مجلة منظمة الصحة العالمية

حرب الهند المتواصلة ضد داء الكلَب

تحدث 36% تقريباً من وفيات العالم السنوية بداء الكلَب في الهند، ومعظمها يكون من جراء تماس ‏الأطفال مع الكلاب المصابة بالعدوى. بالتعاون مع شركاء رئيسين، تعمل حكومة الهند الفيدرالية مع ‏بلدان أخرى لعلاج المعضلة. تقارير باتراليخا تشاتيرجي.‏

يعرف د.راجندرا سينغ، الطبيب الاسشاري في مشفى ماهاريشي فالميكي للأمراض المُعدية في دلهي، الهند، ‏أمراً أو اثنين عن اليأس، والندم. ويراه كل يوم على وجوه الأهالي الذين يحضرون أولادهم إليه للعلاج. إنهم ‏مُصابين بفيروس الكلَب، ومعظمهم يصل بوقتٍ متأخرٍ جداً. “تأتي العائلات من بعيد” كما يقول سينغ، ‏ويضيف: “لا يعلمون أنه بعد مرور نقطةٍ معينةٍ يصبح الكلَب قاتلاً بنسبة 100%. وحالما يعرفون الحقيقة، ‏يكون أول ارتكاس لديهم هو الدخول في حالة من النكران. قبل أسبوع، كان لدينا عائلة أخذت في التلويح ‏بأوراق العملة، يريدون منا إنقاذ ولدهم بأي ثمن.”‏

ينجم داءُ الكَلب عن فيروسٍ ينتقل إلى الإنسان من خلال اللعاب المصاب بالعدوى لطيفٍ من الحيوانات. لكنَّ ‏معظم وفيات البشر تتبع عضّةً أو تعرّضاً لكلبٍ مُصابٍ بالعدوى. إن 30-60% من ضحايا عضّات الكلاب ‏في البلدان التي يكون فيها الكلَب متوطّناً هم أطفالٌ بعمرٍ يقّل عن 15 عاماً. ومشفى ماهاراشي فالميكي هو ‏الوحيد في مدينة دلهي الذي يعالج مرضى الكلب، والكثير منهم فقراء وغير متعلمين ومعظمهم أطفالٌ وفتيان. ‏ومن بين هؤلاء بينكيش كيومار، ذو الخمسة أعوام، من أحياء دلهي الفقيرة، والذي أُحضِرَ إلى المشفى شاكياً ‏من عدم قدرته على ابتلاع الماء، ورهاب الماء هو واحدٌ من الأعراض التي تُنبئ بالمرض. وكان بينكيش قد ‏تعرّض لعضّةِ كلبٍ، مات على إثرها بعد ثلاثة أيامٍ من دخوله المشفى.‏

إنّ وفاة بينكيش كيومار رهيبةٌ بحد ذاتها، كوفاة كثيرٍ من الأطفال في الهند، وجميعها مأساويةٌ جداً لأنه ‏كان من الممكن الوقاية منها. فلو بحث أبوَا الولد الصغير عن العلاج حالما أُصيب بالعضة، لأصبحت فرص ‏نجاته ممتازةً. إنّ تطهير الجرح، وهو يتضمن غسله بالصابون والماء مدة خمس دقائق، متبوعاً بالتمنيع بعد ‏التماس المُشتَبه به مع الحيوان المُصاب بالعدوى يمكن أن يمنع تطوّر الأعراض.‏

يُقَسَّمُ التعرّضُ للكَلَب حسب توصيات منظمة الصّحة العالمية لعلاج ما بعد التعرّضَ إلى ثلاث فئاتٍ: ‏الفئة ‏I‏ - وهي الأقل خطورةً- عندما تكون الضحية قد قامت لفترةٍ من الزمن بملامسة أو إطعام الحيوانات ‏المُصابة بالعدوى، لكن دون أن يكون لديها أية آفاتٍ جلدية؛ الفئة ‏II، حين تكون الضحية قد تعرّضت ‏لخرمشاتٍ صغيرةٍ دون نزفٍ أو أن تكون قد لُعِقَت من قبل حيوانٍ مُصابٍ بالعدوى على منطقةٍ جلديةٍ ‏مسحوجة؛ الفئة ‏III، حين تكون الضحية قد تلقّت عضةً فأكثر، أو خرمشةً فأكثر أو لعقةً فأكثر على جلد ‏مُصابٍ أو أن تكون قد قامت بأنماط اتصالٍ أخرى مع مخاطٍ مُصاب بالعدوى.‏

