مجلة منظمة الصحة العالمية

التغير المناخي وتنظيم الأسرة: البلدان الأقل تطوُّراً تحدد برنامج العمل

ليو بريانت(أ)، ولويس كارفير(ب)، وكولين د بوتلر(ت)، وأبابو أناج(ج)

(أ) منظمة ماري ستوبس العالمية، لندن، إنجلترا. (ب) شبكة السكان والاستدامة، لندن، إنجلترا. (ت) جامعة أستراليا الوطنية، كانبيرا، أستراليا العاصمة، أستراليا. (ج) شبكة السكان والصحة والبيئة، أديس أبابا، أثيوبيا.

المراسلة مع ليو بريانت (البريد الإلكتروني: leo.bryant@mariestopes.org.uk)

تقديم البحث: 19 ديسمبر/كانون الأول 2008 – استلام النسخة المدقَّقة: 28 أغسطس/آب 2009 – القبول: 31 أغسطس/آب 2009 – النشر على الإنترنت: 18 سبتمبر/أيلول 2009)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2009؛87: 82-857

المقدمة

رغم النطاق الواسع للنقاش العام بشأن تغير المناخ، لم يتم نسبياً استكشاف مدى علاقته بالنزعات الديموغرافية، لاسيما على مستوى صنع السياسات. لقد ناقش بعض المعلقين البارزين هذه العلاقة1-3. يتمثل الجوهر الأساسي لما يقلقهم في أن نمو السكان في العالم – الذي يتوقع أن يرتفع من نحو 6.8 مليار نسمة اليوم إلى 9.2 مليار بحلول عام 2050 4 – سيؤدي حتماً إلى حدوث زيادة كبيرة في انبعاثات غازات الدفيئة. وقد أدى هذا إلى دعوات لإدراج الوصول الشامل الطوعي إلى خدمات تنظيم الأسرة كأحد العناصر الأساسية في سياسات الاستجابة لتغير المناخ. في الواقع أشار بعض الكتاب إلى طبيعة الربح المضاعف من هذا التدخل نظراً للمزايا العديدة التي قد تنتج من برامج تنظيم الأسرة القائمة على الحقوق، والتي تشمل كلاً من خفض وفيات الأمهات والأطفال الرضع، وتمكين المرأة، ومنع الحمل غير المقصود بما في ذلك بين النساء المصابات بفيروس نقص المناعة البشري، ومنع انتقال عدوى فيروس نقص المناعة البشري من الأم إلى الطفل، وتحسين قدرة الوصول إلى الواقيات التناسلية؛ وخفض معدل الإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً بما فيها تلك التي تسهل انتقال فيروس نقص المناعة البشري؛ وتخفيض الفقر5.

ومع ذلك، لم تجذب هذه الدعوات حتى الآن انتباه السياسيين، ولا حتى داخل جماعة الضغط البيئية. يمكن أن يرجع هذا إلى الخوف من المبالغة في سياسة الاستجابة، كما أدركنا خلال سياسات "السيطرة على السكان" في الستينات والسبعينات، التي تولدت من مخاوف الانفجار السكاني العالمي، والتي أدت في بعض الأحيان إلى تسجيل حالات من تطبيق إجراءات التعقيم (أي سلب القدرة على الإنجاب) دون الحصول على موافقة كاملة من المريض6.

ومن الجدير بالذكر أنه تم حصر صلة النزعات الديموغرافية إلى حد كبير مع الآثار المترتبة على انبعاثات غازات الدفيئة، وذلك مثل الكثير من المناقشات العامة بشأن تغير المناخ. في غضون ذلك لم تستكشف المؤلفات العلمية حتى الآن أهمية النزعات الديموغرافية في التكيف مع تغير المناخ. وتتمثل النتيجة الرئيسة لهذه الورقة في التأكيد على أن هذا العجز يتناقض بشكل هائل مع اهتمامات حكومات أقل البلدان نمواً.

