مجلة منظمة الصحة العالمية

الرضاعة الطبيعية هي الأفضل دائماً، حتى بالنسبة للأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري

بالرغم من ظهور الأدلة على ضرورة قيام الأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري بإرضاع أطفالهنَّ رضاعة طبيعية من الثدي لتحسين التوقعات الصحية لأطفالهنّ، مازال العمال الصحيون في جنوب أفريقيا يواجهون تحديات أمام تبديل المواقف والعادات. تقارير لونغي لانغا.

قد تكون الرضاعة الطبيعية من الثدي طبيعية، لكنها ليست بسيطة دائماً. تقول أنّا كوتسوديز، البروفسور في قسم طب الأطفال وصحة الأطفال في جامعة كوازولو ناتال، دوربان، بأنّ المشكلة تبدأ في الأسابيع الأولى من الرضاعة الطبيعية، وتضيف: "ويفتقد مقدمو الرعاية الصحية المهارات المطلوبة لتقديم الدعم والنصيحة"، وتتابع: "وبذلك عندما تظهر المشاكل – كالحلمات المشقوقة فلن يرضع الطفل ولن يكون راضياً - وغالباً ما تحصل الأمهات على نصائح غير مجدية، وبعدها يصبن بالإحباط ويُطلَب منهنَّ إيقاف الرضاعة الطبيعية تماماً وإعطاء البدائل الصناعية."

إذا كانت الأم مصابة بفيروس العوز المناعي البشري سيزداد الشك. تقول ثيلما راكا، استشارية الحمل والولادة المعتمدة في مستشفى موبراي للتوليد في كيب تاون: "يعاني بعض المستشارين أنفسهم من الحيرة حول ممارسات تغذية الرضع الصحيحة والعدوى بفيروس العوز المناعي البشري".

بيّنةٌ جديدةٌ تنصحُ بوجوب إرضاع الأمهات إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري لأطفالهن من أثدائهن.
بيّنةٌ جديدةٌ تنصحُ بوجوب إرضاع الأمهات إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري لأطفالهن من أثدائهن.

وحتى وقتٍ قريب، كانت منظمة الصحة العالمية تنصح الأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري بتجنب الرضاعة الطبيعية إذا كنّ قادراتٍ على تأمين الحليب الصناعي وإعداده وتخزينه بشكلٍ آمن. لكن ظهرت أبحاثٌ، وبخاصة في جنوب أفريقيا، أظهرت أنّ الحفاظ على الإرضاع المقتصر على الثدي مع المعالجة بمضادات الفيروسات القهقرية يمكن أن يقلّل على نحو يعتد به إحصائياً من خطر انتقال العدوى بفيروس العوز المناعي البشري إلى الأطفال عن طريق الإرضاع الطبيعي.

وأطلقت منظمة الصحة العالمية في 30 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2009 توصياتٍ جديدةً عن تغذية الرضّع من الأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري مستندةً إلى هذه البيّنة الجديدة. وللمرة الأولى، تنصح منظمة الصحة العالمية بأن تأخذ الأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري أو الرضّع مضادات الفيروسات القهقرية طوال فترة الرضاعة الطبيعية وإلى أن يصبح عمر الرضيع 12 شهراً. هذا يعني أنّ الطفل يستطيع أن يستفيد من الرضاعة من الثدي باختطار قليل جداً لإصابته بعدوى فيروس العوز المناعي البشري.

وأظهر بحثٌ سابق أنّ الاقتصار على الإرضاع من الثدي طوال الأشهر الستة الأولى من حياة الرضيع يرتبط مع تناقص اختطار الإصابة بالعدوى بفيروس العوز المناعي البشري بمقدار ثلاثة إلى أربعة أضعاف بالمقارنة مع الرضّع الذين يرضعون من الثدي ويتلقون أيضاً أنواعاً أخرى من الحليب الصناعي أو الأطعمة.

