النساء والانتحار في ريف الصين
يشكّلُ الانتحار في الصين ربع حالات الانتحار العالمية، وعلى عكس السكان في المجتمعات الغربية، تقدم النساء على الانتحار في الصين أكثر من الرجال. إنها صورةٌ محزنةٌ، لكن هناك علامات توحي بأن الوضع آخذ في التحسن. تقارير كي وي وان.
كانت زانغ زيهوان تكتئب أكثر فأكثر خلال الأيام التي أدت إلى محاولة انتحارها. فهي امرأة جذابة في منتصف الأربعينيات، تعيش بصعوبة معتمدةً على زراعة قطعةٍ صغيرة من الأرض في قرية سانغوانميو الجنوبية، في مقاطعة شاندونغ، وتدعم دخلها بالتقاط الفحم الذي يسقط من الشاحنات التي تنقله من المناجم المجاورة. وقد وجدت نفسها معزولةً في مجتمعها الصغير كونها مصابة بالتهاب الكبد B. وأُضيف إلى همومها جدالٌ حديث وحادٌّ مع جيرانها بعد أن بنت منزلاً لابنها الذي يبلغ من العمر 25 عاماً. تقول زانغ "اضطررنا إلى الاقتراض لأن المال كان ينقصنا." وتتابع:" أنفقنا قبل ذلك الكثير من المال لمعالجة مشاكلي الصحية بسبب مرض الكبد، وكان الدين المتراكم علينا يزداد."
همومٌ مالية. همومٌ صحية. ضغوطٌ اجتماعية. وصلت الأمور ذروتها في 11 مايو /أيار عام 2009. تناولت زانغ العشاء نحو الساعة الرابعة مساءً، ثم خرجت في نزهة وعادت للمنزل بعد الساعة السابعة مساءً. وما أقدمت على فعله بعد ذلك كان بدون أي تخطيط أو تفكير في النتائج، وبدون أي إعداد مسبق.
يشكّلُ الانتحار في الصين 26% من حالات الانتحار العالمية: ويُعد مع الإصابات والتسمم وحوادث السقوط، السبب الخامس للوفاة في هذا البلد، وهو السبب الرئيس لوفيات الشابات في الصين، ويزيد احتمال الانتحار في المناطق الريفية بمرتين إلى خمس مرات عنه في المدن. وعلى عكس السكان في البلاد الغربية، فإن معدل الانتحار في الصين أعلى بين النساء منه بين الرجال، وسُلّط الضوء على هذا في تقرير منظمة الصحة العالمية، الصحة والنساء: بيِّنة اليوم، جدول أعمال الغد، الصادر الشهر الماضي. إنها صورةٌ محزنةٌ، لكن حالات الانتحار الاندفاعية - أيْ تشجيع القرارات اللحظية التي يجتمع فيها المزاج بالوسائل - بين النساء في المنطقة قد تكون في تناقص، وذلك وفقاً لدراسة عام 2008 المُجراة في مقاطعة شاندونغ من قبل الدكتور سو تشونغ هوا، نائب رئيس مستشفى ديزهونغ، مدرسة جاينينغ الطبية في المقاطعة.
يقول سو تشونغ هوا "جمَعت إحصائياتي من غرف الطوارئ من خمس مستشفيات على مستوى البلد. لا يُعد هذا دراسة وبائية، ولذا من الصعب القول بدقة فيما إذا كان عدد حالات الانتحار يزداد أو يتناقص،" ويضيف: "لكن يعتقد الجميع تقريباً، بعد مقابلاتنا مع العاملين الطبيين في هذه المستشفيات، بأنّ العدد تناقص على مدى السنوات الثلاثة السابقة."
