مجلة منظمة الصحة العالمية

العمل مع قطاع المياه من أجل المكاسب الصحية العموميّة: الكائنات المُمْرضة والأمراض المنقولة بالماء في الدول المتقدمة

Jonathan W Bridge a, David M Oliver b, David Chadwick c, H Charles J Godfray d, A Louise Heathwaite e, David Kay f, Ravi Maheswaran g, Daniel F McGonigle h, Gordon Nichols i, Roger Pickup j, Jonathan Porter k, Jonathan Wastling l & Steven A Banwart a

a. Kroto Research Institute, The University of Sheffield, Broad Lane, Sheffield, S3 7HQ, England.
b. School of Biological & Environmental Sciences, University of Stirling, Stirling, Scotland.
c. North Wyke Research, Okehampton, Devon, England.
d. Department of Zoology, University of Oxford, Oxford, England.
e. Centre for Sustainable Water Management, Lancaster Environment Centre, Lancaster, England.
f. Institute of Geography and Earth Sciences, University of Wales, Aberystwyth, Wales.
g. School of Health and Related Research, The University of Sheffield, Sheffield, England.
h. Farming and Food Science, Department for Environment Food and Rural Affairs, London, England.
i. Environmental and Enteric Diseases Department, Health Protection Agency Centre for Infections, London, England.
j. Division of Biomedical and Life Sciences, School of Health and Medicine, Lancaster University, England.
k. Environment Agency, Starcross, Exeter, England.
l. School of Veterinary Science, University of Liverpool, England.

المراسلة مع جوناثان بريدج Jonathan W Bridge (البريد الإلكتروني: j.bridge@shef.ac.uk).

(تاريخ التقديم: 10 October 2009 – تاريخ الانتهاء من المراجعة: 23 April 2010 – تاريخ القبول: 10 May 2010.)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2010;88:873-875. doi: 10.2471/BLT.09.072512

المقدمة

نادت افتتاحية في نشرة منظمة الصحة العالمية في سنة 2008 بتقوية العمل المشترك بين القطاع الصحي وقطاع المياه، وكان تعليقها: «تقدّم وجهة النظر الصحية العموميّة في إدارة المياه فرصاً لتحسين صحة السكان وخفض التكاليف في آن واحد».1 عندما يُنظَر إلى الماء من منظور الصحة العموميّة، يُنظر إليه من حيث الشرب والاستحمام وتصريف النفايات، ولكن نشاطاتٍ أخرى، لا سيما إنتاج الأغذية وتربية السمك ومصلحة الإمداد بالمياه والاستجمام تشكل نقاطاً هامة لتماسّ البشر بالماء. قطاع المياه متنوع، إذ يشمل علوم البيئة والهندسة وصناعة الإمداد بالمياه والسلطات التشريعية وراسمي السياسات الحكومية. إذن، يعتمد المستوى الجديد من العمل المشترك من أجل اشتمال قطاع المياه ضمن أغراض الصحة العموميّة على تأسيس قاعدة للحوار والتعاون بين هذه الجهات المعنية، والتي لكل واحدة منها مقاربات مفاهيمية واهتمامات تطبيقية مختلفة. نقدِّم هنا، من باب الدعم لهذا الهدف، وجهة نظر حول الكائنات المُمْرضة والأمراض المنقولة بالماء لمجموعة خبراء متعددة الاختصاصات من علوم البيئة والمكروبيولوجيا ومصلحة المياه والجماعات التشريعية والمعنية بحماية الصحة في المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية. يمكن الحصول على التفاصيل حول المشاركين في المجموعة وتمويلها ونشاطاتها من المؤلف المسؤول عن المراسلة.

المشكلة

أدى تحسين البنية التحتية والتشريعات حول جودة المياه في البلدان مرتفعة الدخل إلى التخلص من عبء الكائنات المُمْرضة في إمدادات المياه العامة إلى حد بعيد. ولكن لا تزال هذه البلدان تعاني من فاشياتِ أمراضٍ منقولة بالماء، والتي تتكرر رغم الاستثمار المستمر في التدخلات المادية والتشريعية، مما يمثل اختطاراتٍ متبقية هامة على صحة البشر. وعدا عن الفاشيات المؤكدة، يتضح الآن أن هناك عبئاً مستديماً للمرض المرتبط بالكائنات المُمْرضة المنقولة بالماء (ولكن ليس بموارد مائية مثبتة). فمثلاً، توحي التقديرات الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية أن الكائنات المُمْرضة المنقولة بالماء تسبب ما بين 12 مليوناً و19.5 مليون حالة مرض سنوياً.2 وفي المملكة المتحدة تُقدَّر المراضة غير المبلّغ عنها الناجمة عن مجموعة وحيدة من الكائنات المُمْرضة، هي أنواع جنس خفيّة الأبواغ، بستّين ألف حالة سنوياً. مياه الصنابير هي أشيع عامل اختطار في الحالات المسجّلة لداء خفيات الأبواغ.

