مجلة منظمة الصحة العالمية

اصطياد عصفورين بحجر واحد

البروفيسور شيانج شينج شين

البروفيسور شيانج شينج شين هو معاون مدير المركز الوطني لمكافحة الأمراض المنقولة جنسيّاً في مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الصّين. نال درجته العلمية الطّبية عام 1984 من كليـة الطّب في الجامعة الجنوبية الشرقية، ثم نال الدكتوراه في طب الجلد والأَمْراضِ المَنْقُولَةِ جنسيّاً في 1998 من كلية طب الاتحاد، بيجين، الصّين. لقد قاد الكثير من الدراسات حول الوقاية من العدوى المنقولة جنسيّاً ومكافحتها، ولاسيما العلاقة بين الوقاية من العدوى المنقولة جنسيّاً ورعايتها والوقاية من فيروس العوز المناعي البشري في الصّين، وهو عضو في العديد من اللجان الوطنية والدولية حول البحث في العدوى المنقولة جنسيّاً وفيروس العوز المناعي البشري

لقد حرّضت القفزة الاقتصادية الصينية هجرة جماعية للعمال من المناطق الريفية إلى المدن بحثاً عن دخل أعلى وفرص أفضل، ويُعدّ هذا الميل خلال العقدين الماضيين عاملاً رئيسياً في عودة انبعاث العداوى المنقولة جنسيّاً في الصّين، وقد تحدث المراسل كيوي وايوان مع البروفيسور شيانج شينج شين ‏حول طريقة ربط اكتشاف ورعاية العداوى المنقولة جنسيّاً مع تلك المتعلقة بفيروس العوز المناعي البشري.

سؤال: لماذا تعاني الصّين من عودة ظهور الزُّهْرِيّ؟

جواب: بلغ عدد حالات الزُّهْرِيّ‎ ‎المبلّغ عنها رسمياً في العام 2008 في الصّين 278215 حالة، أي ثلاثة أضعاف عدد الحالات المبلّغ عنها في العام 2004، وهذه زيادة بمقدار عشرة أضعاف خلال العقد الماضي بحسب إحصاءات النظام الصيني لترصُّد العدوى المنقولة جنسيّاً، وقد ازدادت حالات الزُّهْرِيّ‎ ‎وسطياً بمقدار 30% سنوياً في كامل البلاد. لقد تخلّصت الصّين من الزُّهْرِيّ عملياً في ستّينيات القرن الماضي بحملـة قويـة من الدّعايـة والتّحري الكتلي وإغلاق بيوت الدّعارة وتقديم العلاج المجاني للعاملين بالجنس، لكن الوباء عاد إلى الظهور منذ القفزة الاقتصادية في ثمانينات القرن الماضي، ولا نعلم فيما إذا كانت حالة الزُّهْرِيّ‎ الأولى عام 1979 هامّة أم لا، ولكنّنا نعرف أن سبب عودة ظهور الزُّهْرِيّ‎ كان البغاء وهجرة العمال وضعف المراقبة الصّحّيّة. إن العمال المهاجرين ولاسيما الرّجال الشباب الذين تركوا زوجاتِهم في بلداتهم الأم يشكّلون أغلب زبائن العاملين بالجنس من الدرجات الأدنى، ويقدم هؤلاء العمّال بالجنس الخدمة باستمرار وهم أقلّ اهتماماً باختطارات العداوى المنقولة جنسيّاً مثل الزُّهْرِيّ‎ وفيروس العوز المناعي البشري مقارنة مع نظرائهم من الدّرجات الأعلى الذين يعملون في الفنادق المصنّفة بنجوم، ومن الصّعب تشجيع استخدام الواقي الذكري بين هؤلاء الأشخاص لأن تعليمهم متدنّ وحتّى أنّ بعضهم لا يستطيع دفع ثمن هذا الواقي. كذلك يعد الرّجال الذين يمارسون الجنس مع الرّجال مجموعة عالية الاختطار. لقد وجد مسح وطني أجري عام 2008 أنّ 11.9% من هذه المجموعة كان مصاباً بعدوى الزُّهْرِيّ‎ في حين كان 4.9% إيجابياً لفيروس العوز المناعي البشري. [قُدّمت هذه المعطياتُ في المؤتمر الوطني حول فيروس العوز المناعي البشري والعدوى المنقولة جنسياً عام 2009 من قبل السّلطات الصّحّيّة الصّينية.] إنّ انتشار الزُّهْرِيّ‎ يكثر في مناطق الانتعاش الاقتصادي عادة لكنه يزداد أيضاً في المناطق التي يكثر فيها انعدام المساواة الاقتصادية، كما في المناطق السّاحلية الشّرقية الجنوبية.

