مجلة منظمة الصحة العالمية

تقلِّص نيوزيلندا الإنفاق الصحي للسيطرة على التكاليف

يخضع نظام الرعاية الصحية في نيوزيلاندا لسلسلة من التخفيضات من أجل خفض التكاليف، غير أن هذا يثير قلق النقاد حول صحة الناس ذوي الدخل المنخفض، وقد يؤدي ذلك إلى معاناة بعض الفئات السكانية. تتناول ريبيكا لانكاشير هذا الموضوع في سلسلتنا حول تمويل الصحة.

قيل للسيدة روبين بوب التي شُخِّص لديها سرطان الثدي في عام 2008 بأن عليها الانتظار شهرين لتحصل على استئصال للثدي مع إعادة استبنائه كجزء من علاجها ضمن النظام الصحي العمومي. تقول السيدة بوب، وهي أم لثلاثة أطفال وتقطن على ساحل كابيتي في نيوزيلاندا: «قد لا تبدو مدة شهرين طويلة، ولكن أن تعيش يوماً واحداً وأنت تعلم أن في جسمك سرطان يجعلك تشعر أن اليوم لا نهاية له.»

كان السبب المستبطن للتأجيل مألوفاً، وهو التمويل. تكافح نيوزيلاندا، شأنها شأن البلدان الأخرى التي تقدم الرعاية الصحية الشاملة، من أجل تلبية الاحتياجات المتزايدة بشكل ثابت للخدمات الصحية ذات الجودة العالية التي يُقدَّم أغلبها مجاناً للجميع، مع الاحتفاظ بفعالية التكلفة. تضاعف إجمالي الإنفاق الصحي في السنوات الثماني الأخيرة حيث وصل إلى 3.6 مليار دولار نيوزيلاندي (10 مليار دولار أمريكي). تنادي الحكومة بالإصلاحات من أجل لجم هذه النفقات كسبيل لمواجهة الركود الاقتصادي.

ريبيكا لانكاشير
جولز تانيوا وجستين ثورب من منظمة الصحة الأولية «الصحة الجيدة».

“يقول ريكو إيلوفاينيو عالم اقتصادي صحي في منظمة الصحة العالمية: «على البلدان ذات الدخل المرتفع وتشيُّخ السكان أن تسعى إلى النجاعة في أنظمتها الصحية، ولكن السعي وراء النجاعة يجب أن لا يؤدي إلى تدهور الجودة أو العدل في الأنظمة الصحية. عادة ما تندم الحكومات التي تقلِّص خدمات الرعاية الصحية الأولية على اتخاذها لقراراتها هذه, حيث أنها قد تؤدي إلى زيادة التكلفة على المدى البعيد.»

على الرغم من أن السيدة بوب كانت مزعوجة من انتظارها لمدة شهرين إلا أنها تقول أن مقدمي الرعاية الصحية الأولية، وخاصةً ممرضات رعاية علم الأورام المجتمعيات، «رائعات»، وكانت معالجتها مجانية بالكامل. إن تأمين الارتياح والإعانة للمرضى الآخرين صار قريباً الآن، يعد خفض أزمنة الانتظار المتعلقة بالسرطانات الحرجة، بشكل خاص أزمنة انتظار المعالجة الإشعاعية، أحد الأهداف الصحية للحكومة التي تحاول تحقيق ذلك بحلول نهاية عام 2011.

قد تتلقى بعض الخدمات الصحية، كتلك التي تقدم معالجات السرطانات، تمويلاً أكبر تبعاً لخطط الحكومة الهادفة إلى تحسين الجودة والفعالية، بينما تواجه الخدمات الصحية الأخرى خفضاً في التمويل. غير أن النقاد يقولون أن هذا يعني أن الخدمات المتاحة ستكون أقل بالنسبة لبعض الفئات السكانية وأن أجور الأطباء لا تزال باهظة بحيث تصبح محرمة على بعض الناس.

يقول دون ماثيسون، أستاذ السياسة الصحية في جامعة ماسي، ويلينغتون، ووكيل المدير العام السابق للصحة العمومية في وزارة الصحة: «إن النظام العمومي في نيوزيلاندا جيد جداً بشكل عام وهو يتعامل بشكل معقول مع العلل الأكثر خطورة.» وأن نظامه الصحي المتمركز حول المريض والرعاية جيدة التناسق تعتبرها بعض البلدان الأخرى مثالية. لكنه يقر أيضاً بأن العدل «مشكلة بارزة». ما دامت نسبة هامة من مواطني نيوزيلندا لا يستطيعون تحمّل تكلفة مراجعة طبيب، ينشأ عن ذلك «تأثير ثانوي على النظام كله: فلن يصلوا إلى نظام الرعاية وستكون حصائلهم أسوأ.»