عدا عن وقوع الأمراض، فإن تهديد الأمراض المنقولة بالماء واتّقاؤها يرتبط بتكاليف اقتصادية ملموسة. تم مؤخراً تقدير التوفير الاقتصادي من خفض اختطار العدوى في مياه الاستحمام الساحلية الهولندية إلى النصف بـ256 مليون دولار أمريكي سنوياً. في سنة 1998 اكتُشفت خفية الأبواغ في عيّنات مياه الشرب في سيدني، أستراليا؛ ورغم غياب علاقة مثبتة بزيادة وقوع الأمراض، بلغت تكاليف التدابير الإسعافية نحو 45 مليون دولار أمريكي بالإضافة إلى 2.5 مليون دولار سنوياً لزيادة الرصد خلال السنوات الخمس التالية. يحصل أكثر من 150 مليون شخص في الدول مرتفعة الدخل، في المناطق الريفية منها بالدرجة الأولى، على إمدادات المياه من التمديدات المجتمعية الصغيرة أو الشخصية مما يضع هؤلاء الأشخاص تحت اختطار مرتفع للتعرض للكائنات المُمْرضة المنقولة بالماء لأن معايير الرصد والمعايير التشريعية لهذه الإمدادات أدنى مستوىً. قد تعاني هذه الجماعات أصلاً من الحرمان نتيجة الانعزال الجغرافي والاقتصادي (مثلاً، مجتمعات الأمم الأولى في أمريكا الشمالية). قدّر هنتر وشركاؤه Hunter et al. قيمة الوقاية من الأمراض الحادة المنقولة بالماء في هذه الجمهرة بأكثر من 4671 مليون دولار أمريكي.3

وجهة نظر العلوم البيئية

للأمراض المنقولة بالماء الناجمة عن الكائنات المُمْرضة الجرثومية علاقة وثيقة بالعمليات البيئية. يتحدّد التعرض جزئياً بتراكيز الكائنات المُمْرضة العيوشة المنقولة بالمياه السطحية والجوفية والساحلية. تتفاوت هذه التراكيز حسب الطقس والموسم والمناخ ووجود نواقل وكمية الكائنات المُمْرضة الداخلة إلى المياه من مصادر حيوانية وبشرية والمجالات البيئية الأخرى (كالهواء والتربة)، بالإضافة إلى ديناميكا بُقيا الكائن المُمْرض وانتقاله ضمن دورة المياه في الطبيعة.4

يشكّل رصد هذه المنظومة البيئية المعقدة تحدياً من الناحيتين التكنولوجية والعملية. ينبثق في الوقت الحاضر ميدان بحثي جديد هو ديناميكا ميكروبات المستجمع بالارتكاز إلى التطورات في الاستشعار عن بعد والرصد في الموضع والمكروبيولوجيا الجزيئية. يتزامن هذا مع مقاربات سياسية معاصرة في إدارة الإمداد بالمياه، ومثال عليها تفويض «من المستجمع إلى المستهلك» في خطط سلامة المياه. تحتاج الوكالات إلى فهمٍ تفصيلي لسلوك الكائنات المُمْرضة في البيئة ليستطيعوا تطبيق تخمينات الاختطار التي تشكل عنصراً أساسياً في هذه المقاربات. نستعرف هنا مجموعة من الثغرات البحثية الحرجة التي تشكل عقبات أساسية في وجه هذا الفهم.