والتعرض للخفافيش، مهما كان نمط الاتّصال في هذه الحالة، يقع ضمن الفئة ‏III، ويُعالَج المريض تبعاً ‏لذلك. يُوصى باللقاح المُضاد للكلب للفئات ‏II‏ و ‏III، بينما يكون من الواجب إعطاء الكريوين المناعي المُضاد ‏للكلب-مستحضر سائل أو مُجَفَّف مُجَمَّد يحتوي على الأجسام الضدية للكلَب المُستَخلَصة من البلازما- لفئة ‏التعرض ‏III، أو للأشخاص ذوي الجهاز المناعي المُضعَف. لن يكون الكلَب قابلاً للعلاج فقط إذا ما تم ‏استقصاؤه باكراً، بل إنّ الفيروس المحمول من قبل جمهرة الكلاب أيضاً قابلٌ للمكافحة أيضاً.“إن المبادئ ‏الرئيسة لمكافحة كلَب الكلاب بسيطةٌ نسبياً، فمن الضروري تلقيح 70% من جمهرة الكلاب الكُلِّيَّة خلال فترة ‏قصيرة، مع المحافظة على هذه التغطية المناعية وحماية المنطقة من تفشي المرض عبر ضبط حركة الكلاب ‏من المناطق المجاورة المُصابة،” هذا ما قاله د. فرانسوا زافير ميسلين، وهو قائد فريق في قسم منظمة الصحة ‏العالمية للأمراض المدارية المُهملة.‏

تصبح الأمور أكثر تعقيداً بقليل عندما تخرج جمهرة الكلاب عن السيطرة، وهذه بالتأكيد هي الحالة في ‏أجزاء واسعة من الريف الهندي. تتنوع التقديرات، لكن يُقَدِّر البعض تعداد جمهرة الكلاب في الهند برقم ‏مرتفع يقترب من 25 مليون كلبٍ. إن البحث عن هذا الرقم الكبير من الكلاب وتلقيحها ليس تحدّياً تقنياً ‏فحسب، بل إنه اختبار لروح المجتمع وفي النهاية للإرادة السياسية. يقول ميسلين: “إنَّ عوامل النجاح الأكثر ‏أهميةً هي الالتزام السياسي عالي المستوى، وإنشاء هيئة وطنية مُخَصَّصةٍ حسنة الاطّلاع مناصرة للمشروع ‏داخل وخارج البلد، إضافةً إلى المشاركة الجيدة من قبل المجتمع.”‏

كان هذا النوع من الالتزام مفقوداً في الهند حتّى وقتٍ قريبٍ نسبياً، إذ أنّ 20000 وفاةٍ بالكلَب كانت ‏تحدث في الهند من أصل 55000 حالة وفاة مُقَدَّرة على المستوى العالمي سنوياً، ثلاثة أرباعها في مناطق ‏ريفية. أحد أسباب إهمال المرض هو “تبعثر وفيّاته” التي لم تصل أبداً إلى نمط الكارثة التي تتصدر الوبائيات.‏

في الحقيقة، يقول الخبراء أن العائق الأساسي للتخلّص من الكلَب في الهند هو فقدان التنسيق والافتقار ‏إلى برنامجٍ وطنيٍّ شامل. وهم يتّفقون على أنّه من الضروري أن يتم تنسيق جهود مكافحة الكلَب في الهند ‏إقليمياً، باعتبار أن الهند تشترك بالحدود مع ستة بلدان يتوطّن فيها الكلَب. وقد أحرزت عدة بلدان آسيوية ‏أخرى مثل سيريلانكا وتايلند تقدماً باتّخاذها مقاربةً مُنَسَّقَةً وطنياً. لكنّ هناك إشارات تقدّمٍ في الهند.‏