ورغم الاهتمام الكبير بالحد من انبعاثات غازات الدفيئة، ركّزت أقل البلدان نمواً في الغالب على التكيّف مع تغير المناخ، وبالتالي كيف يمكن الحد من الأضرار المتوقعة لتغير المناخ7. لقد قام اثنان من كتاب هذه الورقة بمراجعة الأدبيات التي تتمثل في الوثائق الإستراتيجية المقدمة من أربعين بلداً من أقل البلدان نمواً إلى مرفق البيئة العالمي؛ ووجدوا بأن غالبية كبيرة (93 ٪) من هذه البلدان قد عبّرت عن قلقها إزاء تأثير النمو السكاني السريع على قدرتها على التكيف مع تغير المناخ.

من المفاجئ عودة ظهور هذا الاهتمام بالنزعات الديموغرافية في أقل البلدان نمواً8-10 ، وذلك لأن البلدان مرتفعة الدخل هي التي قادت الخوف من "الانفجار السكاني" في العقود الأولى بعد الحرب العالمية الثانية. إضافة لذلك، تُقاد عودة الظهور هذه من قبل الحركة الشعبية وقيادة حكومات البلدان إما منخفضة أو مرتفعة الدخل، أو منظمات عالمية مثل البنك الدولي. هذا ما يتضح من دراسة حالةٍ حول مشروعٍ في إثيوبيا دمجَ تنظيم الأسرة مع برامج الحفاظ على الأراضي وإدارتها. من الهام الإشارة إلى ما يعنيه هذا البرنامج من ضرورة زيادة إتاحة خدمات تنظيم الأسرة الطوعية للمجتمعات الفقيرة في أقل البلدان نمواً لمساعدتها في التكيف مع الآثار الضارة لتغير المناخ. إننا نؤكد على التمييز بين هذا النهج وما يقال حول ضرورة العمل على تباطؤ النمو السكاني في هذه البلدان للحد من الزيادات في انبعاثات غازات الدفيئة. ربما يكون من الأكثر ملاءمةً اعتماد مقاربة قائمة على الحقوق في تنفيذ برامج تنظيم الأسرة التي تستجيب لاحتياجات الناس والمجتمعات وليس استجابة للقلق الدولي من الانفجار السكاني العالمي.

برامج العمل الوطنية للتكيف

تم إنشاء الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في 21 مارس/آذار 1994 مع هدفين رئيسين. أولهما الحد من انبعاثات غازات الدفيئة بما في ذلك غاز ثاني أكسيد الكربون. وهو ما يجري تنفيذه حالياً من خلال اتفاقية كيوتو، وهو غالباً العنصر الوحيد المعترف به في الاتفاقية الإطارية. أما الهدف الثاني فهو التزام الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بتقديم الدعم المالي – إضافة إلى تدفقات المعونة القائمة – إلى البلدان النامية التي تحتاج إلى المساعدة من أجل التكيف مع آثار تغير المناخ. يتم تسليم هذا الدعم المالي من خلال المرفق العالمي للبيئة.

قدمت الحكومات الأربعون برامج العمل الوطنية للتكيف ما بين عامي 2004 ونيسان/أبريل 2009، رداً على لجنة من المرفق العالمي للبيئة11. تمثل هذه التقارير خطوة هامة نحو تحقيق تعهد منظمة التعاون والتنمية من خلال توفير الدعم لعملية معترف بأهميتها وتساعد كل من أقل البلدان نمواً والجزر الصغيرة النامية على تحديد وتوضيح أولوياتها من أجل التكيف مع تغير المناخ. وضعت برامج العمل الوطنية للتكيف شروط الأهلية لمنح التمويل من صندوق أقل البلدان نمواً التي يديرها المرفق العالمي للبيئة لإستراتيجيات التكيف المقترحة. تم توزيع 172 مليون دولار أمريكي عن طريق هذا الصندوق حتى وقت كتابة هذا التقرير، ويهدف للوصول إلى 500 مليون دولار أمريكي قبل عام 2012.