للفهم المبدئي لبُقيا الذراري المُمْرضة النوعية وانتقالها في التربة والبيئات المائية أهمية أساسية. إن قلة المعلومات في هذا المجال يعني أن السياسات الإدارية النوعية الخاصة بالمتثابتات المكروبيولوجية لا ترتكز إلى أساس صامد من البيّنات. ولهذا يتم تجميع الكائنات المُمْرضة في أحيان كثيرة والتعامل معها على أنها حالة خاصة ضمن السياسات البيئية المصممة من أجل ملوِّثات أخرى. لا يزال هناك تحديات تكنولوجية ومنهجياتية أساسية في التتبع المضبوط لحركة المكروبات عبر البيئة وإلى الجمهرات البشرية. يعرقل غياب المعطيات الأساسية تطوير نماذج الاختطار المكروبي من أجل سيناريوهات تدبير أكثر تعقيداً مثل التنبؤ بآثار استغلال الأرض أو التغيرات الديموغرافية أو المناخية على أنماط الكائنات المُمْرضة وأعبائها واختطار التعرض لها. كما أن قلة تحليلات منفعة التكلفة لتلطيف الكائنات المُمْرضة تعني قلة البيّنات لدعم التوسع في اتخاذ مقاربات جديدة لاتقاء الأمراض أو للسماح لصانعي القرار بدراسة حلول أكثر مرونةً تعتمد على التنبؤ مقارنةً بأساليب التلطيف المعتمدة على التدابير الاحتياطية.

الآثار على الوبائيات

تترك النقائص في أسس علوم البيئة أثراً وخيماً على التقدم في وبائيات الأمراض المنقولة بالماء. رغم أن الكائنات المُمْرضة الكبرى من البكتيريا والأوالي معروفة جيداً، لا يزال الكثير من الفيروسات المنقولة بالماء غير موصوف في السياقات البيئية، كما لا يزال الترصُّد الواسع والصامد للكثير من الكائنات المُمْرضة المنقولة بالماء يشكل تحدياً أساسياً، حتى في الدول المتقدمة. ما يساهم في إضعاف الترصد هو الطيف الواسع لأعراض الأمراض ووخامتِها، ونقص الإبلاغ عن المرض (في أحيان كثيرة نتيجة ما سبق)، وتعدد سبل التعرُّض والكائنات المسببة. والنقطة الحاسمة هي أنه من النادر ما يمكن تأكيد المصدر البيئي للمستفردات المُمْرضة. وبينما يمكن بناء منحنيات الاستجابة للجرعة من أجل مكروبات معيّنة في دراسات مضبوطة، إلا أن العلاقة بين مستوى التعرض لكائن مُمْرض محدَّد ووقوع المرض في الجمهرة الأوسع تسترها المجاهيل المتعددة في كلا طرفي المعادلة. تلزم دراسات وبائيات جزيئية مقترنة اقتراناً وثيقاً مع الرصد البيئي من أجل الكشف المنهجي للارتباط بين ذراري الكائنات المُمْرضة ومصادرها البيئية والسبل إلى التعرض والمرض.

الدور الحاسم للصحة العموميّة

ترتكز المقاربة المترسخة لمكافحة الأمراض المنقولة بالماء على تعريف المستويات الآمنة للملوثات في الماء. تلعب الصحة العموميّة دوراً حاسماً في تحديد الأهداف من أجل جودة المياه. تترجَم هذه الأهداف من خلال التشريعات إلى المقاييس التي تتم وفقها صيانة الإمداد بالمياه وتنظيمه. يُفرض الامتثال بواسطة الرصد المنتظم وفرض العقوبات على الموارد التي لا تحقق المقاييس. ثبتت الفعالية العالية لهذه المقاربة في خفض الأمراض المنقولة بالماء على المستوى العالمي. ولكن للتركيز على المقاييس بدل الحصائل الصحية بعض العواقب السلبية. تحدد بروتوكولات الرصد الكائنات البرازية المؤشرة، نموذجياً القولونيات، التي يسهل كشفها في عينات المياه بتكلفة يسيرة. وبالتالي لا يوجد عند مصلحة المياه والهيئات التشريعية دافع للقيام بدراسات بيئية تفصيلية للكائنات التي من المحتمل أن تصادَف في ترصد الأمراض (كالفيروسات والإشريكية القولونية المسببة للنزف المعوي verotoxic E. coli أو العطيفات Campylobacter). وبالمثل، يصعب تبرير البحوث لتحسين جودة المياه في الموارد التي لا تخضع للتشريع أو الرصد الكامل (مثل موارد المياه الشخصية) أو لاستعراف الموارد غير الخاضعة للتشريع بالدرجة الأولى.