وعلى الرغم من أن معظم الخدمات العمومية تقدم مجاناً للمرضى، بما في ذلك معظم المعالجات في المستشفيات العمومية والرعاية أثناء الحمل والولادة والرعاية السنية الأساسية لدى الأطفال، غير أنه من المتوقع أن يدفع معظم سكان نيوزيلاندا بين 17 و75 دولاراً نيوزياندياً لقاء كل زيارة يقوم بها المريض للممارس العام. زيارات معظم الأطفال دون الست السنوات مجانية وتقل تكلفة الزيارة عن 20 دولاراً نيوزيلندياً لذوي الدخل المنخفض جداً. وفق المسح الذي قام به صندوق الكومونولث في عام 2010 تبين أن نحو 32% من ذوي الدخل المنخفض في نيوزيلاندا لم يقوموا بزيارة الطبيب خلال عام 2009 بسبب ارتفاع الأجور.

تنظم معظم خدمات الرعاية الصحية الأولية في البلاد من قبل منظمات الصحة الأولية عن طريق تقديم الخدمات من خلال تجمعات الأطباء والممرضات والمستنصحين ومهنيي الصحة الآخرين تعمل على تأمين طيف واسع من خدمات الخط الأول العلاجية والوقائية بحيث تقوم على خدمة أكثر من أربعة ملايين شخص، نحو 95% من السكان. تخطِّط الحكومة لخفض عدد منظمات الصحة الأولية إلى النصف من خلال دمجها أو إغلاقها. وقد تم إلى الآن خفض العدد الأصلي لمنظمات الصحة الأولية الذي بلغ 81 التي تم تأسيسها منذ عام 2002 إلى 70.

بإذن دون ماثيسون
دون ماثيسون، أستاذ سياسة الصحة في جامعة ماسي، ويلينغتون.

إن نموذج إيتاء الخدمات الصحية في البلاد في تقلب وتغير متواصلين ولكنه يتألف حالياً من 20 مجلساً صحياً للمناطق موزعة عبر كامل البلاد، تمولها الوزارة. تقوم المجالس الصحية للمناطق بالتخطيط والتمويل وإيتاء معظم الخدمات الصحية الممولة عمومياً بما فيها خدمات المستشفيات. تعرضت المجالس الصحية للمناطق لعجز قارب 100 مليون دولار نيوزيلندي.

تواجه كل من منظمات الصحة الأولية ومجالس الصحة للمناطق تقلصات في ميزانياتها. يصعب قياس أثر هذا التقلص والتقليصات التالية على صحة النيوزيلانديين على المدى القريب. تبدو صحة النيوزيلانديين بحال جيدة في الوقت الراهن تبعاً لرأي ديبورا روش المدير العام الوكيل لوزارة الصحة والقيمة على برنامج استراتيجية وأداء النظام. تشير روش إلى أرقام عامي 2008 و 2009 التي تبدي ارتفاعاً واضحاً في مأمول الحياة وبقيا الرضع منذ عام 2000. كما شهدت الأعوام الثلاثة الماضية ارتفاعاً ثابتاً في التمنيع وانخفاضاً في التدخين.

وعلى الرغم من هذه التحسينات، يتمتع المايوريون الذين يؤلفون نحو 14.5% من سكان نيوزيلاندا البالغ عددهم 4.3 مليون نسمة وسكان المحيط الهادئ (6.9%) بحصائل صحية ضعيفة بشكل لا يتناسب مع بقية السكان. تتضمن هذه المحصلات معدلات عالية للأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب وأمراض الأطفال مثل حمى الروماتزم التي ترتبط بالظروف المعيشية السيئة مثل البيوت الرطبة المزدحمة والتغذية السيئة.

تقول روش: «لا يتعلق الأمر بعدد منظمات الصحة الأولية، إنما بقدرة هذه المنظمات وملاءمتها للهدف المراد وقادرة على معالجة هذه المسائل لدى السكان على المستوى المحلي.» كما تشير إلى أن نحو ثلث النيوزيلانديين مسجلين في أربع منظمات صحة أولية فقط، بينما يتوزع 12% من السكان بشكل خفيف عبر 41 من المنظمات الأصغر، التي تحاول جاهدةً تحقيق كفاءة الحجم وتكامل الخدمات في النظام.