تعتبر تقارير برامج العمل الوطنية متميزة لأنه تم إنشاؤها من قبل حكومات أقل البلدان نمواً عن طريق التشاور مع المجتمع المدني والجماعات المحلية ولأنها تتجنب الأساس المنطقي المرتكز على مفهوم من "الأعلى إلى الأسفل"12، أي أنها تتجنب تدفق المعلومات في اتجاه واحد بين المتبرع والمتلقي، وهي العلاقة التي تتميز بالكثير من العيوب في مجال المساعدة الإنمائية. يبين تحليل التقارير أنّ 37 من التقارير (93٪) تشير إلى تأثير تغير الظروف الجوية على "النمو السكاني السريع"، كأحد المشاكل والمخاوف بالإضافة إلى عدد آخر من العوامل مثل التعرض للفيضانات والجفاف وانخفاض غلة المحاصيل.

تظهر العديد من المواضيع المشتركة بشأن آثار محددة لتغير المناخ. تشير كل البلدان تقريباً (38 من 40 بلداً) إلى تزايد مخاطر الفيضانات، في حين أشار 36 بلداً إلى وجود فترات الجفاف لمدة طويلة أو متواترة. حدد ثلاثة وثلاثون بلداً انخفاض غلة المحاصيل، و35 بلداً ندرة المياه العذبة، وناقش 37 بلداً التهديدات التي يتعرض لها التنوع البيولوجي. إلا أننا ولأغراض هذه الورقة سنعمل على إبراز التقارير السبعة والثلاثين التي اعتبرت النمو السكاني السريع كمشكلة قد تزيد من حدة آثار تغير المناخ أو تعوق القدرة على التكيف. لقد حددت ستة من هذه البلدان أولوية النمو السكاني السريع التي يجب أن تتناولها إستراتيجية التكيف، في حين لم تتم الإشارة إلى النمو السكاني على الإطلاق في ثلاثة تقارير فقط من هذه التقارير الأربعين. ويلخص الجدول 1 هذه النتائج.

لقد تم تحديد الآثار الضارة لتغير المناخ من قبل العديد من البلدان الأربعين، رغم اختلافها ما بين البلدان والمناطق، واعتمادها على المقياس الزمني أيضاً. على سبيل المثال، في بنغلاديش من أهم ما يثير القلق هو زيادة الفيضانات الناجمة عن العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر، بينما في أجزاء كبيرة من شبه الصحراء الإفريقية هناك المزيد من المخاوف من حدوث انخفاض في الإنتاج الزراعي13، 14. كما يشكل انعدام الأمن المائي قلقاً مشتركاً آخر. وكما يوضح الجدول 1، فإنّ 37 تقريراً تشير إلى دور النمو السكاني السريع في واحد أو أكثر من هذه الآثار الضارة. ويحدد الجدول 2 مختلف قضايا التكيف مع تغير المناخ والتي تفاقمت بسبب النمو السكاني السريع.

التفاعل بين الديموغرافيا والمناخ

نظراً لسرعة التغير الديموغرافي في كثير من أقل البلدان نمواً، ليس من المستغرب تحديد نمو السكان كأحد المشاكل في الإستراتيجيات المتعلقة باستنزاف الموارد الطبيعية. على سبيل المثال، من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان رواندا وأوغندا مرتين وثلاث مرات على التوالي بحلول عام 2050 4،15. ولا يزال انتشار وسائل منع الحمل الحديثة قليلاً في كلا البلدين (18% في أوغندا و10% في رواندا)16. ولكن هذه التقارير تتجاوز مجرد نقل هذه المشكلة بل تقدم وصفاً غنياً للتفاعل بين العواقب المترتبة على كل من التغير الديموغرافي والمناخي على حدٍ سواء.