سؤال: ما هي التحدّيات أمام العمل في هذا المجال؟

جواب: نتحرّى الزُّهْرِيّ لدى العاملات بالجنس عند زيارة أماكن الترفيه، وغالباً ما يتعاملن معي ومع العاملين معي بحذر وعدم الثّقة والعداء وحتى الاعتداء الجسدي أو الكلامي من "حراسهنّ الشّخصيين". يتألف فريق العمل في الصّين من أشخاص من مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها بشكل رئيسي، وأحياناً من المستشفيات المحلية أيضاً، ويجب أن نكون صبورين وودودين وأن نظهر لهم الاحترام، ونجد بعد أن نكسب ثقتَهم أنّ الكثيرات من العاملات بالجنس لسن مهتمات بمعرفة فيروس العوز المناعي البشري أو الزُّهْرِيّ‎ لكنهنّ يسألنَ حول صحّتهنّ الأمومية والإجهاض ومثل ذلك غالباً. لقد أضفنا بعد ذلك خدمة استشارية صحّيّة إنجابيّة إلى التعليم حول فيروس العوز المناعي البشري / العدوى المنقولة جنسيّاً خلال زياراتنا المنتظمة. إنّ العديدات من العاملات بالجنس لن يتردّدْنَ بزيارة طبيب متخصّص لكنّهنّ يقلن أنّهنّ لا يتمكنّ من ذلك مادّياً لأنّهنّ يخدمنَ زبائنَ فقراء ليسوا أفضل حالاً منهنّ. كان من الضروري في هذه الحال تقديم ملخّص عن التكلفة الحقيقية لطلب الرعاية وفوائدها، ولم تكن معظم العاملات بالجنس قد أخذن تحليل الأمر هكذا بعين الاعتبار، واحتجنا إلى وضع أنفسنا مكانَهنّ. إن بناء الثّقة يستلزم وقتاً والكثير من الجهد، لكنّنا نجحنا بذلك في النّهاية.

سؤال: كيف تتعامل الصّين مع الأشخاص غير المستعدّين لزيارة عيادات العدوى المنقولة جنسيّاً؟

جواب: يواجه الأشخاص الذين يراجعون هذه الأقسام في المستشفيات العمومية الوصمة الاجتماعية غالباً، ولا تكون سريّتهم وخصوصيتهم محمية بشكل جيد جداً، كذلك تجعل كلفةُ التحاليل والمعالجةُ الغالية ومحدوديةُ ساعات العمل الوصول إلى هذه الخدمات أقل. لقد أجرت الصّين في السّنوات الأخيرة إصلاحات، فقد وضعت معظمُ المستشفيات العمومية أقسامَ العدوى المنقولة جنسيّاً فيها مثلاً ضمن الأقسام الجلدية، وتقدّم وحداتُ صحّة المرأة وصحة الأم في المستشفيات العمومية في المدن خدمات اختبار فيروس العوز المناعي البشري والعدوى المنقولة جنسيّاً بشكل محدود ويوجد مكان مفصول في معظم العيادات للفحص والتحري لحماية خصوصية المرضى الخارجيين وجعل الأمر أكثر إنسانية، وأُسس كذلك نظام يحفظ السّجلات آمنة أيضاً. ورغم هذه الجهود ما زال أكثر من نصف مرضى العدوى المنقولة جنسيّاً في الصّين لا يراجعون هذه الأماكن. لقد حاولنا بجدّ تشجيع العاملين بالجنس وزبائن أماكن التسلية على قصد العيادات من أجل الاختبار، لكن العديد منهم لا يصدّق أنه يمكن أن يكون مصاباً بالعدوى. إنّ معهدِي يقدّم حالياً بالتعاون مع منظّمة الصّحّة العالميّة اختبار الزُّهْرِيّ‎ المعروف باسم نقطة الرعاية الذي يعطي النّتيجة خلال 15 إلى 20 دقيقة، ويسمح بالاختبار في أماكن غير تقليدية مما يجنّب الوصمة المصاحبة لزيارة عيادات العدوى المنقولة جنسيّاً، ويمكن لفريقنا تحويل المريض سريعاً إذا كان يحتاج للمعالجة، وقد أظهرت دراستنا أنّ الوقايةَ والتّحري ضروريان ليس فقط في "محلات الحلاقة" (بيوت الدعارة) ومحلات التدليك وبارات الكاريوكي (الغناء الشخصي). لقد اكتشفنا أن العديدَ من العاملين بالجنس الرّخيصين ذوي الاختطار العالي يخدمون الزبائن في الشارع أو في الغرف المأجورة أو في منازل خرِبة في محيط المناطق المدنية. إننا بحاجة إلى تقديم وقاية شاملة وتحرّ لهؤلاء الجيران حيث يعيش العمال المهاجرون وفقراء المدن. إضافة إلى ما سبق، نقودُ مشروعاً لمعرفة فيما إذا كان يمكن تقديم اختبار الزُّهْرِيّ‎ السّابق كنقطة بداية لتشجيع الزّبائن على الخضوع لاختبار فيروس العوز المناعي البشري.