يبيّن ظهور التشريع الخاص بخفيات الأبواغ في مياه الشرب في المملكة المتحدة بعد سنة 2000 أن تأسيس ارتباطات واضحة بين كائن مُمْرض معيّن منقول بالماء والمرض الناجم عنه في الجمهرة البشرية يحفّز العمل من جهة راسمي السياسات والصناعة ضمن قطاع المياه. بيّن الترصد طويل الأمد حدوث انخفاضات قابلة للقياس في داء خفيات الأبواغ بعد التدخلات على موارد المياه.5 مثل هذا التعاون بين العلوم البيئية والوبائية المتوجه مباشرةً نحو أغراض صحية عموميّة والعمل المشترك مع مصلحة المياه هو نموذج للبحوث حول طيف واسع من الكائنات المُمْرضة.

علوم المياه من أجل الصحة العموميّة

لا يزال هناك دورٌ أساسيٌّ للتشريع الذي يستخدم مقاييس صحية المرتكز لجودة مياه الشرب، ولكن من الواضح أنّ هذه المقاربة، مع أنها مطبَّقة بنجاح في البلدان المتقدمة، لا تعالج بشكل كامل عبء المرض والتكاليف الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة به. ومن أجل التطرق لهذه المشكلة يلزم جدول أعمال بحثي يتجاوز متطلبات الامتثال لمقاييس جودة المياه. يجب أن يكون هناك تعاون بين راسمي السياسات في القطاع الصحي وقطاع المياه ومصلحة المياه والوكالات البحثية من أجل تأسيس برامج بحوث تطبِّق طرائق علوم البيئة للإجابة عن أسئلة وبائياتية محددة. يتطلب إنشاء مثل هذه المشاريع التعاونية والمحافظة عليها تبريراً لإنفاق الموارد من كلا الجانبين. 6 قد تلزم استثمارات استراتيجية لتحفيز تحصيل التمويل التوافقي. تستعرض بعض المبادرات مثل البرنامج المشترك للبيئة وصحة البشر في المملكة المتحدة (الموجود على الرابط: http://www.nerc.ac.uk/research/programmes/humanhealth/) المكاسب المحتملة ضمن طيفٍ من قضايا صحة البيئة التي تنتج عن تجميع التمويل من القطاعين الصحي والبيئي.

من الأغراض الحاسمة تطوير ترصد واسع وصامد للأمراض المنقولة بالماء في الدول المتقدمة (وخارجها أيضاً)؛ والخطوة الأساسية من أجل ذلك تأسيس قاعدة معارف معوّلة عالية الجودة للكائنات المُمْرضة المنقولة بالماء: أولاً، من أجل تيسير استعراف السببيات البيئية للكائنات المستفردة من حالات الأمراض، ثم لدعم تطوير استجابات التلطيف الموجَّهة نحو مخاطر التعرض النوعية. قد يُعتبر ترصُّد الأمراض الصامد غرضاً أساسياً في الوبائيات، إلا أنه يمثِّل تحوُّلاً هاماً في التوجه بالنسبة لقطاع المياه. يمكن أن يلعب القطاع الصحي دوراً حيوياً، وذلك بأن يولي أهميةً صريحة للأبحاث البيئية حول المياه التي لا تقتصر على دراسة الامتثال بمقاييس جودة المياه. تسلط هذه الخلاصة الضوء على الاحتياجات البحثية البيئية الحرجة لتطوير وتقوية الحوار بين القطاع الصحي وقطاع المياه لتحقيق مرمى مشترك هو التدبير المتكامل للأمراض المنقولة بالماء من خلال الفهم المعمَّق لمصادرها البيئية وديناميكياتها.


شكر وتقدير

نشكر المشاركين في الحلقة العملية حول ما يدور تحت الأرض «Going Undergrownd» والباحثين الاخرين في برنامج البيئة وصحة البشر وأعضاء شبكة المياه الكندية.

التمويل:

تم تمويل العمل المبلغ عنه هنا من قبل البرنامج المشترك للبيئة وصحة البشر في المملكة المتحدة ومن قبل مجلس بحوث البيئة الطبيعية ووزارة شؤون البيئة والغذاء والريف ووكالة البيئة ووزارة الدفاع ومجلس البحوث الطبية بموجب منحة مجلس بحوث البيئة الطبيعية NE/E008992/1.

تضارب المصالح:

لم يصرَّح بأيٍّ منها.

المراجع

شارك