ليست كل حالات الانتحار اندفاعية، ففي الصين، كما في غيرها، يزداد احتمال الإقدام على الانتحار بين المرضى النفسيّين أكثر من بقية السكان. فالوصمة الملتصقة بالفصام – وهو اضطراب نفسيٌّ شديدٌ يتميز باختلالٍ عميقٍ في الإدراك والتفكير، متضمناً حالاتٍ من الوُهام وسماع الأصوات (الهلوسات) – قد تؤدي إلى الانعزال، كما في حالة دونغ بوكسين، امرأة عمرها 30 سنةً انتحرت والدتها (ولديها فصامٌ أيضاً) في اليوم التالي لطلاق دونغ التي تقول: "اعتقدَت أنها قد فقدت اعتبارها"، وتتابع دونغ: "في اليوم التالي، في السابع من يوليو/تموز، شنقت نفسها، وعندما رأينا جثمانها في الصباح، كان قد فات الأوان." زوج (دونغ) طلَّقها لأنه أرهق من تكاليف علاجها الطبي. وبعد الطلاق كسب حضانة ابنتهما ودخلت دونغ المستشفى، وهي تقول: "أنا أفتقد ابنتي كثيراً، وعمرها خمس سنوات فقط وكل يوم أتساءل عن حالها." بينما يقول زوجها بأنه سيكون أمراً مخجلاً إذا علم الناس بحالة أم الطفلة "الشاذ".
في دراسةٍ شملت مقابلات المتابِعة، إطّلع (سو) وزملاؤه على 240 حالةً من محاولات الانتحار في محافظاتٍ شملت وينشانغ ويانزهو وجياكسيانغ في مقاطعة شاندونغ. عزا (سو) نقص حالات الانتحار جزئياً إلى تحسن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للنساء بفضل الازدهار الاقتصادي للصين إذ يقول: "يتزايد يوماً بعد يوم عدد النساء العاملات المهاجرات أو اللواتي يكسبن المال بأنفسهن،" مشيراً إلى أنّه حتى النساء المعتمدات اقتصادياً على أدوارهنّ في التدبير المنزلي يصبحن أقل تقيداً نتيجة لتبدل البنى الاجتماعية. حيث استشهد برحيل العاملات المهاجرات من المنطقة كمثال. ويقول سو "يَخف التوتر التقليدي ضمن العائلة الريفية لأن الأجيالٍ المختلفة أصبحت لا تعيش مع بعضها البعض فترةً طويلة كما اعتادوا،" ويضيف أن القيم تتبدل كثيراً، فعلى سبيل المثال، حسب رأي سو، أصبح الطلاق طريقةً مقبولةً عن ذي قبل للتعامل مع المشاكل العائلية بما فيها العنف المنزلي.
النساء أصبحن أكثر حرية من ذي قبل، لكن مازال هناك العديد من المواقف الصعبة التي يتعرضن لها. نساءٌ مثل تشين ليبينغ (اسمٌ مستعار)، وهي أمٌ عمرها 40 سنةً لولدٍ يتلقى علاجاً للاكتئاب الهوسي في مستشفى ديز هونغ، لا تتحمل فقط عبء الحفاظ على الأسرة وتنشئة العائلة، بل غالباً ما تتعرض لنظرة الانتقاد من جيرانها، وعليها أن تعمل كل الوقت لتعيش. عملت تشين في معملٍ محلي للأقمشة الصوفية قبل أن تصبح نادلةً في مطعم، ثم تولت مهمة بيع الطعام الحار المُتبَل الساخن. وقد أٌدخِلت المستشفى في يونيو/حزيران بعد أن وجدتها أختها تضرب نفسها على الوجه بالحذاء. وحاولت الانتحار أيضاً، مثل زانغ.
من المثير للسخرية أن هذا العبء المنهِك والمضاعف من العمل يقابله فترات علاجية أقصر أمداً في وحدات الصحة النفسية للنساء مقارنة بالرجال. ففي عام 2008 استقبل مستشفى الدكتور سو 5224 مريضةً داخلية أُدخِلن المستشفى بمعدّل يصل حتى 28 يوماً فقط، بينما قُبِل أقرانهم من الرجال لأكثر من 38 يوماً. يقول سو: "تطلب العديد من المريضات تخريجهنّ من المستشفى حالما تظهر عليهنّ علامات الشّفاء،" لأن بيوتهن غالباً ما تكون في حاجة إليهن، يقول سو: "تلعب النساء تقليدياً دوراً أساسياً كبيراً في الحفاظ على حياة العائلة اليومية،" ويتابع "إنهنّ يطبخن ويغسلن ويعتنين بالأولاد.. إلى آخره، وبدونهنّ لن تستطيع العائلة إدارة شؤنها على نحو مناسب. لذلك، فإن عائلاتهن تحتاجهنّ وعادة ما تطلبهنّ ليُخرَّجن حالاً."
