مجلة منظمة الصحة العالمية

سَحب الحرارة بعيداً عن جدل السّكّان والمناخ

ديارميد كامبل - لِندروم(أ) ومانجيولا لوستي-ناراسيمهان(ب)

(أ) قسم الصّحّة العمومية والبيئة، منظّمة الصّحّة العالميّة، 20 شارع أبيا، 1211 جينيف 27، سويسرا. (ب) قسم الصّحّة والبحث الإنجابيين، منظّمة الصّحّة العالميّة، جينيف، سويسرا.

المراسلة مع ديارميد كامبل-لِندروم (البريد الإلكتروني: campbelllendrumd@who.int).

نشرة منظمة الصحة العالمية 2009؛ 87:87:807-807.

تغيرات المناخ والسّكّان هما من بين المواضيع الأكثر إثارة للجدل في السّياسة العمومية إذا أُخذ كل منهما على حدة، أما إذا ضُمّ الاثنان معاً فتنتج وصفة لحلّ التناقض. يشير مقال براينت والزملاء (852-857) من هذا العدد(1) إلى أسلوب بنّاء أكثر للتعامل مع هذه الاهتمامات المترابطة.

إنّ التّحدّي الأساسيّ لسياسة تغيّر المناخ مع كل تعقيداتها هي النّزاع بين الاتجاه إلى زيادة الربح الفردي أو الوطني قصير الأمد إلى أقصى حد ممكن (زيادة ناتج الدّخل العام بوساطة استعمال طاقة الوقود الرّخيص) والحاجة إلى الحماية طويلة الأمد للفوائد المشتركة (إنقاص تغيّرات المناخ وتقليل الضّرر العالمي للنّظامين الطبيعي والبشري إلى الحدّ الأدنى).

إنّ موضوع العدالة مرتبط بقوة مع ذلك، فالسّكّان الذي ساهموا أقلّ ما يمكن في الانبعاث الحراري السّابق من غازات البيوت الزجاجية هم الأكثر قابلية للتّأثّر بالتّغيّرات المناخية بما يشمل التّأثير على الصّحّة السّكّانية، (2-3) لذلك تعارض حكومات البلدان النامية الالتزام بتقليص انبعاثات غازات البيوت الزجاجية للمساعدة في حلّ المشكلة التي نشأت حتى الآن في مكان آخر. وتقرّ بدورها حكومات البلدان الأغنى عادة بمسؤوليتها عن أداء دور قيادي في الصّراع ضد التّغير المناخي إلا أنّها تتردد في تطبيق سياسات تُعدّها قد تكون مؤذية على المدى القصير على نموّها الاقتصادي وتعيق منافستها مقابل الاقتصاديات النّامية بسرعة.

توجد تشابهات في بعض وجوه هذا الجدال لدى مناقشة السّياسات السّكّانية ـ إذ يوجد مرّة أخرى توتر محتمل بين حقوق الأفراد المباشرة (للسيطرة على إنجابهم الشّخصي) والاهتمام طويل الأمد على المستوى السّكّاني (في أنّ النّمو السّكّاني السّريع قد يتجاوز الموارد الطبيعية والاقتصادية الاجتماعية ويعيق النّمو ويخلق حالات نزاع).

هذان الموضوعان مرتبطان بقوة أيضاً، لكنّ مناقشتهما معاً قد أحدث حرارة أكثر مما أعطى ضوءاً، فرغم أنّ النّماذج الاستهلاكية للسّكّان الأغنى تبقى المنتِج الأكبر لانبعاث غازات البيوت الزجاجية إلا أنّ البشر هم من يحدد هذا الاتجاه بشكل رئيسي. إلا إنّ مجرد الإعلان عن الحقيقة الواضحة تقريباً بأنّ عدد أطفال كلّ شخص هو عامل مساهم رئيسي في "توريث" انبعاث غاز البيت الزجاجي(4) قد سبّب ردّات فعل غاضبة في بعض المناطق.