ساهمت دراستان أفريقيتان رئيسيتان في صدور التوصيات الجديدة حيث نُشرت نتائجهما في تموز/يوليو2009 في مؤتمر الجمعية الدولية للإيدز والعدوى بفيروسه في كيب تاون. ووجدت دراسة كيشو بورا التي أدارتها منظمة الصحة العالمية أن إعطاء الأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري توليفة من مضادات الفيروسات القهقرية خلال الحمل والولادة والرضاعة الطبيعية قلّل من اختطار انتقال فيروس العوز المناعي البشري إلى الرضّع بنسبة 42%. وأظهرت أيضاً دراسة الرضاعة الطبيعية ومضادات الفيروسات القهقرية والتغذية التي أجريت في مالاوي تناقصاً في اختطار الإصابة بفيروس العوز المناعي البشري حتى 1.8% فقط بين الرضّع الذين أُعطوا النيفرابين كدواءٍ مضاد للفيروسات القهقرية يومياً أثناء الرضاعة الطبيعية لستة أشهر.

بالرغم من هذه الاكتشافات سيظل هناك تحديات أمام تبديل الثقافة المتأصِّلة عن الإرضاع الصناعي في جنوب أفريقيا. فقد تأثرت المواقف الراهنة بالانتشار المرتفع لفيروس العوز المناعي البشري- حيث أن 18% من البالغين مصابون بالفيروس وفقاً لتقديرات عام 2008 لبرنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الأيدز والعدوى بفيروسه. ووجد المسح الصحي الديموغرافي لجنوب أفريقيا لعام 2003 أن أقل من 12% من الرضّع يرضعون رضاعة مقتصرة على الثدي خلال الشهور الثلاثة الأولى من عمرهم، وتنخفض هذه النسبة إلى 1.5% للرضع الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة وستة أشهر.

ولا يزال بعض العمال الصحيين أنفسهم غير مقتنعين بمنافع الرضاعة الطبيعية من الثدي، حتى بالنسبة للأمهات غير المصابات بفيروس العوز المناعي البشري. تقول ليندا غلين، استشارية الرضاعة الطبيعية في مستشفى موبراي للتوليد في كيب تاون: "توجد هنا فكرة شائعة بأن الرضاعة من الثدي غير مهمة، ولا توجد ضرورة حتمية للإرضاع من الثدي، خصوصاً عندما يمكن اللجوء إلى التغذية الصناعية". "ويعتقد بعض [العمال الصحيين] أنّ الرضاعة الطبيعية مضيعةٌ للوقت وأنها غير ملائمة". وكثيراً ما تقع المخاطر الناجمة عن عدم الرضاعة الطبيعية بدون أن تُلاحظ. فمعظم الأطفال الذين يولدون لأمهات مصابات بفيروس العوز المناعي البشري ويتغذون على الألبان والتغذية الصناعية لا يموتون بسبب الأيدز لكنهم يموتون بسبب نقص التغذية والإسهال والالتهاب الرئوي وأسباب أخرى غير متعلقة بفيروس العوز المناعي البشري. إن مزايا الرضاعة الطبيعية لا تقتصر على إمداد الأطفالَ بالمغذيات التي يحتاجونها للنماء فحسب، بل أيضاً إمدادهم بالأضداد التي يحتاجون إليها لحمايتهم من الأمراض الشائعة والمميتة.

إنّ تعلّم التقنيات يأخذ وقتاً: أمٌّ شابةٌ تُرضع طفلها من ثديها في مستشفى موبراي للتوليد، كيب تاون.
إنّ تعلّم التقنيات يأخذ وقتاً: أمٌّ شابةٌ تُرضع طفلها من ثديها في مستشفى موبراي للتوليد، كيب تاون.

