية لن تفي بالغرض إلاّ إذا لقيت دعماً من النظام الصحي.

س: كيف كان الجوّ السائد في ألما-آتا قبل 30 عاماً؟ وماذا كانت تطلعات المؤتمر، وهل تحققت تلك التطلعات؟

ج: لقد كنت أتوقع أن يصبح ذلك المؤتمر أهمّ المؤتمرات التي نظمتها المنظمة منذ إنشائها [1948] وأشدّها وقعاً. غير أنّ القلق كان يسامر الأمانة بشأن إمكانية بلوغ توافق في الآراء، وكان ذلك أمراً حاسماً بالنسبة لها. وذلك لم يكن يعني إقناع خصومنا أنّهم كانوا مخطئون، ولكن محاولة الاتحاد معهم لاستبصار المزيد من الأمور. وكان ذلك ما حدث فعلاً في ألما-آتا. لقد كان الجوّ أشبه ما يكون بجو روحي، ليس بالمعنى الديني، ولكن من حيث رغبة الناس في تحقيق شيء عظيم. وكان هناك صراع كبير خلال أشهر التحضير للمؤتمر وأثناء المؤتمر أيضاً. ولكنّ الشعور بضرورة التوصّل إلى توافق في الآراء كان هو الأسمى. ولم يكن الأمر سهلاً. فقد كدنا نخسر كل شيء، مثلاً، بسبب إدراج مسألتي ’تنظيم الأسرة‘ و’الرعاية الصحية الخاصة بالأم والوليد‘ في الإعلان. ولكنّ إرادتنا في التضحية من أجل بلوغ أهدافنا المشتركة مكّنتنا من بلوغ توافق روحي في الآراء. ومن المذهل الكمية الهائلة من الانتقادات التي صدرت بعد ذلك بشأن ذلك التوافق. وكلّما طرحت السؤال التالي على أصحاب تلك الانتقادات: "هل قرأتم، فعلاً، إعلان ألما-آتا والتقرير الخاص به؟ أجاب معظمهم كالتالي: "من يمكنه قراءة تلك السفاهة؟" وحتى من ضمن موظفي المنظمة، فلم يخض إلاّ القليل في قراءتهما ومراجعتهما بشكل واف.

س: هل من لحظة في المؤتمر بقيت راسخة في ذهنكم؟

ج: هناك لحظة لن أنساها ما حييت. ففي اختتام أعمال المؤتمر قرأت إحدى الطبيبات الأفريقيات إعلان ألما-آتا، وأتذكر أنّها كانت في مقتبل العمر وترتدي زيّاً أفريقياً جميلاً. وكانت الدموع تغمر أعين الكثيرين. فلم نكن ندري أنّنا سنبلغ ذلك. لقد كانت لحظة مقدسة فعلاً.

س: ماذا كان ذلك الإعلان يعني بالنسبة للناس؟ وماذا كانت آثاره الفورية، من حيث العمليات التي تضطلع بها المنظمة وفي السياق الدولي الواسع على حد سواء؟

ج: لقد كان ذلك الإعلان، بالنسبة لمعظم الناس، ثورة حقيقية في طريقة التفكير. ذلك أنّ توفير الصحة للجميع يمثّل نظام قيم تمثّل الرعاية الصحية الأوّلية فيه العنصر الاستراتيجي. ولا يمكن الفصل بين الأمرين. فلا بد لكم من معرفة الطريق الذي تنشدونه بالقيم التي تتبعونها، وتلك هي النقطة التي وجب علينا استخدام استراتيجية الرعاية الصحية الأوّلية فيها. وكان هناك نوع من السرور والبهجة فور صدور الإعلان. ويفيد البعض بأنّ شيئاً لم يتحقق بعد ذلك، ولكن من غير المنصف قول ذلك إذا رأيتم ما قامت به المنظمة والدول الأعضاء في السنوات القليلة الأولى التي عقب صدور الإعلان. فقد أحرزت عدة من الدول الأعضاء، مثلاً، تقدماً هائلاً في مجال الصحة وتمكّنت من الانتفاع بالمزيد من الموارد. وكانت أفريقيا أيضاً من أكثر الأمثلة المثيرة للإعجاب من حيث الإجراءات التي اتُخذت في مجال الرعاية الصحية الأولية، لاسيما في موزامبيق، في الوقت الذي كانت فيه جهود البلدان الأخرى تتضاءل بشكل تدريجي بسبب الظروف السياسية والاقتصادية السائدة فيها. وبعد مضي بعض السنوات تذكّرت المنظمة توافق الآراء الذي تحقق في ألما-آتا ودأبت على تنفيذه ممّا مكّنها من تحقيق نتائج إيجابية متعددة في مناطق وبلدان مختلفة.

