مجلة منظمة الصحة العالمية

منطقة صحية إسبانية تتحرى مزجاً جديداً بين القطاعين العام والخاص‏

مع مواجهة النظام الصحي العمومي لإنكماش في الميزانيات والذي نجم بجزء منه عن الأزمة الاقتصادية العالمية، تتجه ‏الحكومات لطرق جديدة للاستفادة بشكل أفضل من الموارد المحدودة. وتقوم مجموعة من المناطق الصحية الإسبانية ‏بأخذ زمام المبادرة. تقرير مييرا بيس من فالنسيا. ‏

مع مواجهة تضخم العجز في ميزانية الرعاية الصحية في أواخر التسعينيات، قررت ‏السلطة الإقليمية الإسبانية في فالنسيا أن الوقت قد حان للبحث عن سبل جديدة لتمويل وتشغيل ‏مستشفياتها. وبدءاً من المنطقة الصحية لألزيرا قامت السلطة بدعوة لاتحاد خاص بقيادة ‏أديسلاس، إحدى شركات التأمين الصحي الخاصة الرائدة الإسبانية، ليس فقط لبناء مستشفى ‏جديد ذي علامة تجارية، ولكن لتشغيله أيضاً. أُدير مستشفى دي لا ريبيرا، والذي بُني بتكلفة ‏‏61 مليون يورو في عام 1999 (91 مليون دولار أمريكي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني ‏‏2009) من خلال نوع جديد من كيان الشركات والمعروف بالشراكة في الاستثمار بين ‏القطاعين العام والخاص. إن الشراكة في الاستثمار بين القطاعين العام والخاص هي إحدى ‏طرق إشراك القطاع الخاص في الخدمات الصحية الممولة عمومياً حيث أن معظم المناطق في ‏إسبانيا تعتمد على المزج بين القطاعين العام والخاص من نوع أو آخر.‏

يشرح السير ريتشارد فيتشيم ، مدير المجموعة الصحية العالمية (‏GHG‏)، جامعة ‏كاليفورنيا في سان فرانسيسكو "مركز الفعل مقابل مركز السياسة" مع اهتمام شديد بتطوير ‏الشراكة في الاستثمار بين القطاعين العام والخاص، إن هذا النوع الجديد من الهجين العمومي ‏الخاص يتجاوز الخصخصة التقليدية للخدمات العمومية، حيث تقوم شركة خاصة عادةً ببناء ‏مستشفى تتم إدارته بعد ذلك من قبل السلطة العمومية. تُشرك السلطة العمومية في الشراكة في ‏الاستثمار بين القطاعين العام والخاص شركات من القطاع الخاص في التشغيل اليومي ‏للمستشفى نفسه بحيث تكون شريكاً في إدارة وتوفير الخدمات الطبية وخدمات الدعم. وكما قد ‏يبدو عليه الحال أنه حافل بالتحديات فما يزال لهذا النموذج نتائج إيجابية لا سيما في إسبانيا.‏

يقول فيشيم "فالنسيا هي النجاح الكبير" مُشيراً إلى أنه بالإضافة إلى ألزيرا، فقد أنشأت ‏فالنسيا في وقت لاحق شراكة في الاستثمار بين القطاعين العام والخاص في المناطق الصحية ‏للتوريفايجا ودينيا ومانيسيس وسيتم قريباً البدء بواحدة من هذه الشراكات في المنطقة الصحية ‏لإليكس. ويظهر شعب ألزيرا سعيداً بالتأكيد. ويقول مانويل مارين فيرير مدير مستشفى دي لا ‏ريبيرا "وصلنا في [المسوحات] الأخيرة إلى [معدل] رضا يفوق 91٪ في صفوف المواطنين ‏من المنطقة الصحية وذلك لأنهم سعداء بخدماتنا". لدى المستشفى مصلحة في الحفاظ على ‏المرضى سعداء بما أن لديها التزام تعاقدي بدفع فواتير الرعاية الصحية لمرضى المنطقة ‏الصحية لألزيرا فيما لو تمت معالجتهم في أماكن أخرى. لحسن حظ مارين، تجذب لاريبيرا ‏المرضى بدلاً من أن تخسرهم مع حوالي 10٪ من مرضى المستشفى القادمين من المناطق ‏المجاورة الصحية.‏

