مجلة منظمة الصحة العالمية

الخطة الصحية الجديدة في الصين تستهدف سَرِيْعي التَّأَثُّر

يعتبر توسيع تغطية الرعاية الصحية إلى العمال المهاجرين من أولويات إصلاح نظام الرعاية الصحية في الصين. يقول تسوي ويان

عندما أصيب عامل المصنع دو هوهاي ذو الخمسة عشر ربيعاً بالزكام، بعد دورية عمله التي استغرقت 15 ساعةً في مصنع السحابات في ضواحي بيجين، اكتفى بتناول بعض الأدوية لأنه لم يملك "لا المال ولا الوقت" لمراجعة الطبيب. في اليوم التالي، بينما بقي نعساناً من الأدوية أصيبت يده اليسرى بآلة الثقب.

تسببت الآلة بهرس اثنين من أصابع يد دو. تم نقله إلى مستشفى المقاطعة في البلدة ثم تحويله إلى مستشفى الشرطة المسلحة حيث أبلغه الطبيب بإمكانية إنقاذ معظم أصابعه، لكن عندما اكتشف عدم قدرة دو على دفع تكاليف العملية وبأنه لا يملك تغطية التأمين، على الأقل بقدر معرفته، عندها قام الطبيب بتنفيذ عملية بتر بسيطة. دفع مدير دو تكاليف العملية، لكن تمّت إقالة دو بعد مطالبته بالتعويض. يقول دو: "لم يكن لدي عقد عمل، أو تأمين صحي من خلال صاحب العمل. إذا أصرَّيْت على الحصول على أحدهما، لن يقوم أحد بتوظيفك هنا."

دو هوهيه، عامل مهاجر، فقد أصبعيه في حادثة بمكان العمل

نشأ دو ضمن عائلة ريفية في بلدو شاويو، مقاطعة كسيه/ في شمال غرب الصين ضمن إقليم غانسو وهو واحد من العمال المهاجرين الذين يقدّر عددهم بمئتي مليون. يجب الآن تحسين التغطية الصحية لأمثاله. بعد تسعة أيام فقط من بدء عمل دو في معمل السحابات في نيسان/أبريل من عام 2009، أعلنت الحكومة عن خططها في توفير الإتاحة الكاملة للرعاية الصحية الأساسية لجميع المقيمين في الصين بحلول عام 2020.

إذا تم تنفيذ الإصلاح فهذا سيرسم نهاية الآليات المستندة إلى السوق التي تم إدخالها تدريجياً منذ أوائل الثمانينات، بعد 30 عاماً من تغطية أكثر من 90% من النفقات الطبية لسكان المدن وتقديم خدمات الرعاية الصحية الأساسية وقليلة التكلفة لسكان الريف.

لم يتفاجأ السيد وي وي من حقيقة جهل دو إذا كان يملك تغطية التأمين، وهو مؤسس منظمة شياو شياو نياو وهي منظمة غير حكومية مقرها بيجين تدافع عن الحقوق القليلة التي يمتلكها العمال المهاجرون. يقول وي وي بأنه نادراً ما يعرف العمال المهاجرون إذا ما كانوا مشمولين بتغطية التأمين ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود إحصائيات موثوقة حول عدد العمال الحاصلين على هذه التغطية. قامت مؤسسة أبحاث التنمية الصينية بإجراء مسح في عام 2000 والذي كشف عن أن أقل من 3% من العمال المهاجرين مشمولين ضمن مخططات التأمين الصحي، وحتى أولئك الحاصلين عليها فلديهم وصول محدود لخدمات الرعاية الصحية. منذ ذلك الحين، فقد تحسن الوضع إلى حدٍ ما. اليوم تمت تغطية أكثر من 30 مليون عامل مهاجر ضمن نظام التأمين الصحي الأساسي للعاملين في المناطق الحضرية (URBMI)، كما صرحت بذلك الجميعة الصينية للتأمين الطبي.

