مجلة منظمة الصحة العالمية

البرازيل واستخدام التّبغ: مهمة صعبة التّحقيق

تدفع البرازيل باتجاه تقوية منع التّدخين وتدعم معالجات إعاضة النّيكوتين كمحاولة للاستمرار في تقليل إحصاءات استخدام التّبغ. إنّ رفع سعر السّجائر سيساعد أيضاً. تقرير كلاوديا جوربيرج.

حققت الضّرائب على منتجات التّبغ دخلاً يقارب 2.2 بليون دولار أمريكي لحكومة البرازيل عام 2008، لكن ذلك لا يعني أن حكومة البرازيل تتساهل مع صناعة التّبغ.

تتصدر البرازيل منذ عقدين من الزّمن مبادرات مكافحة التّبغ في العالم، وتفخر فيرا داكوستا إي سلفا، المتخصّصة في الصّحّة العموميّة والمؤيدة للحكومة في مكافحة التّبغ، بمشاهدة البرازيل كأول بلد يمنع استخدام الصّفات الخدّاعة التي توضع على علب السّجائر مثل "خفيف" و"بسيط" منذ عام 2001، وكانت هذه الحركة متوافقة مع قانون نفذ قبل ذلك بسنة ألزم مصنّعي السّجائر بوضع تحذيرات صحّيّة تصويريّة شاملة كليّاً لأحد وجهي العلبة الرّئيسَين على الأقل، وتصوّر هذه التحذيرات أشخاصاً في المراحل الأخيرة من أحد الأمراض المتعلقة بالتّبغ غالباً.

إدسون سانتوس (الثالث من الأيسر) في جلسة المعالجة لإيقاف التبغ. يتمرن المشاركون هكذا على الاسترخاء والوقاية من القلق.

لقد انخفض انتشار التّدخين في العقدين السّابقين نتيجة مثل هذه المبادرات من 34% من السّكان البالغين عام 1989 إلى 15% في العام الماضي، بحسب وزارة الصّحّة في البرازيل، لكن نزعة الانخفاض توقّفت خلال السّنوات القليلة الماضية لأن شركات التّبغ تستهدف زبائن جدداً، ولاسيما النّساء، علماً أن 200000 برازيليّ يموتون سنويّاً حاليّاً من أمراض متعلّقة بالتّبغ بحسب معهد السّرطان الوطني.

وتعدّ تقوية إجراءات مكافحة التّبغ الأساسية الأخرى أحد نواحي تعثّر مكافحة التّبغ في البرازيل، ومنها منع التّدخين في الأماكن العمومية المغلقة، إذ لم تطبّق البرازيل الاتفاقية الهيكليّة لمنظّمة الصّحّة العالميّة حول مكافحة التّبغ لعام 2005 التي تطلب من البلاد إنفاذ قوانين تحدّد التّبغ رغم أنّها صادقت عليها، ولهذا السّبب استلمت ولاياتٌ وبلدياتٌ عديدة زمام المبادرة بإنفاذ قوانينها الخاصّة التي تمنع التّدخين في الأماكن العامّة دون تخصيص أماكن مفصولة مخصّصة للمدخّنين، لكنّ هذه القوانين الجانبية انتُقدت بكونها "غير دستورية" من قبل الصناعة المضيفة وقد تُردّ من قبل المحكمة العليا.

قامت أربع ولايات وثمان بلديات حتى الآن بمنع التّدخين بطريقة وصفتها كوستا إي سيلفا "بتأثير الدومينو".

وقد سقط حجر دومينو كبير عندما أنفذت ولاية ساو باولو في آب/أغسطس قانونها الخاص الذي يمنع التّدخيـن في الأماكـن العمومية المغلقة، فقد أخفقت الجهود السّابقة لمنع التّدخين في ساو باولو نتيجة الدّعم الضّعيف واللامبالاة العمومية، لكن الأمور قد تكون مختلفة الآن، فبحسب لويز روبرتو باراداس باراتا، سكرتير الصّحّة في ولاية ساو باولو، إنّ 99.5 % من حانات الولاية ومطاعمها وفنادقها ملتزمة بدعم القانون، ويقول "لقد رصدنا 37000 مكاناً وفرضنا 198 غرامة فقط،" وتبلغ قيمة الغرامة على المؤسّسات التي تخرق الحظر حتى 750 دولاراً أمريكياً للخرق الأول، وتُضاعَف الغرامة عند تكرار الخرق، أما الخرق الثالث فيعاقب بإغلاق المؤسسة التجارية مدة 48 ساعة، ويعاقب الخرق الرّابع بالإغلاق مدة 30 يوماً.

