مجلة منظمة الصحة العالمية

كشف النقاب عن خفايا سوء معاملة الأطفال

لقد أصبح مركز حماية الأطفال في الأردن نموذجاً تحتذي به البرامج الأخرى لسلامة ورفاهية الأطفال في الإقليم. تقرير ديل غافلاك

لقد عانى نضال وصباح (وهي أسماء غير حقيقية للحفاظ على سرية الطفلين) من تخلي أمهما عنهما منذ الصغر حيث تركتهما مع والدهما الذي لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية العناية بهما، وبعد أن يطعمهما ويغير لهما الحفاظات في الصباح، كان عليه أن يمضي إلى عمله ويتركهما وحدهما لعشر ساعات. أما الآن فالطفلان يعيشان في رعاية دار الأمان وهو مركز لحماية الأطفال في مدينة عمَّان بالأردن.

إن دار الأمان، وهو كما يوحي اسمه بالأمان والسلامة، هو المركز العلاجي الوحيد في إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية الذي يقدم الخدمات التعليمية والاجتماعية والطبية والسيكولوجية للأطفال الذين يعانون من سوء المعاملة. كما يقدم هذا المركز المشورة للأسر ويعلمهم مبادئ الأبوة الجيدة.

وتقول مديرة دار الأمان لسلامة الأطفال نانسي ناغور "إن هدفنا هو لمّ شمل الأسرة بأسلوب معالجة تساعد الأطفال على التغلب على المشكلات التي تواجههم وتقوية الأسرة بحيث يتمكن الطفل من العودة إلى منزله "وقد يرسل أحياناً إلى هذا المركز، بأمرٍ من المحكمة، الأطفال الذين عانوا من انتهاك نفسي وبدني وجنسي. وتستوعب دار الأمان 32 طفلاً في وقتٍ واحد، وتتلقى التمويل من القطاع الخاص.

لقد أُسِسَت دار الأمان عام 2000 من قِبَل مؤسسة نهر الأردن، وهي مؤسسة خيرية ترأسها جلالة الملكة رانيا ملكة الأردن، وساعدت هذه الدار أكثر من 280 طفلاً مع أسرهم، وتصدرت جلالة الملكة رانيا جهود حماية الأطفال في بلدها على مدى العقد المنصرم من خلال إذكاء الوعي العام حول مشاكل انتهاك الأطفال، والحاجة لتعزيز رفاهية الأطفال.

وتقول السيدة نانسي ناغور مديرة دار الأمان "لقد تحلَّت جلالة الملكة رانيا بشجاعة فائقة، حيث قالت إن علينا أن نواجه هذا الانتهاك حتى وإن كان يتعلق بموضوع محظور" وتتابع السيدة نانسي ناغور قولها: "لقد قالت جلالة الملكة إن علينا توفير مكان آمن لمساعدة الأطفال وأسرهم، وبدون جلالة الملكة لم يكن من اليسير البدء بالتعاطي مع هذه القضية البالغة الحساسية والتعقيد في مجتمعنا وثقافتنا".

وتعمل مؤسسات أخرى في الأردن على الوقاية من سوء معاملة الأطفال وخلق المزيد من الوعي العام حول هذه المشكلة، ومن هذه المؤسسات مركز الملكة رانيا للطفل والأسرة والذي أسس عام 2005، وإدارة حماية الأسرة، والمجلس الوطني لشؤون الأسرة، وبرنامج الإشراف لجمعية كويست-سكوب Questscope، والرابطة الأردنية لحماية ضحايا العنف المنزلي.

إلا أن دار الأمان أصبح قدوة تحتذي بها البرامج الأخرى المعنية بسلامة ورفاهية الأطفال في إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية والذي يشمل 22 بلداً إلى جانب الأراضي الفلسطينية. كما توجد مراكز استضافة لتقديم الرعاية في كل من مصر ولبنان والمملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية واليمن، وذلك وفقاً لما صرح به الدكتور سيد جعفر حسين، الخبير المعني بسلامة الأطفال في المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية. ويضيف قائلاً "تتوفر في هذه المراكز خطوط هاتفية مجانية للمساعدة يمكن أن يتصل بها أي شخص، حتى الأطفال أنفسهم للإبلاغ عن الانتهاك، وتتضمن هذه المراكز متابعة هذه الحالات".

ويقول الدكتور سيد جعفر حسين إن هذه المراكز تكتسب القبول لدى المجتمعات في جميع أرجاء الإقليم بالرغم من تخوف بعض الأسر من وصمها "بالانتهاك". فالوصمة تعتبر أحد العوامل التي تجعل من الصعب تحديد صورة واضحة عن مدى انتهاك الأطفال، وتعتبر الإساءة إلى شرف الأسرة عاملاً آخراً هاماً.

ففي مجتمعات شرق المتوسط، ينبغي الحفاظ على الشرف وتجنب العار مهما كان الثمن؛ وتقول السيدة نانسي ناغور : "تكنُّ هذه المجتمعات خصوصية شديدة لشؤون الأسرة، حتى إذا كانت [هناك ممارسات أسرية محددة] بالغة الضرر" وتضيف أن المفاهيم المغلوطة لدى بعض الآباء بضرورة ضرب الأطفال لتربيتهم على النظام يساهم أيضاً في استمرار تعرض الأطفال للانتهاك. ويقول الدكتور سيد جعفر حسين أن مثل هذه العوامل قد تؤدي إلى "تردد الآباء أو الأطفال أنفسهم في التعامل مع هذه المراكز والتماس المساعدة منها".