يجادل الكثير من منظمات الصحة الأولية الأصغر التي تواجه الاندماج والإقفال أن خدماتها ذات فعالية عالية. تقول جستين ثورب، المدير المساعد في منظمة الصحة الأولية «الصحة الجيدة» في ويلينغتون عاصمة نييوزيلاندا «إن الدور الأساسي لمنظمات الصحة الأولية هو القدرة على التعرف على المجتمع وهذا الأمر متعذر عندما تكون المنظمة كبيرة جداً.»

تشارك جاكي كامينغ الأستاذ المساعد ومدير مركز بحوث الخدمات الصحية في جامعة فيكتوريا، ويلينغتون، السيدة ثورب في وجهة نظرها حيث تقول: «يمكن أن تكون منظمات الصحة الأولية الأصغر فعالة حقاً وتستطيع أن تقلل من التفاوت والتباين عن طريق التعاون الوثيق مع المجتمع ومهنيي الصحة لضمان أن هذه الخدمات تعمل فعلاً.» وتضيف إلى ذلك بأنه لا يوجد تحليل كاف لفعالية منظمات الصحة الأولية الفردية لمعرفة إن كان الاندماج بالأصل فكرة جيدة.

وزارة الصحة في نيوزيلاندا
ديبورا روش، المدير العام الوكيل، أداء وسياسية النظام، في وزارة الصحة في نيوزيلاندا.

كما تؤكد ثورب على أن الحجم ليس بالضرورة مؤشراً على الأثر، مشيرة إلى أن منظمات الصحة الأولية الأصغر، مثل فرعي «الصحة الجيدة» اللذين يخدمان المجتمعات ذات الدخل المنخفض في نيوتاون وبوريروا، يتعاملان مع عدد كبير من الزبائن الذين يعانون من أمراض مزمنة متعددة. تقول ثورب: «مؤسسة الصحة الجيدة قد تمتلك فقط ما يزيد عن 13000 زبون غير أنهم سكان ذوو احتياجات مرتفعة. نحن لدينا 20% من اللاجئين والمهاجرين و35% من سكان جزيرة المحيط الهادئ و19% من الماوري والباقي من الأوروبيين.» تحتاج نسبة عالية من هذه الجمهرة إلى خدمات تتعلق بالصحة النفسية وبالسكري.

تنظر ثورب بحذر إلى سياسة خفض العجز، حيث أنها ترى أن ذلك يؤدي ببساطة إلى رفع الحائل المالي للإتاحة. وتعقب ثورب قائلةً بأن ضغط الحكومة على مجالس صحة المناطق بغرض خفض العجز لديهم «يضع ضغطاً كبيراً مباشراً على عاتقنا. ولا نستطيع أن نضع ]هذه التكلفة[ على عاتق زبائننا. لا يستطيع الكثيرون دفع هذه الأجور، ومع ذلك هم أكثر من يحتاج لهذه الخدمات.»

تعاني جولز تانيوا من السكري ومرضٍ تنفسي، وهي مريضة تابعة لاتحاد نيوتاون للخدمات الصحية في مؤسسة «الصحة الجيدة» بالإضافة لكونها مؤيداً للعديد من مجموعات صحة المجتمع المحلية. وهي قلقة أيضاً بشأن خفض التمويل الذي قد يعني أن منظمات الصحة الأولية سوف تجبر على رفع أجورها. وتتابع قائلةً: «نحن الماوري نعيش في السنوات العشر الأخيرة لفترة أطول غير أنني قلقة الآن من أن الأوضاع قد تعود إلى الوراء.»

يقول ماثيسون أنه لا يمكن حل مشكلة العدل ببساطة عن طريق جعل النظام ذي فعالية تكلفة أعلى، ويتابع قائلاً: «يمكننا أن نجعل النظام أكثر فعالية عن طريق تأمين عمليات أكثر مقابل هذا الدولار بالذات أو استشارات طبية أكثر مقابل ذاك الدولار، ولكن السؤال هو من هم الذين سوف يحصلون على هذه الخدمات الإضافية وهل هم الناس الذين يحتاجون إليها بشكل أكبر؟»

شارك