ليس الجميع سعيداً بالحظر، فيدّعي أليكساندر سامبايو رئيس نقابة الحانات والمطاعم والفنادق في ولاية ريو دي جانيرو أن مثل هذه المبادرات غير دستورية، ويقول أن الصّناعة المضيفة في ريو قد عانت من انخفاضٍ بلغ 20 % في زيارات المطاعم والبارات نتيجة الحظر الذي أنفذته الهيئة التشريعية في الولاية كقانون، لكن هذا يحتاج الآن إلى قوة التطبيق، وقال أيضاً إنّ الحكومة يجب أن تخصّص الموارد لتوعية العموم، ولاسيما المراهقين، حول خطر التّدخين أكثر من تحديد الأماكن التي يستطيع فيها الناس التّدخين، قائلاً "إنّ عدد المدخنين يمكن أن يتدنى بذلك خلال سنوات قليلة".

إنّ حظر التّدخين في الأماكن العمومية يحمي صحّة غير المدخنين لكنّ الكثير من المدخنين يحتاجون أكثر من مجرد الحظر لمساعدتهم على الإقلاع عن التّدخين. إن البرازيل على جبهة الإقلاع عن التدخين ترمي ثقلها خلف المعالجات بإعاضة النّيكوتين – وهي حركة تدعمها بشدة منظّمة الصّحّة العالميّّة التي وضعت في أيار/مايو من هذا العام المعالجة بإعاضة النّيكوتين على قائمة الأدوية الأساسية.

فيرا داكوستا إي سيلفا

"يعدّ هذا نصراً للصّحّة العموميّة،" بحسب قول كوستا إي سيلفا التي تعتقد أنّ هذا القرار الأخير لمنظّمة الصّحّة العالميّّة سيشجّع البرازيل والبلدان الأخرى لعدّ المعالجة بإعاضة النّيكوتين بالأهمية نفسها مقارنة مع أي دواء آخر يستعمل من أجل غايات الوقاية، ولتشجيع الأشكال التّجارية الأرخص ثمناً من المعالجة بإعاضة النّيكوتين.

تقدّم 10% أو أكثر من أكثر من 5000 بلدية في البرازيل معالجة الإيقاف المبنية على الاسْتِنْصاح النفسي الذي يولَّف أحياناً مع المعالجة بإعاضة النّيكوتين مثل الرّقعات والعلكة وبُوبْرُوبْيُون المُضادّ للاكْتِئاب، وتتوفر معالجة الإيقاف هذه منذ عام 2002 مجّاناً بوساطة نظام الصّحّة العمومية، ويقول 40% من الذين تلقّوا المعالجة بإعاضة النّيكوتين أنهم أقلعوا عن التّدخين مع نهاية الشّهر الأول بحسب قول كوستا إي سيلفا رغم ظنّها أن الرّقم الحقيقي أقرب إلى 30%.

يدير قسمُ المساعدة في معهد السّرطان الوطني مركز بحث الإدمان على النّيكوتين الذي يختبر الطرائق والأدوية التي تساعد مرضى السّرطان على الإقلاع، كذلك يساعد عائلات المرضى وعمال معهد السّرطان الوطني على الإقلاع عن التّدخين، وتقول رئيسة المركز كريستينا كانتارينو أن المركز يقدم دورة معالجة من ستة أشهر لخمسة وسبعين مريضاً يشمل ستّ جلسات اسْتِنْصاح مدة كلّ منها 90 دقيقة بالتوليف مع واحد من علكة النّيكوتين أو الرقعات أو بُوبْرُوبْيُون، وتدّعي كانتارينو أن معدّل نجاح البرنامج يبلغ 67%.

إدسون سانتوس الذي يبلغ عمره 71 سنة واحد من قصص نجاح مركز بحث الإدمان على النّيكوتين، وهو واحد من مجموعة مؤلفة من 13 شخصاً يتلقى المعالجة هناك. لقد دخّن منذ كان عمره 10 سنوات، ويقول أنّه ظنّ عند وصـوله إلى معهد السّرطان الوطني أنه سيكون عليه البقاء هناك بقية حياته لأنّ وزنه كان يبلغ 39 كيلوغراماً ويعاني من ضيق نفس شديد، ويقول "لقد كسبت ستة كيلوغرامات خلال عدّة أسابيع، فقد كنت قبل هذه المعالجة أشرب القهوة وأدخّن فقط على الفطور والغداء والعشاء، أما الآن فقد تحسّن تنفُّسي كثيراً وأصبحتُ أستطيع الصّعود على الدرج. لقد أصبحتُ شخصاً آخر."