تقلصت تغطية الرعاية الصحية على نحو كبير كنتيجة للإصلاح الاقتصادي في الصين عام 1978. حيث انخفضت لأقل من 10% بين سكان الريف. وحتى في المدن وجد السكان أنفسهم عرضة للمشكلات منذ أواخر السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات بعد أن توقفت خدمة التأمين الطبي في المناطق الحضرية عن تغطية الأفراد المعالين من العمال ذوي الدخل مما تسبب بطرد العديد من العمال بسبب إعادة هيكلة المؤسسات التجارية المملوكة من الدولة في بداية التسعينيات. ازداد مبلغ الرعاية الصحية الذي يدفعه المستهلكون من جيبهم الخاص بحدة من ما يقارب 20% في عام 1980 إلى أكثر من 60% في عام 2000. لقد كان تأثيراً ضاراً لإصلاح قسم الإمداد. بعد أن كانت تستفيد المستشفيات من التمويل الحكومي، أصبح عليها فجأة الاعتماد في بقائها على أجور المرضى. بدأ الأطباء في المستشفيات التي تملكها الدولة بوصف الأدوية والعلاج على أساس مصدر دخلهم المحتمل– بالنسبة لهم وللمستشفى على حدٍ سواء – وليس على النجاعة السريرية، وهو ما يستمرون بممارسته حتى الآن.

منذ عام 2003، ركزت الحكومة على نوعين رئيسيين من التأمين: النظم الطبية التعاونية الريفية الجديدة، والتي استحدثت في عام 2003 لسكان الريف ونظام التأمين الصحي الأساسي للعاملين في المناطق الحضرية ، والذي تمت تجربته لأول مرة في 88 مدينة في عام 2007.

قامت الحكومة بتمويل هذه النظم حيث دفعت ما يصل إلى 80% من أقساط التأمين. ووفقاً للدكتور لي هايشوا مدير أبحاث السياسات في وزارة الصحة، تغطي النظم الطبية التعاونية الريفية الجديدة الآن 833 مليوناً من سكان الريف، في حين يغطي مخطط التأمين الصحي الأساسي للعاملين في المناطق الحضرية 337 مليوناً. في إطار خطة الإصلاح التي أعلنت في نيسان/ أبريل 2009، سيتم تغطية أكثر من 90% من سكان الصين البالغ تعدادهم 1.6 بليار نسمة بالنظم الطبية التعاونية الريفية الجديدة، ونظام التأمين الصحي الأساسي للعاملين في المناطق الحضرية أو نظام ثالث يسمى التأمين الصحي الأساسي للمقيمين في المناطق الحضرية وذلك بحلول عام 2011، مما يرفع النسبة للأعلى اعتباراً من 15% التي كانت في عام 2003. بحلول منتصف عام 2009، استثمرت الحكومة 71.6 بليون يوان (10.5 بليون دولاراً أمريكياً) في خطة إصلاح نظام الرعاية الصحية، وفقا لمكتب مجلس الدولة لإصلاح الرعاية الصحية.

ليو ماي، عاملة مهاجرة، في السنوات القليلة المنصرمة، انفقت هي وزوجها كل ما جنته من أموال تقريبا على الفواتير الطبية الخاصة بابنها

تقدم هذه الإجراءات الوعود بتغيير حياة العمال المهاجرين الذين يعتبرون أكثر الفئات ضعفاً بين السكان العاملين فى الصين. ليو مي هوي عامل مهاجر آخر ممن تأثروا بالنفقات الصحية الكارثية. عندما مرض ابنها، ما جيلي، بالتهاب الفقار المقسّط في عام 2003. منذ ذلك الحين، أنفقت هي وزوجها فعلياً كامل أجورهما على فواتيره الطبية. يقول وي "يأتي بعضهم طلباً للمساعدة في نفقات طبية مأساوية بسبب وقوع بعض الحوادث، أو معاناة بعض أفراد الأسرة من آلام مبرحة". وأضاف "لكننا لا نستطيع مساعدة الجميع". يأتي بعض المال من الجمعيات الخيرية، ولكنه ليس كافياً. يقول وي "نستطيع تشبيه الاعتماد على الصناديق الخيرية في حل عبء تكاليف الرعاية الصحية باستخدام كوب من الماء لإخماد حريق اشتعل داخل عربة كاملة من الخشب".

تعتبر الطبيعة غير الرسمية في العادة لعمل العمال المهاجرين واحدة من الأسباب الرئيسية لضعفهم. لقد أقرّ البرلمان الصينى، وهو المؤتمر الشعبي الوطني، مؤخراً قانوناً جديداً للعمل يوفّر حمايةً أفضل للعمال. ولكن، لم يتم تنفيذ القانون بفعالية جيدة وفقاً للدكتور جي تانغ شينغلان مستشار الصحة والفقر في مكتب بكين لمنظمة الصحة العالمية. يتم توظيف العديد من العمال المهاجرين مباشرةً من قبل الشركات الخاصة الصغيرة، بما فيها الصناعات الحرفية الصغيرة السريّة وغير النظامية. بينما يعثر الآخرون على وظيفة عن طريق مقاول – غالباً ما يكون شخصاً غير معروف بالنسبة للعمال المهاجرين. يقول وي "إن العديد من عمال البناء يجد عملاً بهذه الطريقة". ولكن يعاني من التأمين حتى العمال المهاجرين الموظفين لدى الشركات متعددة الجنسيات بسبب طبيعة تمويل النظام الصحي الصيني المعتمد على تجزئة الأقاليم. يضيف وي، في السنوات الأخيرة دعت بعض مجموعات العمال المهاجرين إلى الانسحاب كلياً من نظم التأمين لأنه لا يمكنهم تحويل التغطية في حال انتقالهم للعمل إلى منطقة جديدة.