إنّ انعدام الأمن الغذائي هو سمة رئيسةٌ ومتكررة. تقوم الدول الساحلية والجزر الصغيرة غالباً بتسليط الضوء على تأثير كل من تغير المناخ والنمو السكاني السريع على الأسهم المتدهورة لصيد الأسماك، بينما تُعنى الدول الأخرى بالآثار المجتمعة لتغير المناخ والنمو السكاني السريع على المحاصيل الزراعية، وهذا ما يوضحه فانواتو:

"مع تزايد عدد السكان، يتم اختصار فترات إراحة الأرض، مما يزيد من تدهور التربة. سيزيد تقلب المناخ والظواهر الجوية الشديدة مثل الجفاف والفيضانات من حدة تأثيرها على الأرض، وبالتالي على الإنتاجية الزراعية"17.

بالإضافة إلى الخوف من تفاقم انعدام الأمن الغذائي، يتم الحديث عن نضوب الموارد الطبيعية كموضوع محوري لجميع التقارير. في حين يشير البعض إلى أن فقدان هذه الموارد يزيد من وطأة تغير البيئة والظواهر الجوية الشديدة، بينما يعتبر البعض الآخر بأن النمو السكاني هو من الضغوطات الإضافية. غالباً ما يتم تحديد النتائج المترتبة على الجمع بين هذه الضغوطات من النواحي الاقتصادية وبازدياد الضعف البشري لتأثير تغير المناخ، كما هو الحال في أوغندا فيما يتعلق باستنزاف الغابات الطبيعية:

"تحدث إزالة الغابات بسبب وجود عدد من العوامل، بما في ذلك الزيادة السكانية والممارسات الزراعية السيئة... يوحي هذا المعدل المرتفع لإزالة الغابات وتدهورها بأن أوغندا قد تفقد الغابات الطبيعية بنهاية هذا القرن إذا لم يتم اتخاذ بعض الإجراءات. مما سيشكل تكلفة مرتفعة، بسبب كثرة النتائج المترتبة على إزالة الغابات، والتي تشتمل على التصحر وفقدان التنوع البيولوجي وتآكل تجمع الجينات وزيادة ضعف المجتمعات المحلية نحو الظواهر المناخية المتطرفة وتناقص أسباب العيش في المجتمعات الريفية"18.

يربط تقرير رواندي بين المواضيع نفسها كالضعف الشديد مع مخاوف ديموغرافية رئيسة أخرى تتمثل في الهجرة وعلاقتها بتغير المناخ19. حيث يتم التركيز على العبء الذي يضيفه تغير المناخ على المجتمعات التي تواجه بالفعل تحديات الهجرة الناجمة جزئياً عن النمو السكاني السريع:

“تتميز المناطق عالية الكثافة السكانية حالياً بالإفراط الشديد في استغلال الأراضي والغطاء النباتي التي تتسبب في المراحل المتقدمة بحدوث التآكل والانهيار الأرضي. يفسر هذا الوضع ديناميكية الهجرة الحالية من المقاطعات الأكثر اكتظاظاً بالسكان في الشمال (روهنجيري وجيسنيي وبيومبا) والجنوب (بوتاري وغيتاراما) نحو المحافظات الأقل سكاناً ولا سيما في الشرق (أوموتارا وكيبونغو) والجنوب الشرقي (كيغالي ناغالي) بحثاً عن أراضٍ جديدةٍ للزراعة والثروة الحيوانية. إن هؤلاء السكان المهاجرين هم ضعفاء اقتصادياً، ويزداد هذا الضعف بارتفاع نسبة مخاطر الجفاف والتصحر في المنطقة التي تتلقاها" 19.

تتكرر هذه الزيادة في وقوع الجفاف في تقارير العديد من البلدان الأخرى، ومن الواضح بأن نقص مياه الشرب يشكل مصدر قلقٍ بالغ للكثير من البلدان، وغالباً ما يتم ربطه بالنمو السكاني السريع في التقارير المقدمة. تتمثل القضية في تناقص العرض (نتيجة لتغير المناخ) في مواجهة زيادة الطلب (بسبب النمو السكاني) على الرغم من أنّ إشارة بعض التقارير أيضاً إلى آثار ارتفاع مستويات التلوث على المياه العذبة. يسلط تقرير بنغلاديش الضوء على الآثار المتبادلة لارتفاع مستويات البحر والنمو السكاني على المدى النسبي لتوافر المياه العذبة:

"من شأن أثر تسرب المياه المالحة في مصبات الأنهار والمياه الجوفية أن يعزز انخفاض تدفق النهر، وارتفاع وانخساف مستوى البحر. سيقلل ضغط النمو السكاني وتزايد الطلب بسبب النمو الاقتصادي من توافر إمدادات المياه العذبة في المستقبل نسبياً. كما سيترك تسرّب المياه المالحة آثاراً سلبيةً على الزراعة والمناطق الساحلية وتوافر المياه العذبة للعموم وبالتالي ستتناقص إمدادات المياه الصناعية"20.

تربط تقارير أخرى (من غامبيا وجزر سليمان) بين قضايا التوافر المحدود للمياه العذبة وارتفاع الكثافة السكانية مع زيادة انتشار الأمراض المعدية :

" ... ويزداد خطر انتقال الأمراض المعدية مع الاكتظاظ"21.

بينما تتفاوت مخاوف التقارير المتخلفة بشأن النمو السكاني السريع وتغير المناخ، تبرز ثلاثة مواضيع رئيسة: (أ) انخفاض العرض (يملك كل من النمو السكاني السريع وتغير المناخ فعلاً تراكمياً لإنقاص مصدر الموارد الطبيعية الأساسية، مثلاً من خلال تآكل التربة وإزالة الغابات)؛ و(ب) زيادة الطلب (يتوقع أن يساهم النمو السكاني السريع في تصاعد الطلب على الموارد التي تقلصت من جراء تغير المناخ، بما في ذلك المياه العذبة والمواد الغذائية)، و(ج) الضعف تجاه الكوارث الطبيعية (يزيد النمو السكاني السريع من الضعف البشري نحو الكوارث الطبيعية الناجمة عن تغير المناخ، عن طريق إجبار المزيد من الناس على الهجرة والاستيطان في المناطق المعرضة لخطر الفيضانات والعواصف والجفاف والأمراض المعدية على سبيل المثال).

مقاربةٌ متكاملةٌ

بينما تذكر العديد من التقارير (37) أهمية النمو السكاني السريع في فهمنا لتأثير تغير المناخ، فقد اقترح عدد قليل من التقارير (6) التصدي المباشر للنمو السكاني من خلال إستراتيجيات التكيف المقترحة. لم يكن هذا بالأمر المفاجئ نظراً لحقيقة أنّ وزارات البيئة كانت المسؤولية عن صياغة برامج العمل الوطنية بينما يشكّلُ "السكان" تقليدياً أحد مسؤوليات وزارة الصحة. ومن المؤسف أيضاً انعكاس حقيقة أخرى بأن تنظيم الأسرة بالنسبة لمعظم البلدان لا يزال "صومعة" ضمن قطاع الصحة الإنجابية ولم يتم حتى الآن تناولها على نطاق واسع ضمن النهج متعدد القطاعات، الذي يعتبر أمراً مهماً و ضرورياً. ولكنَّ حقيقةَ أنّ العديد من وزارات البيئة ذكرت نمو السكان السريع تشير إلى احتمال العمل على إضعاف هذه "الصومعة".

ومع ذلك يرد في استجابة الحكومة بأن بعض منظمات المجتمع المدني المعنية بتأثير النزعات المناخية على رفاهية الإنسان قد اتخذت زمام المبادرة في تنفيذ إدماج الصحة الجنسية والإنجابية في جهود التكيف البيئية. يشكل هذا الاتجاه صدىً لدعوات دمج خدمات الصحة الإنجابية في برامج فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، ويشير أيضاً إلى الحاجة لدمجٍ أوسع في قطاعات متعددة. من الأمثلة على هذا النهج متعدد القطاعات هو ما يتيحه مشروع إدارة مستجمعات المياه في الأراضي الرطبة الإثيوبية وجمعية الموارد الطبيعية والاتحاد نحو دمج قضايا السكان والصحة والبيئة في إثيوبيا، والتي تهدف لدعم الأهداف المحددة في برامج العمل الوطنية الإثيوبية، والتي تؤكّد على ضرورة وضع تنظيم الأسرة في القطاع الزراعي22.