النمو السّكّاني أسرع في البلدان النّامية مما يوحي بأنّ هذا يجب أن يكون نقطة البداية في إنقاص التغيّر المناخي، وكردّ على ذلك تشير البلدان النامية إلى أنّ معدّل الانبعاثات الغازيّة للفرد باعتبار عدد الأطفال المولودين في البلدان الفقيرة هو أقلّ بكثير ويتوقّع أن تبقى أقل بكثير من تلك في البلدان الأغنى ويدّعون في موقفهم التفاوضيّ حول التزامات غاز البيت الزجاجي أنّهم يوصَمون بالعار من أجل "السّلوك الإنجابي المبذّر".(5)

هل يمكن مناقشة هذين الموضوعين بشكل بنّاء؟ ربما يكون الأسلوب الأفضل هو باختيار نقاط الدّخول الأقلّ إثارة للخلاف – أي استعراف المكان الذي تتقارب فيه حقوق الإنسان والصّحّة وأغراض المساواة والبيئة أكثر من نقاط التّنازع، ويمكن تأطير ذلك في حقيقة أن قرابة 200 مليون امرأة في البلدان النامية يعربون عن عدم تلبية الاحتياجات في خدمات تخطيط الأسرة(6)، ويُدعم تلبية هذه الاحتياجات بالحجج التالية.

أولاً، مراقبة الإنجاب حقٌّ شخصيٌّ يدعمه برنامج العمل التعليمي للمؤتمر الدّولي حول السّكّان والتّنمية عام 1994، وتحسينُ إتاحة خدمات الصّحّة الإنجابية هو من المرامي الإنمائية الألفية. وثانياً، إن ذلك يقدم فوائدَ صحّيّة عموميّة رئيسية؛ إذ تظهر مراجعات منهجية في بلدان متعددة أن زيادة تباعد الولادات من أقلّ من 18 شهراً إلى أكثر من 36 شهراً يرتبط مع انخفاض وفيات الأطفال بمقدار الثلثين.(7) وثالثاً، يقلل إنقاص فرط السّكّان محلياً الاستعدادَ للكروب البيئية الوشيكة وغيرها. ورابعاً، يقلّل التغيّر المناخي على المدى البعيد والضغوط الأخرى على البيئة العالمية.(8)

لقد استعرفت دراسات أخرى مسبقاً أنّ تحسينَ إتاحة خدمات الصّحّة الإنجابية واحدٌ من التدخّلات الرّابحة العديدة التي يمكنها تحسين رفاه الشّخص وتقلّل التغيّر المناخي.(9-11) ومقالُ براينت والزملاء هو على أيّة حال الأوّلُ الذي يقدم دعماً قوياً للنقطة الثّالثة – التي تظهر أنّ معظم البلدان الأقلّ نمّواً تورد أنّ الضّغط السّكّاني محدّدٌ هامٌ لاستعدادها للإصابة بالتغيّر المناخي، وحقيقة أنّ البلدان المصابة هي نفسها التي تستعرف ذلك على أنّه أولويّة محليّة تُجنّبُ النزاعَ النّاتج عن تأطير التّنظيم السّكّاني كطريقة لإنقاص انبعاثات الغازات.

إنّ ترتيبَ الحجج هامٌّ كثيراً عند تطوير هذه الحالة إذ تأتي حقوق الإنسان في البداية، مع بقاء الصّحّة السّكّانية والفوائد البيئية المحليّة والعالمية فوائد مشاركة مرحّب بها وهامّة، وعلى العكس، فاستخدام الحاجة لإنقاص التغيّر المناخي كتبرير لإنقاص خصوبة بعض النساء في أفضل الأحوال يدفع إلى الخلاف وفي أسوئها يقدّم سبباً لقمع الحريّات الشّخصيّة.

تعد المقالة الجديدة مساهمة هامّة في الحقّ الشخصي، وهي تذكرةٌ بالحاجة إلى بناء خدمات تخطيط الأسرة بعناية والتّعامل معها بشكل حسّاس رغم أن ذلك بديهي.■


المراجع

شارك