يتم العمل حالياً على تغيير هذا الأمر. في تموز/ يوليو من عام 2009، أصدرت كل من الوزارات الصينية المعنية بالصحة، وبالشؤون المدنية، وبالمالية، وبالزراعة، مع الإدارة الرسميّة للطب التقليدي بياناً مشتركاً بشأن التأمين الصحي للمهاجرين. وفقاً لتانغ ، يزداد حالياً عدد الشركات الوطنية ومتعددة الجنسيات التي تسجل عمالها المهاجرين ضمن نظم التأمين الصحي. ويتم أيضا بذل الجهود لتبسيط إجراءات التسديد. وفقا للسيد لي من وزارة الصحة، تسمح السياسة الحالية للعمال المهاجرين الذين يملكون عقوداً رسمية للتوظيف مع شركاتهم بالتسجيل إما في النظم الطبية التعاونية الريفية الجديدة ، أو نظام التأمين الصحي الأساسي للعاملين في المناطق الحضرية.

في الوقت الذي تسعى خلاله الحكومة إلى تقوية تغطية التأمين، فيجب أن تعالج أيضاً القضايا الخاصة بالإمداد، وخاصة تمويل المستشفى. في الوقت الحاضر، تخضع المستشفيات الصينية الرسمية للقيود فيما يستطيعون تقاضيه لقاء الخدمات، لكنهم أحرار في تعزيز دخلهم وذلك بتوسيع توفيرهم للخدمات والمنتجات الطبية بما في ذلك الأدوية. قال اختصاصي أمراض القلب والأوعية في أحد مستشفيات بكين الرائدة بأنه اضطر إلى فرض رسوم على الإجراءات الطبية من أجل زيادة راتبه الشهري إلى 1500 يوان (220 دولاراً أمريكياً). وأضاف بأن الأطباء في مستشفاه يحصلون على مكافأة اعتماداً على كل من الدخل القادم من مختلف الأقسام وموقعهم ومساهمتهم. وبعبارة أخرى، كلما ازداد عدد الإجراءات التي يؤدونها – أكثرها ربحاً هو غرز دعامة في جراحة القلب – ارتفع مقدار دخلهم الشهري.

لقد أدى ذلك حتماً إلى إلغاء العلاقة السهلة بين الطبيب والمريض. تعرب يوان جيان بينغ عن قلق المريض، حيث تعمل كمدير علاقات المستثمرين في بكين وأحد المستفيدين من الطفرة الاقتصادية في الصين، حيث تقول: "يبدو لي أن الكثير من الأطباء يعالجون المرضى كي يجعلوا مستشفياتهم رابحة."

لقد بحثت السلطات الصينية في خيارات الدفع منذ التسعينيات وذلك عندما عملت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح على نظام الدفع المعتمد على التشخيص (DRG)، وهو نظام تصنيف حالات المستشفى إلى واحدة من حوالي 500 مجموعة، بحيث يتم اعتماد هذا التقييس كأساس لحساب الرسوم.

يعتقد الدكتور هونغ ون تشاو لقسم حكومة النظام الصحي وتقديم الخدمات في منظمة الصحة العالمية، بأنه سيتم حل موضوع طريقة الدفع، بعد توضيح الخطوط العريضة لإصلاح المستشفى. يقول الدكتور "ستعمل الحكومة على مدى السنوات الثلاث المقبلة على اختيار نموذج التمويل المعتمد إما على قسم – الإمداد أو قسم – الطلب"، كما يضيف "هناك كمٌ هائلٌ من العمل الفني الذي يجب القيام به."

وأضاف تانغ أنه على الرغم من مناقشة الوسائل البديلة لدفع الرسوم إلى الدفع مقابل الخدمة بهدف التحكم بالتكاليف الطبية، مثل الأجرة على الفرد (capitation) والدفع المعتمد على التشخيص (DRG)، وذاك على مدى عقدين في الصين، "قاومت المستشفيات وغيرها من مقدمي الخدمات بشكل كبير اعتماد هذه الطريقة في الدفع." ■

شارك