س: الرعاية الصحية الاختيارية، أي الرعاية التي تركّز على آحاد القضايا أو البرامج الرامية إلى مكافحة آحاد الأمراض، تتعارض مع توافق الآراء الذي تم بلوغه في ألما-آتا والداعي إلى توفير الصحة للجميع. لماذا ضلّت الرعاية الصحية طريقها؟

ج: إنّ عقد السبعينات كان عقداً زاخراً بالعدالة الاجتماعية. ولهذا السبب بدا لنا أنّ كل شيء ممكن بعد صدور إعلان ألما-آتا في عام 1978. ولم تنقض فترة طويلة حتى انقلبت الأمور على عقبها فجأة عندما شجّع صندوق النقد الدولي على انتهاج برنامج التكيّف الهيكلي الذي ينطوي على كل أنواع الخصخصة، ممّا أضفى جوّاً من الارتياب على توافق الآراء التي تم بلوغه في ألما-آتا وأضعف من قوة الالتزام بتنفيذ استراتيجية الرعاية الصحية الأولية. وظلّت أقاليم المنظمة تكافح في البلدان، ولكن بدون أيّ دعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وأشدّ الإحباط كان عندما تحوّلت بعض وكالات الأمم المتحدة للأخذ بنهج "اختياري" إزاء الرعاية الصحية الأولية، ممّا أعادنا إلى نقطة الانطلاق. فقد بدأنا ببرامج الرعاية الصحية الاختيارية التي تركّز على آحاد الأمراض من قبيل الملاريا والسل في الخمسينات والستينات. ثم اكتسبنا ذلك الوعي الروحي والفكري المستمد من ألما-آتا، وفجأة عاد بنا بعض مناصري الرعاية الصحية الأولية، ثانية، إلى النهج الاختياري القديم. ولعلّ من مفارقات الأمور أنّ تأثير إعلان ألما-آتا خلّف، في تلك الظروف، آثاراً على عكس الآثار المستهدفة وجعل الناس يفكّرون كثيراً في الاختيار، بدلاً من اتباع رسالة ألما-آتا الداعية إلى توفير الصحة للجميع.

س: هل بلغ إعلان ألما-آتا مستوى توقعاتكم؟

ج: لقد بلغ الإعلان أكثر من ذلك وتجاوز توقعات الحكومات والمنظمات غير الحكومية والأفراد المعنيين بالأمر. فلم يسبق للقطاع الصحي على الإطلاق أن استأثر بدرجة مماثلة من الاهتمام. فالصحة لا تكون مكتملة إلاّ بالنسبة لأولئك الذين يرونها في نور تام، وهي تبدو متذبذبة بالنسبة لمن يرونها بنور متذبذب. ذلك هو المفهوم الذي كان سائداً في مداولات ألما-آتا. وقد أحدث الإعلان أثراً فورياً هائلاً لأنّ الناس غادروا ألما-آتا وهم مقتنعون بأنّهم شاركوا في ثورة صحية.

س: هل مازالت الرعاية الصحية الأولية من الأوليات الملحّة، كما كانت من قبل؟

ج: إنّنا بحاجة عاجلة إلى الرعاية الصحية الأولية الآن أكثر من أيّ وقت مضى، ليس فقط لضرورة الربط بين ما وقع خلال السنوات القليلة التي عقبت ألما-آتا وما يحدث الآن. إنّ ذكرى الرعاية الصحية الأولية لا تزال راسخة في أذهان أقاليم المنظمة والدول الأعضاء والمنظمات غير الحكوميات ويمكن إيقاظها من جديد.

س: إنّ المرمى المتمثّل في توفير الصحة للجميع يبدو من المرامي الخيالية، ماذا كنتم تعنون بذلك؟

ج: إنّنا لم نكن نرمي إلى استئصال جميع الأمراض والعلل بحلول عام 2000؛ فقد كنا نعلم أنّ ذلك غير ممكن. ولكن هدفنا كان دفع العالم إلى التركيز على الفوارق الصحية القائمة ومحاولة بلوغ مستوى صحي يمكن قبوله وموزّع بشكل منصف في جميع أرجاء العالم.

س: هل تشعرون بالإحباط نتيجة عدم بلوغ المرمى المتمثّل في توفير الصحة للجميع ولنظر البعض إلى الرعاية الصحية الأولية كمحاولة فاشلة لتوفير خدمات الرعاية الصحية لجميع الناس؟ كيف يمكن لمنظمة الصحة العالمية إنعاش الرعاية الصحية الأولية من جديد الآن وكيف يمكنكم المساهمة في ذلك؟

ج: منظمة الصحة العالمية بصدد الشروع في أمر بالغ الأهمية. فهي تعود للأخذ بالتعريف الرائع الذي أعطته لمصطلح الصحة. ويمكننا بلوغ الكثير إذا تمكّن الناس فقط من إيلاء المزيد من الاحترام لهذا التعريف القائل بأنّ " الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز"-وهو تعريف حظي بسخرية الكثير من المهنيين الطبيين. وأنا أدعم بقوة ما تقوم به المنظمة حالياً. وأرى أنّ من باب الشجاعة الاستثنائية شروع المديرة العامة للمنظمة [الدكتورة مارغريت تشان] في مناقشة مع الدول الأعضاء حول كيفية إنعاش الرعاية الصحية الأولية. وأنا أقول هذا بصفتي من القدماء الذين أُصيبوا بإحباط لرؤية الأشياء تتخذ المنحى الذي اتخذته، ولكنّني أرى الآن أنّ المنظمة على استعداد للنظر، ملياً، فيما آلت إليه الأمور وفي الاتجاه الذي نرغب في اتخاذه من أجل تجاوز الرعاية الصحية الاختيارية. فقد يكلّف ذلك الكثير، ليس مقابل تحويل البرامج العمودية فحسب، بل مقابل وضع نُظم صحية تركّز على مفاهيم الرعاية الصحية الأولية. وقد يتطلب الأمر تكريس جميع أشكال التآزر التي يمكن استحداثها بين البرامج العمودية والأفقية، وذلك ما نرجوه فعلاً. وأنا أشعر بسرور كبير لأنّ كل هذا قيد الإنجاز حالياً. ■

شارك