سؤال: هل خدمات فيروس العوز المناعي البشري والعدوى المنقولة جنسيّاً متكاملة في الصّين؟

إن الروابطَ بين رعاية فيروس العوز المناعي البشري وخدمات اكتشاف العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى ضعيفة في الصّين. إن بعضَ برامج التوعية الطوعية والاختبار من أجل فيروس العوز المناعي البشري تشمل اختبارَ الزُّهْرِيّ‎ أيضاً، ولكنّ ذلك هو حدود العلاقة في أماكن عديدة. لا تُشمل العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى. وتخطِّط بعض مراكز الرّعاية الصّحّيّة للأطفال وللأمهات لدمج الزُّهْرِيّ‎ في رزم المعالجة الخاصة بها، لكنّها تفتقر للتمويل اللازم لذلك. إن خدماتِ تحرّي الزُّهْرِيّ‎ واكتشافه مدمجةٌ في برامج الوقاية والمكافحة من فيروس العوز المناعي البشري، وقد طُبّقت ذلك برامجُ مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها الصينية بشكل أساسيّ من أجل المجموعات العالية الاختطار، لكنّ هذا لا يساعدنا إلا في فهم انتشار المرض فقط إذ لا يقدّم إلا القليل من رعاية الزُّهْرِيّ‎ بعد الاختبار.

سؤال: هل يوجد مرضا فيروس العوز المناعي البشري والعداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى معاً لدى الكثيرين في الصّين

جواب: لا توجد إحصاءاتٌ وطنية حول ذلك لأن نظامَي التبليغ عن فيروس العوز المناعي البشري وعن العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى منفصلان، لكنْ يبدو أن تشارك فيروس العوز المناعي البشري مع أحد العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى ولاسيّما الزُّهْرِيّ‎ يزداد لدى المجموعات العالية الاختطار. من الأسباب أنّ فيروس العوز المناعي البشري و العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى يمكن أن تكون منقولة جنسيّاً في حين يشجّع انتشارُ فيروس العوز المناعي البشري وانتشارُ العداوى المنقولة جنسيّاً أحدُهما الآخر، فمثلاً يمكن لشخص مصاب بفيروس العوز المناعي البشري وعدوى منقولة جنسيّاً مثل الزُّهْرِيّ‎ أو الحلأ التناسلي أو القرح اللين أن ينقلَ فيروس العوز المناعي البشري بسهولة أكبر، كذلك من الصّعب أكثر علاج العداوى المنقولة جنسيّاً التي تصيب أشخاصاً مصابين بعدوى فيروس العوز المناعي البشري. في الحقيقة، يمكن لهذه التوليفة أن تسرّع انتشار كلّ من فيروس العوز المناعي البشري و العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى، وتفاقم كلاً من الوباءين، كذلك تكون العاملاتُ بالجنس في بعض الأماكن مدمناتٍ على المخدرات ويكنّ في اختطار عال للإصابة بفيروس العوز المناعي البشري و العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى. إننا بحاجة إلى تقوية مكافحة العداوى المنقولة جنسيّاً الأخرى القابلة للشفاء غالباً وذلك للوقاية من فيروس العوز المناعي البشري واكتشافه.