توصي منظمة الصحة العالمية بأن تمارس كلُّ الأمهات بغض النظر عن إصابتهن أو عدم إصابتهن بفيروس العوز المناعي البشري الرضاعة المقتصرة على الثدي – وهي تعني عدم إعطاء أية سوائل أو أطعمة أخرى بما في ذلك الماء- طوال الشهور الستة الأولى من عمر الرضيع. بعد انقضاء الشهور الستة، يجب البدء بتغذية الطفل بالأطعمة التكميلية. ويجب على الأمهات غير المصابات بفيروس العوز المناعي البشري أن يمارسن الإرضاع من الثدي حتى يصبح عمر الرضيع سنتين أو أكثر.

تقول بيني رايمرز من قسم التمريض في جامعة دوربان للتكنولوجيا أنه حدث تدهور أشد في الرضاعة الطبيعية في البلدان التي كان يوُزِّع فيها الحليب الصناعي مجاناً، وتعتبر جنوب أفريقيا المثال الأكبر على ذلك. فقد وُزِّع حليب الرضّع الصناعي من قِبل السلطات الوطنية والمحلية ومن قبل المنظمات المحلية غير الحكومية لمنع انتقال فيروس العوز المناعي البشري من الأم للطفل، وقد أضعفت هذه المبادرة على نحو جسيم الإرضاع الطبيعي. تقول رايمرز: "كانت النتيجة غير المتوقعة لهذه الحملة أنه حتى الأمهات غير المصابات بفيروس العوز المناعي البشري قد توجَّهن لاستخدام الحليب الصناعي."

أحد الأسباب وراء هذا التغير هو انتشار الاعتقاد الخاطئ بأن الألبان الصناعية أفضل من لبن الثدي، وهو إدراكٌ نتج جزئياً، بحسب اعتقاد الباحث كوتسوديز، عن حملات التسويق "القوية والمضلِّلة" لشركات الألبان الصناعية التي أدت إلى انتشار ادِّعاءاتٍ لا أساس لها من الصحة بأن الحليب الصناعي يحتوي مكوِّناتٍ خاصةً تحسِّن صحة الطفل. ويقول كوتسوديز: "إنه يتم حجب الحقائق عن الأمهات، ولا يُخبرن بأفضلية لبن الثدي التي لا مثيل لها [لصحة الرضّع]، ولا يخبرن بمخاطر الحليب الصناعي؛ وأنه ليس منتجاً معقماً دائماً بل يتعرض للتلوث بسهولة."

وبجانب حملات التسويق التي يشنها منتجو الألبان الصناعية، هناك وسائل ضغط أخرى كان لها دور مماثل، ومنها تغير دور المرأة في المجتمع في جنوب أفريقيا، فالعديد من النساء خرجن للعمل في أعمال مأجورة لأكثر من عشرين سنة مضت، وتعاني الكثير من الأمهات في المواءمة بين أوقات الإرضاع وأوقات العمل. عندما رُزقت باتو بانزي، وهي موظفة في إدارة محكمة الصلح في وينبرغ، بابنها الثاني مُنحت أربعة أشهر إجازة أمومة وفقاً لقانون العمل في جنوب أفريقيا، لكنها عانت بعد ذلك عندما حان وقت العودة إلى العمل. تقول: "كنت محظوظة لأنني كنت أعيش قريباً من مكان عملي بحيث كنت أستطيع أن أعود للمنزل لإرضاع طفلي والعودة بسرعة إلى العمل." وتحولَت لاحقاً إلى تعصير لبن الثدي، وحفظه في زجاجات، لكن كان عليها أن تذهب إلى قاعة اجتماعات مجلس إدارة الشركة لتكون بعيدة عن الأنظار وتشعر بالخصوصية أثناء تعصير الثدي. وكانت ديدري زيمري، مديرة العمليات في إحدى شركات النقل، تقوم بتعصير الثدي في غرفة الانتظار عندما تخلو الغرفة. وتشعر كل من بانزي وزيمري بأن إجازة الأمومة لمدة أربعة أشهر غيرُ كافية.