وبقدر ما هو مؤثر وصول نسبة التأييد إلى 91٪، إلا أنها ليست أعلى بكثير من نسبة ‏‏85٪ التي وصل إليها رضا العملاء والمُبلغ عنها في الاستقصاءات الرسمية لنظام الرعاية ‏الصحية العمومي الإسباني ككل. يبدو أن لاريبيرا تشعّ في مجالات معينة، على سبيل المثال: ‏الجدولة الفورية لعملية جراحية. يُعرف المستشفى أيضاً بكونه يضمن تخديراً فوق الجافية، ‏وهذه نقطة جذب كبيرة في الإقليم الذي لا يمكن أن يتوفر فيه تقنيو التخدير على مدار الأربع ‏والعشرين ساعة.‏

ولكن تبرز الشراكة في الاستثمار بين القطاعين العام والخاص في ألزيرا عبر الرقابة ‏المشددة على التكاليف. وبتمويل من وزارة الصحة الإقليمية على أساس متفق عليه مسبقاً ‏لنصيب الفرد تنفق لاريبيرا أقل بـ 20-25٪ من المؤسسات التي تديرها السلطات العمومية ‏وذلك وفقاً لخوان ألفونسو باتالير وكيل وزارة الصحة الإقليمي لفالنسيا. يقول باتالير إن ‏التحسينات التشغيلية، مثل استخدام التكنولوجيا الرقمية في السجلات الطبية والحصول على ‏مصادر للوازم على أساس مناقصة تنافسية بدلاً من علاقات راسخة، تمثل صفقة جيدة من هذه ‏المدخرات، ولكن من الواضح أن إقليم فالنسيا يستفيد أيضاً من النهج الجاد لاتحاد أديسلاس في ‏الاستثمار في الصحة.‏

يقول مارين "لا أعتقد أن أياً من الشركات المشاركة في تقديم التنازلات الإدارية سوف ‏تصبح غنية، لأن علينا هنا واجب لاستثمار ما يقرب من كل ما نكسبه". يشترط عقد أليزرا ‏في واقع الأمر على اقتصار الأرباح الناتجة عن المستشفى على 7.5٪ سنوياً، ويخضع أي ‏مبلغ يزيد عن ذلك لإعادة الاستثمار. وهذا أقل بقليل من 8٪ من عائدات الأصول التي ‏يعتبرها فيشيم نموذجية ومقبولة للشركاء من القطاع الخاص والمساهمين في الشراكة في ‏الاستثمار بين القطاعين العام والخاص، ولكنه في الوقت نفسه أعلى بكثير من أرباح 1.6٪ ‏التي يقول مارين بأن اتحاد ألزيرا يحققها فعلاً. وفقاً لمارين لم يستطع الاتحاد تحقيق أكثر من ‏ذلك أبداً، في الوقت الذي تم جرف الباقي في مشاريع محلية بما في ذلك مراكز صحية جديدة ‏وتحسينات في المستشفى نفسه. وبالتالي ألا يهتم الاتحاد بالأرباح؟ يوضح مارين أن أديسلاس ‏تحصل على "فائدة غير ملموسة" في شكل دعاية جيدة لطراز عملها التجاري وذلك عبر ‏‏"معرفة الشعب لكون النظام الخاص قادر على تأمين وإدارة الخدمات العمومية". كما أنها تأمل ‏بتبني طرازها في أجزاء أخرى من إسبانيا.‏

من التحديات الهامة الأخرى التي تواجه الشراكة في الاستثمار بين القطاعين العام والخاص‎ ‎‏ ‏في ألزيرا إدارة العاملين في المستشفى حيث يشكل 27٪ منهم عاملين في القطاع العمومي ‏والموروثين عن نظام الرعاية الصحي القديم المُدار عمومياً بينما يأتي 73٪ منهم من القطاع ‏الخاص. وفقاً لمارين يقوم العاملين من القطاعين العام والخاص بالعمل في ظل نظامين ‏وبمتطلبات مختلفة وبالـ "التعايش تماماً"، ولكن من الواضح أن أحد التحديات التي تواجه ‏المستشفى وعلى أساس يومي هو إبقاء الجميع سعداء، ولاسيما عمال القطاع الخاص الذين ‏يشعرون أنهم يحصلون على معاملة غير عادلة بالمقارنة مع نظرائهم في القطاع العمومي. ‏الناس مثل بيدرو دوران ، وهو طبيب في غرف الطوارئ في لاريبيرا ويعمل لصالح الاتحاد ‏وهو في الوقت نفسه ممثل عن نقابة أطباء الخدمات العمومية، وهي اتحاد محلي لنقابات ‏العمال.‏