بالطبع وعلى وجه التحديد، تؤدي أنواع الضغوط التي يصاحبها زيادة أعباء المسؤولية إلى الاضطراب النفسي في المقام الأول، وفور تعرض امرأةٌ ضعيفة أو سريعة التأثر إلى ضغوط إدارة المنزل، تنشأ ليدها الرغبة في الخلاص، ويصبح كل ما هو مطلوب للانتحار هو الاندفاع ووسائل الإقدام عليه. ويذكرُ سو مقولة صينية شعبية مفادها أنّ هناك ثلاثة حلول لمشاكل النساء: " أولاً- أن تبكي؛ وثانياً- أن تصرخ؛ وثالثاً- أن تشنق نفسها".
وجدت زانغ الوسيلة للخلاص من حياتها في زجاجة موضوعة خلف الدرج، كان مكتوب عليها بيانغ هو لي غو _ وهو اسمٌ لمبيدِ حشرات سائل كانت قد اشترته مع زوجها قبل سبع سنوات لقتل الحشرات الضارة في محصول القطن الذي كانا يزرعانه، وبالرغم من أن الزوجين لم يكونا يزرعان القطن وقت إقدامها على الانتحار إلا أن المبيد ظل موجوداً على أية حال.
(يانغ هو لي غو) هو مبيدُ حشرات فوسفاتيّ عضوي من نوعٍ يُستخدَم في الصين على نطاق واسع. ومركبات الفوسفات العضوية لها أهمية ليست فقط لأنها كثيرة الاستخدام في محاولات الانتحار، ولكن لأن التعرض لها يزيد احتمال أن يصاب الشخص بالاضطراب النفسي. ووفقاً لدراسة حديثة فحصت الترابط بين مبيد الحشرات الفوسفاتي العضوي والتفكير في الانتحار، ونشرت في عدد أكتوبر/تشرين الأول من نشرة منظمة الصحة العالمية، كانت معدلات الانتحار في هذه السنة أعلى في المناطق التي تُستَخدم فيها الفوسفات العضوية، بينما التعرض هو عامل اختطار ممكن أيضاً لأمراض باركنسون وألزهايمر. يعرض التقرير أن التعرض للمادة الكيميائية يمكن أن يساهم أيضاً في الإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب والوفيات الناتجة عن الاضطرابات النفسية. ونشرت منظمة الصحة العالمية في عام 2006 تقريراً عن التدخّلات المجتمعية لسلامة استخدام مبيدات الحشرات، ونشرت في عام 2008 وثيقةً عنوانها التدبير العلاجي السريري للتسمم الحاد بمبيدات الهوام لنشر هذه المعلومات على نطاق واسع قدر الإمكان، وخاصةً بين أصحاب القرار السياسي.
كان ابتلاع مبيد الهوام متضمناً في 62% من حالات الانتحار في الصين بين عامي 1996 و2000 (175000 حالةً بالسنة). عندما أمسكت زانغ الزجاجة من وراء الدرج، كانت تتصرف كما تصرفت الكثير من النساء قبلها. تقول زانغ: "لا أعرف كيف ذهبت لإحضار زجاجة مبيد الحشرات" وتتابع:" لا بدّ أنّي فقدت عقلي. فقد ذهبت إلى هناك وابتلعت الجرعة، ثم فقدت الوعي."
لحسن حظ زانغ كان الناس في قريتها داعمين لها بعد محاولة الانتحار. تقول زانغ: "بعد أن أخرجت من المستشفى قدِم العديد من القرويين إلى منزلي لزيارتي جالبين معهم بيض الدجاج". بعد أن حدث ذلك، وجدَت زانع السُّبل لتكون إيجابية في حياتها، بما في ذلك ظهور اهتمامات بزواج أولادها. وبالنسبة لاحتمال تكرار محاولة الانتحار، فقد أبعدت زانع هذه الفكرة عنها، وتقول:" هذا أمر مكلفٌ جداً"، وتضيف: "كلفنا العلاج في المستشفى والرعاية العاجلة 13900 يناً في المرة الماضية." وأخرجت حزمةً من الفواتير وهي تهز رأسها قائلةً: "لا يعوضك التأمين الريفي التعاوني عن درهمٍ إذا حاولت الانتحار". ■