لا يتحسن الجميع إلى هذه الدرجة طبعاً، ومنهم مثلاً إيلينا بيليزا الصحفية التي تتخصّص في المواضيع الصّحّيّة وقد كانت مدخّنة منتظمة مدّة السبع والعشرين سنة الماضية وتقول: "تلقيت خمس معالجات مختلفة"، ومع ذلك لم تستفد عليها فتوقّفت عن المحاولة، "رغم أنّني أعرف أنني مريضة لأنّ تدخين السّجائر مرض إلا أنّني لا أستطيع حرمان نفسي من هذه المتعة."

ماذا يمكن أن يدفع شخصاً متعلّماً مثل بيليزا إلى الإقلاع؟ هل الصّور الأقسى على علب السّجائر؟ يدعو البعض إلى وضع مثل هذه الصّور على وجهَي العلبة بحجّة أنّ المدخنين يقلبون الوجه ذي الصورة من العلبة إلى الأسفل ببساطة عندما يريدون الاستمتاع بسيجارة.

صورة مزعجة من حملة الملصقات البرازيلية

لقد كان الانخفاض الحاد الأخير لاستخدام التّبغ في البرازيل بين الرّبع الأول من عام 1991 والرّبع الأخير من عام 1993 بحسب تقرير حديث للبنك الدولي حول مكافحة التّدخين، وذلك عند ارتفاع الأسعار الحقيقية بمعدل 78.6 % وانخفض الاستهلاك بأكثر من الخمس، ويدعو التقرير إلى العودة إلى سياسة تسعير عام 1993، ويُقدّر أنّ مثل هذا الارتفاع سيقلّل الاستهلاك بقرابة 11% أي قرابة 100 سيجارة شرعية لكل شخص سنوياً، وتعتقد تانيا كافالكانت المنسّقة الوطنية لبرنامج مكافحة التّبغ البرازيلي أنّ انخفاضاً هاماً في الاستهلاك قد يتبع صعودَ الأسعار، وتقول أنّ البرازيل قد زادت خلال السّنتين الأخيرتين الضّرائب مما جعل السّجائر أغلى ثمناً، وتتابع "لقد انعكس ارتفاع الضّرائب على السّجائر بأكثر من 30% على شكل ارتفاع أسعار السّجائر بنسبة 24 %" وتضيف "نأمل أن يساهم هذا في تشجيع الناس على التّقليل من التّدخين، رغم أنّنا نستطيع العمل أكثر في هذا المجال – إذ ما زالت السّجائر المباعة في البرازيل من الأرخص في العالم."

تقول كوستا إي سيلفا إنّ البرازيل تحتاج إلى تقوية إجراءات مكافحة التّبغ الأساسية حتى تنجح في منع أشخاص آخرين من بدء التّدخين، ومساعدة المدخنين على تركه، وحماية غير المدخنين من التّدخين السّلبي، لكنّها تقول إنّ مصالح التّبغ البرازيلية قد أعاقت التّشريع الوطني حول ذلك.

"نحتاج إلى إيقاف تدخّل الصّناعة في السّياسات الوطنية المضادّة للتّبغ في البرازيل" بحسب قول كوستا إي سيلفا، موضحةً أنّ تدخّل الصّناعة – مثل تشكيل مجموعات مجابهة في الصّناعات المضيفة – مشمولٌ أيضاً بالاتفاقية الهيكليّة لمنظّمة الصّحّة العالميّة حول مكافحة التّبغ، وتقول إنّ الوصول إلى وزارات الحكومة يجب أن يكون أصعب على مؤيدي صناعة التّبغ، "إذ يجب على العلاقات أن تصبح أكثر شفافية، ويجب الإعلان عن أي لقاء تريده الصناعة مع وزير حكومي، وتوجد قواعد لجميع أنواع المعونات الترويضية المقدّمة للسّياسيّين، لكنّنا نعتقد أنّ الكثير من التبرعات لا يُعلَن عنها للعموم."■

شارك