تعتبر قلة البيانات مشكلة سائدة في جميع أرجاء العالم، فوفقاً لصحيفة المعلومات حول انتهاك الأطفال التي أعدتها منظمة اليونيسف فإن "البيانات الدقيقة والمعبّرة عن انتهاك الأطفال يصعب تحصيلها، ويندر أن توضح الإحصائيات الرسمية كثيراً من نماذج انتهاك الأطفال".

وفي المؤتمر الذي عُقد في المملكة العربية السعودية في شهر آذار/مارس برعاية منظمة الصحة العالمية، نوقشت قضية سوء البيانات، وقد كان هذا المؤتمر هو الثالث من نوعه خلال خمس سنوات، وقد حث البلدان على اتقاء سوء معاملة الأطفال وكشف ما يحدث من انتهاك للأطفال والتصدي له. وقد دعا المشاركون لتقديم المزيد من الخدمات لدعم الضحايا حتى يتلقى الأطفال الذين عانوا من الانتهاك المعالجة الملائمة ويصبح بالإمكان تأهيلهم.

إن البيانات الموجودة قليلة، وتقدّر قاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية لعبء المرض أن 1.2 مليون طفل قد عانوا من بعض أشكال العنف عام 2004 في إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية.

وقد أعطت دراسة حديثة أيضاً بعض المؤشرات على مدى انتهاك وإساءة معاملة الأطفال في إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية. وأظهر المسح العالمي المرتكز على طلبة المدارس والذي نفذ في 12 بلداً من البلدان الأعضاء من قِبَل منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة وبدعم تقني من مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أطلانطا في الولايات المتحدة الأمريكية أن 42% من الذكور و29% من الإناث من عمري 13 و15 عاماً قد تعرضوا للانتهاك البدني أو النفسي في العام 2006 – 2007. ووفقاً لهذا المسح فقد قال 73% من الأطفال أنهم تعرضوا للضرب في المدارس، فيما قال 40% منهم أنهم تعرضوا للضرب الشديد في بعض بلدان إقليم شرق المتوسط، كما يقع العنف اللفظي والجنسي في المدارس رغم أن الأرقام الدقيقة الخاصة بهما غير معروفة.

وقد امتدح الدكتور سيد جعفر حسين المسح والجهود الأخرى التي نفذتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى لإذكاء وعي المجتمعات بضرورة عدم التسامح في انتهاك الأطفال وإهمالهم وضرورة التصدي لذلك بشكل فعال. وعلى سبيل المثال فإن منظمة الصحة العالمية تساعد في تدريب العاملين المعنيين في وزارات الصحة والشؤون الاجتماعية والتعليم إلى جانب المنظمات غير الحكومية في سائر أرجاء الإقليم حول اتقاء سوء معاملة الأطفال، وحول جهود حماية الأطفال. كما تساعد المنظمة على بناء القدرات في مراكز الرعاية من خلال "توسيع نطاق خدمات الوقاية والتأهيل والنهوض بجهود توسيع نطاق التغطية للخدمات المقدمة للأطفال" كما يقول الدكتور سيد جعفر حسين.

يمكن أن يظهر للمبادرات المحلية تأثير قوي، كما هو الحال في الحملة التي تنفذ حالياً في الأردن، والتي أثارت فيها مؤسسة نهر الأردن انتباه عموم الناس حول قضايا سوء معاملة الأطفال من خلال استخدام برامج تلفزيونية تنشر الممارسات الإيجابية للآباء والأمهات في المجتمع. وقد صدر في السنة الماضية قانون في الأردن يوصي بمعالجة ضحايا انتهاك الأطفال ومن يقترف هذا الانتهاك.

وتقول السيدة نانسي ناغور "لقد أظهر تقييم الأثر أن هذه الإجراءات لها تأثيرات إيجابية بالغة، وقد لاحظنا نحن هذه الفروق" وتتابع القول: "إن الأسر تأتي إلينا الآن لتلتمس المساعدة" ثم تقول إن هذه التطورات أدت إلى ترسيخ خدمات إيصالية تتيح إرسال خبراء في حماية الأطفال إلى المجتمع لتقديم الدعم العلاجي للأطفال وأسرهم. ويؤكد خبراء سلامة الأطفال على ضرورة تقييم الأثر لتدخلات منع سوء معاملة الأطفال والوقاية منها وتقييم الأثر لعمل مراكز وقاية الأطفال لضمان فعالية هذه البرامج واستنادها للبيِّنات.

يمكن للفقر أيضاً أن يساهم في مشاكل انتهاك الأطفال وإهمالهم، ويقول الدكتور سيد جعفر حسين "للفقر دينامكيات متعددة تجعل الأطفال أكثر عرضة للانتهاك والإهمال. فالإحباط الذي يلحق بأبٍ عاطل عن العمل قد يؤدي إلى انفجار غضبه ولجوئه إلى الضرب، فيما توضح أمثلة أخرى أن الأطفال الذين يُرغَمُون على العمل يتعرضون لأشكال أخرى من الانتهاك والإصابات. وبالرغم من عدم تراجع العنف ضد الأطفال إلا أن الدكتور سيد جعفر حسين يقول "لقد أدى المزيد من إذكاء الوعي حول هذه القضية إلى تسليط الضوء عليها نتيجة لوجود آليات التبليغ عنها في الوقت الراهن" وقد يساعد ذلك بدوره في جهود الوقاية منها. ■

شارك