يشعر دوران بأن التبجح المفرط من قبل اللاريبيرا قد أصبح له ثمن. وأضاف دوران ‏‏"عندما تقول الشركة إنها ذات كفاءة تفوق المستشفيات الأخرى بنحو 25٪، فهنا نسأل كيف ‏يتم الحصول على هذه الكفاءة؟ مع انخفاض الأجور وعدد أقل من العمال وساعات أطول من ‏العمل" "داعماً لحجته ببعض الأرقام من مصدر شخصي. ويقول إن دراسة قام بها الاتحاد ‏المحلي لنقابات العمال قد وجدت المستشفى بحاجة إلى 258 عاملاً إضافياً ومن جميع الفئات ‏وذلك بالإضافة إلى العمال الحاليين والذي يبلغ عددهم 1000. ويناقش دوران بأن التفاقم في ‏النقص في اليد العاملة هو من جراء التدفق المستمر للمرضى من مناطق أخرى مشككاً ‏بالتقديرات الرسمية للتدفقات الـ 10٪ والتي وضعها الاتحاد قرب 20-25٪ من مرضى ‏اللاريبيرا في مجموعه. يقول دوران إن كلاً من الإجهاد الناجم عن النقص في اليد العاملة ‏وعدم كفاية الأجور وظروف العمل قد أدى إلى استقالة 40 طبيباً من إجمالي عدد الموظفين ‏البالغ 400 طبيباً منذ عام 2007، ويضيف بقوله: "لا أعتقد أن هذا قد حدث في أي مستشفى ‏آخر في إسبانيا".‏

يشكك مارين في هذا العدد بحجة أن الخسائر كانت أقرب إلى 20 طبيباً مع المغادرين ‏المدفوعين بالنقص العام في الأطباء في إسبانيا، مما يعطي القطاع "تنقلاً معيناً". يقول مارين: ‏‏"إن التنقل من الأطباء ليس أكبر مما هو عليه في أي مستشفى وطنية أخرى. ودليلاً على بيئة ‏عمل جيدة في المستشفى، يأتي 2.5٪ معدل التغيب والأقل بكثير مما هو عليه في أي من ‏المستشفيات العمومية في إسبانيا، وأقل أكثر مما هو عليه في أي مؤسسة بهذا الحجم".‏

ربما كان من المحتم أن طرازاً يجعل المصالح العمومية والخاصة بهذا القرب سوف ‏يؤدي إلى ظهور هذا النوع من الانتقاد، كما هو الحال عند مزج السياسة والأعمال والذي ‏يجعل البعض يشعرون بعدم الارتياح إزاء احتمالات الفساد. يقوم كل من فيشيم وجان بيرو ‏في قسم تمويل الأنظمة الصحية في منظمة الصحة العالمية بالتأكيد على أهمية المراقبة ‏المستقلة للشراكة في الاستثمار بين القطاعين العام والخاص فيما لو أُريد المحافظة على ثقة ‏العموم.‏

منذ إطلاق طراز الشراكة في الاستثمار بين القطاعين العام والخاص في إقليم فالنسيا ‏تم استخدامه واختباره في أماكن أخرى بما في ذلك في ليسوتو ومناطق ماوراء البحار ‏البريطانية لجزر تركس وكايكوس في البحر الكاريبي. بيد أن بيروت من منظمة الصحة ‏العالمية هو الأكثر تشككاً بشأن ما إذا كان طراز الشراكة في الاستثمار بين القطاعين العام ‏والخاص سيعمل في البلدان النامية. ويقول " لا تملك الإدارات العمومية السعات التقانية لإنشاء ‏مثل هذه النظم المعقدة ولمتابعة ما تحرزه من تقدم" مضيفاً أن اتحاد القطاع الخاص لا ‏يصطف للقفز والمشاركة في أي منها.‏

على الرغم من هذه القضايا، يتطلع فيشيم إلى رؤية اختبار طراز الشراكة في ‏الاستثمار بين القطاعين العام والخاص في أماكن أخرى ولا سيما في البلدان النامية حيث ‏يملكون باعتقاده القدرة على إجراء تحسينات سريعة في كل من البنية التحتية وموصولية ‏الناس العاديين إلى خدمات ذات نوعية عالية. ‏ ■

شارك