تم العمل على تنفيذ مشروع إدارة مستجمعات المياه في مقاطعة يتشي في ميتو وريدا في شرق إثيوبيا بين عامي 2005 و2007 23. كان الهدف منها العمل المستدام على إنتاج المحاصيل وتقليل فقدان التنوع البيولوجي في المنطقة التي تحتوي على ما يقارب 3000 عائلة ريفية. لقد تأثرت هذه المنطقة بظروف الطقس الجاف بشكل متزايد، مما اضطر السكان إلى قطع الغابات الطبيعية لأغراض زراعية، الأمر الذي أدى إلى تآكل شديد في التربة.

لهذا المشروع ثلاثة أجنحةٍ تنفيذية: (أ) تدريب السكان والمنظمات المحلية على ممارسات الإدارة المستدامة للأراضي و"التوعية بالنظام البيئي الصحي"، بما في ذلك الحراجة الزراعية والري بالمضخات اليدوية وإعداد السماد وتقييم الأثر البيئي؛ و(ب) إعادة تأهيل الأراضي المرتفعة والأراضي الرطبة من خلال التشجير، و(ج) يشتمل المشروع على تعزيز الأساليب الحديثة لتنظيم الأسرة والتوعية حول فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز من خلال دعوة خبراء من مرافق الرعاية الصحية المحلية للمشاركة في دورات التدريب البيئي. استند هذا الإدراج إلى التحليل القائل بالمسؤولية الجزئية للنمو السكاني السريع عن إزالة الغابات المحلية، وأيضاً لتأييد الهدف الأسمى المتمثل في تحسين الصحة والرعاية الاجتماعية.

بعد أربع سنوات من بداية المشروع، حقق مشروع إدارة مستجمعات المياه في مقاطعة يتشي بعض النتائج الفورية والمرئية لزوار المنطقة. عمل كل من تحسين الري والسماد وطرق زراعة الأشجار على قلب اتجاهات تدهور التربة وتحسين المستويات الغذائية المحلية، وبالتالي تقليل الحاجة إلى تقليص الغابات. أيضاً عمل المشروع على دمج تنظيم الأسرة والتوعية حول فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، الأمر الذي ساعد على ضمان استدامة هذه الفوائد البيئية وحماية التربة من التآكل بفعل النمو السكاني السريع واستمرت في تحسين الصحة الجنسية والإنجابية.

الخاتمة

عندما أكدّت تقارير برامج العمل الوطنية على أهمية النزعات الديموغرافية فإنها قدمت حجةً جماعيةً قويةً لتعميم النهج المتكامل لجهود التكيف، التي تتجسد من خلال دراسة الحالة الإثيوبية. يرد ذلك في تقرير كيريباتي بشكل بليغ:

"حجم السكان ومعدلات النمو... لها تأثيرات هامة على حالة البيئة، ويزيد من شدة التأثر والتكيف مع الاحتياجات. في هذا الصدد، تعتبر السياسة السكانية من إستراتيجيات التكيف الهامة" 24.

على الصعيد الوطني، سوف يتضمن هذا المنظور الديموغرافي إدماج برامج تنظيم الأسرة الطوعية والمستندة على الحقوق في جهود التكيف، وبالتالي جعل تغير المناخ إحدى الأولويات التي يجب أن تشترك فيها إدارات الصحة فضلاً عن وزارات البيئة.

وأما على الصعيد الدولي، فتصحيحُ نقص الدعم المالي العالمي والمزمن في المساعدة الإنمائية في مجال تنظيم الأسرة، بما في ذلك دمج الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية وفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، يعتبر من الإضافات الهامة إلى الجهود الدولية لمساعدة أقل البلدان نمواً على التكيف مع تغير المناخ. ■


تضارب المصالح لم يُعلَن أيٌّ منها.

المراجع

شارك