تقول لويس غوسن، استشارية الرضاعة الطبيعية في مستشفى موبراي للتوليد في كيب تاون، إنّ "العودة إلى العمل" هي أحد الأسباب الأكثر شيوعاً لتوقف الإرضاع الطبيعي. وحتى بالنسبة للأمهات اللواتي لا يعملن أو لا يتوجّب عليهنَّ الجمع بين العمل ورعاية الطفل، فإن التحول لاستخدام الحليب الصناعي هو ببساطة شيءٌ مُغْرٍ بدرجة كبيرة بسبب الاعتقاد بأنه مناسب. تشرح غوسن "على أية حال نحن بحاجة لتشجيع وتثقيف الأمهات بأهمية وسهولة إدرار حليب الثدي والمحافظة عليه لإعطائه للطفل عندما تكون الأم في العمل حتى يستمر الطفل في الحصول على أفضل تغذية ممكنة."

تقول لولاما سيغازانا، اختصاصية التغذية العاملة في إيكامفا لابانتو، وهي منظمة غير ربحية في جنوب أفريقيا مقرها في كيب تاون: "فما الذي يمكن فعله لجعل النساء يخترن بسهولة خيار الإرضاع الطبيعي؟ أظن أن على الحكومة إقناع المصانع وجهات العمل بسهولة مُواصلة الأمهات للإرضاع الطبيعي بعد عودتهن إلى العمل." وتعتقد أيضاً أنه يجب توفير المكان والوقت الملائمين للأمهات حتى يتمتعن بالخصوصية في الإرضاع بعيداً عن الأنظار أثناء العمل. وتقول إن الحكومة تستطيع أن تقوم بالكثير لإيصال الرسالة بأن الرضاعة الطبيعية هو الأفضل. وتضيف "يوجد بالفعل بعض [الحملات]" مشيرةً إلى مبادرة المستشفيات الصديقة للرضع والأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، والذي تجري فعالياته في الأسبوع الأول من شهر آب/أغسطس، لكننا مازلنا في حاجة إلى المزيد من البرامج لتعزيز الرضاعة الطبيعية والاستمرار عليه.

تعتقد سيغازانا أن الدعوة إلى تأييد الرضاعة الطبيعية ينبغي أن توجه إلى الذين يؤثرون على قرار المرأة في الإرضاع، أي زوجها وبقية أفراد الأسرة. وتقول: "إن ما توجه به الجدَّة، في كثير من الأسر، هو سيجري اتباعه بالفعل". "فإذا قالت الجدة أنه على الأم أن ترضع، سيكون هذا هو خيارها الأمثل، لكن إذا اتجهت الجدة نحو الحليب الصناعي، فستعتمد الأم على الحليب الصناعي. ولن يجدي الاعتماد على تثقيف الأمهات فقط، فهناك ضرورة لوجود حملات وطنية تستهدف الجميع."

يوافق كوتسوديز، قائلاً يجب أن تمتد برامج الدعوة للرضاعة الطبيعية إلى كامل المجتمع حتى يعود الإرضاع من الثدي مرةً أخرى ليكون هو "الوسيلة الطبيعية لتغذية الطفل". وذلك لا يمكن تحقيقة إذا كان العديد من العمال الصحيين سريعين في وصف الحليب الصناعي، ويقول كوتسوديز: "إن شركات الألبان الصناعية تسعى إلى التأثير على مفاهيم العاملين الصحيين، فمندوبو الشركات يزورون كثيراً العاملين الصحيين، ويوطدون العلاقاتٍ معهم، حتى يمكنهن التسويق لمنتجاتهم."

بدون دعم العاملين الصحيين الفعال، لن يمكن تغيير المواقف الخاطئة علن نحو سريع، أليس كذلك؟ وهناك أمر أكيد وهو: أن العاملين الصحيين سيدعمون على نحو أقوى هذه الرسالة الصحية إذا كانوا على إطّلاع وإلمام بالبحوث الراهنة. وبمعنى آخر كما قالته سيغازانا: "نحتاج إلى أن نتأكد من أن الذين يتعاملون مع الأمهات ينقلون إليهن المعلومات الصحيحة".■

شارك