سؤال: ما هي البرامج الموجودة لرفع درجة الانتباه إلى الوقاية من فيروس العوز المناعي البشري و العدوى المنقولة جنسيّاً؟

جواب:لقد أُجريت حملة تعريف عمومية عبر الصّين لتعليم الناس حول الجنس الآمن و فيروس العوز المناعي البشري/ متلازمة العوز المناعي المكتسب، ولاسيما خلال العقد الأخير، ويتضمن هذا لقطاتٍ تلفزيونية من اهتمام العموم، وتمثيليات مسرحية وملصقات في الأماكن العامة والتعليم في المدارس حول الجنس الآمن وغير ذلك، وتُعدّ برامج التعليم التي تركّز على المجموعات العالية الاختطار جزءاً رئيسياً من حملات فيروس العوز المناعي البشري الوطنية أيضاً، وتوجد برامج وقاية توجَّه للعمال المهاجرين في أماكن العمل وفي أماكن التسلية حيث همْ هناك من الزبائن الدائمين، كذلك يَسمح تشجيعُ استخدام الواقي الذكري بين المجموعات العالية الاختطار بقتل عصفورين بحجر واحد، والمقصودُ هو الوقايةُ من فيروس العوز المناعي البشري المنقول جنسيّاً والعداوى المنقولة بالجنس الأخرى.

سؤال: ما هي التحّديات أمام الوقاية الفعالة من العداوى المنقولة بالجنس و/أو فيروس العوز المناعي البشري ورعايتها وعلاجها؟

جواب: توجد تحدّيات عديدة. الأوّل أن هذه الأوبئةَ في تصاعد في الصّين، في حين ما زالت السّياسات من أجل الوقاية من العدوى المنقولة بالجنس ورعايتها وعلاجها في طور البناء، والثاني أنّ الحكومة المركزية قد دعت إلى تعاون الأقسام المختصة إلا أنّ نزاعات المصالح بين الأقسام مثل تلك المسؤولة عن الصّحة العمومية وعن الضّمان العمومي قد ترى الخدماتِ اللازمةَ للوصول إلى مستخدمي المخدّرات والعمّال بالجنس بشكل مختلف، والثّالث أنّ نظام الصّحّة العمومية مقسوم من حيث الطّريقة الأفضل للتّعامل مع مكافحة المرض والوقاية منه، ونعتقد من وجهة نظر مكافحة المرض أنّ اكتشافَ العداوى المنقولة بالجنس وعلاجَها يجب أن يكون لا مركزياً، لكنّ إداراتِ المستشفيات تدفع من أجل الحصول على مواردَ من أجل تركيز العداوى المنقولة بالجنس وتكثيفها في مستشفياتها. إن حملات التوعية العمومية حول العداوى المنقولة بالجنس لا تُعطى الأولوية العالية التي يجب أن تحصل عليها، وبخلاف العديد من الدّول الغربية لا تمتلك الصّين برنامج صحّة عمومية للعدوى المنقولة بالجنس رغم أنّها يجب أن تمتلك واحداً، والرّابع أن سياسة الدولة تركّزت على فيروس العوز المناعي البشري/ الأيدز بشكل أساسي، ولم تُعر العداوى المنقولة بالجنس الأخرى أهميةً كبيرة وعَدّ مقدّمو الخدمات الصّحّيّة اختباراتِ وعلاجَ العدوى المنقولة بالجنس كمصدر للربح، ومن المهم وجود سياسات عمومية تجعل الوقاية من العداوى المنقولة بالجنس والتدخّلات الخاصّة بها ومعالجتَها أولويةً لتحسين التعاون بين الأقسام المختلفة وفي النّظام الصّحّيّ العموميّ، ولتخصيص الموارد من أجل الأمور المتعلقة بالعدوى المنقولة بالجنس أكثر من جعل هذه الخدمات تجارية.■

شارك