على جبهة المعالجة، حيث كانت التكلفة والفعالية مشكلتَين في الماضي، ابتعدت الهند عن اللقاحات ‏المعتمدة على نسيج العصب من النوع الذي طوره أولاً العالم الفرنسي لويس باستور في القرن التاسع عشر ‏لتتبنى اللقاحات الحديثة المعتمدة على الخلية. فبينما تطلّب التلقيح المعتمد على نسيج العصب حقناً مؤلمةً في ‏البطن باستخدام إبرةٍ واسعة الفتحة، تشبه اللقاحات المعتمدة على الخلية جرعات الإنفلونزا فيما يتعلّق بالألم ‏والآثار الجانبية. تبنت الحكومة الفيدرالية أيضاً إرشادات وطنية لصالح التلقيح داخل الجلد، حيث تُحقَن كمية ‏أصغر من اللقاح ضمن الطبقة الخارجية للجلد، وهذا يكلّف 60-80% أقل من 40-50 دولاراً أمريكياً تُدفَع ‏للتلقيح داخل العضل. وهذا اعتبار هام في سياق أن كلفة العلاج تواجه جزئياً-إن لم يكن كلياً-من قبل ‏المريض. أعلنت ثمانية من ولايات الهند الثمانية والعشرين وسبعة مقاطعات اتحادية مُدارة فيدرالياً خططاً ‏لتقديم نظم معالجة داخل الجلد هذا العام. أخيراً، وتبعاً لإحصائيات الحكومة، تنتج الهند حالياً أقل بقليل من 15 ‏مليون جرعة من لقاح الكلَب البشري، وأكثر بقليل من نصف مليون زجاجة كريوين مناعي خيلي ضد الكلَب ‏سنوياً- الكميات التي تغطّي الاحتياج الوطني.‏

تقوم الحكومة في الوقت نفسه بأكثر من ذلك لتعزيز الوعي ضد الكلَب من خلال خطواتٍ تمهيدية مثل ‏مشروع المُرشد الذي أطلقه المركز الوطني لمكافحة الأمراض-سابقاً المعهد الوطني للأمراض السارية- في ‏خمس مدن هندية عام 2008 لمنع الوفيات بالكلَب البشري. تضمّن مشروع المرشد تدريبات لخبراء الصحة ‏في تدبير عضة الحيوان إضافةً إلى رفع درجة الوعي العمومي حول الحاجة لالتماس العلاج ما بعد التعرض، ‏خصوصاً من خلال لصق رسائل على الحافلات وفي أماكن عامة أخرى. على سبيل المثال، يُظهر أحد ‏المُلصقات صورة كلب يعضّ ساق امرأة، ويحذّر “لا تتجاهل عضات أو خرمشات الحيوان”.‏

يهدف المشروع الارتيادي الذي انطلق بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، إلى ضمان توفّر اللقاحات ‏والمصول المضادة للكلَب وإلى زيادة قدرة المشافي والمراكز الصحية على تشخيص الحالات. يشكّل التعاون ‏الوثيق مع القسم الوطني للعناية بالحيوانات ومع شركاء في قطاعات أخرى قسماً هاماً من المشروع ‏الارتيادي.‏

‏“على مدار العام المنصرم، تمّ تدريب مجموعة أوليّة مؤلفة من 1500 طبيباً وممرضةً،” يقول د. فينا ‏ميتال، وهو مدير ارتباط ورئيس قسم الحيوان في المركز الوطني لمكافحة الأمراض، مُضيفاً بأن المركز ‏الوطني لمكافحة الأمراض يعمل أيضاً لضمان توفّر اللقاح والكريوين المناعي للكلَب البشري في مناطق ‏مشروع المُرشد. يقول ميتال أن المركز الوطني لمكافحة الأمراض يعمل بشكل وثيق مع المجالس البلدية في ‏المدن الخمسة المشمولة في مشروع المُرشد لتقوية إمكانياتها التشخيصية ولتطوير مرافق الاختبار لأغراض ‏المسح. وكنتيجة لذلك، ازداد حضور المرضى إلى عيادات مكافحة الكلَب وكذلك ازداد استخدام الغلوبيولين ‏المناعي.‏

كانت كذلك مساهمة المنظمات غير الحكومية جزءاً مهماً من الصورة الكلية الآخذة بالتحسن، خصوصاً ‏من قبل مؤسسة الكلَب في آسيا، ورابطة مكافحة الكلَب والوقاية منه في الهند، وهيئة صالح الحيوان في الهند، ‏التي تعزز البرنامج المضاد للكلَب عبر التحكم في ولادات الحيوانات في الحواضر الكبرى. مؤخّراً أعلنت ‏شركة شيرينغ - بلوف – شركة رعاية صحية عالمية- عن دعمها لمشروعين في 10 قرى محيطة ببنغالور ‏وبيون، ركّزا على التوعية التثقيفية والتلقيح الواسع للكلاب.‏ ■

شارك