مجلة منظمة الصحة العالمية

دراسة العمل الطوعي في الرعاية الصحية في عالمنا غير المستقر غذائياً ومالياً

Kenneth Maes a

a. Population Studies & Training Center, Brown University, 68 Waterman Street (Box 1836), Providence, RI, 02912, United States of America.

(استلام البحث: 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2009 - استلام النسخة المدققة: 5 شباط/فبراير 2010 - تاريخ القبول: 15 شباط/فبراير 2010)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2010;88:867-869. doi: 10.2471/BLT.09.074120

المقدمة

تُعالَج مشكلة العوز الشديد في القوى العاملة الصحية العالمية في أماكن كثيرة باستخدام متطوعين مجتمعيين. أصبح موضوع الاعتماد على المتطوعين ومدى عدالته وملاءمته في الأوضاع منخفضة الدخل، لا سيما في أفريقيا جنوبي الصحراء، مصدر قلق ونقاش بالنسبة لمجموعة متنامية من الباحثين وممارسي صحة المجتمع، ولا سيما في أعقاب الأزمة الغذائية والمالية في سنة 2008.

توصي منظمة الصحة العالمية بأن «الخدمات الصحية الأساسية لا يمكن تقديمها بواسطة أناسٍ يعملون طوعياً إذا أردنا لها الاستمرارية. بينما يستطيع المتطوعون تقديم مساهماتٍ قيّمة على الأمد القريب أو عندما يعملون بدوامٍ جزئي، يجب أن يتلقى العاملون الصحيون المدرَّبون رواتب كافية و/أو حوافز مناسبة وملائمة أخرى».(1) أي أنّ العمل الطوعي ليس ممارسة مضمونة الاستمرارية في الأماكن المنخفضة الدخل، تحديداً لأن غياب الأجر المنتظم القابل للتنبؤ يؤدي إلى ارتفاع معدلات دوران الأيدي العاملة بين القوى العاملة الطوعية، وبالتالي إلى هدر موارد لا يستهان بها على التوظيف والتدريب. ولكن، هل سيحاول المشاركون في علاج العدوى بفيروس العوز المناعي البشري والأيدز ورعايتهما الالتزام بتوصية منظمة الصحة العالمية؟

كي تصبح التوصية فعالة، على راسمي السياسات والممارسين أن يفعلوا (على الأقل) ثلاثة أشياء: أولاً، أن يتحققوا من الأسطورة حول روح التطوع المتواضعة المتفانية؛ ثانياً، أن يحددوا كيف يمكن - إن كان ذلك ممكناً أصلاً - جعل المتطوعين مسؤولين عن جودة العمل الذي يستطيعون القيام به؛ وثالثاً، التوصل إلى توافق حول معنى الاستمرارية.

أسطورة المتطوع المتفاني

ترتكز مشاريع رعاية الأيدز التطوعية في الأماكن المنخفضة الدخل على الافتراض بأن المجتمعات المحلية لديها مخزون غير مستغَلّ من الطاقات المعنوية والاجتماعية مما ينجم عنه فيض من الأفراد المستعدين للتبرع بعملهم من أجل تحسين صحة مجتمعاتهم. إذا تسلّح المرء بهذا الافتراض المريح لن يحتاج إلى الإجابة عن السؤال لماذا لا داعي لدفع أجور العمل: ببساطة، لأن الناس المحليين يحبون أن يقوموا بهذا العمل مجاناً. تظهر هذه الأسطورة بوضوح في خطابات المنظمات الدولية غير الحكومية الكبرى: مثلاً، تفاخرت «الدولية للصحة العائلية» في تقريرها عن سنة 2007 حول أثيوبيا أنها درّبت أكثر من 11000 متطوعاً من أجل الرعاية المنزلية ودعم العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية كتبت فيه: «كان مدى الاهتمام والالتزام من جهة المتطوعين في البرنامج عظيماً... بيّن البرنامج روح التطوع غير المستغَلّة في المجتمعات الأثيوبية رغم انتشار الفقر المدقع».(2)

كيف علينا أن نفسر هذه «الروح» التي تتوق المنظمات الدولية ومجتمعا الصحة العمومية والجهات المانحة إلى استغلالها؟ هناك ثمة قضية في أساس هذا السؤال، وهي ما إذا كان المصطلح «روح التطوع» واجهةً لاستغلال العمل. ويعتمد اختيار الموقف تجاه هذه القضية على وجهة نظر الشخص الذي ينظر فيها.

من جهة، فإن الناس غير المختصين الذين أصيبوا بعدوى فيروس العوز المناعي البشري أو الأيدز لديهم قدرة فريدة على تقديم الرعاية للمصابين بالأمراض المزمنة بصورة تتوافق مع الثقافة المحلية، وهم يعاملون المرضى بشفقة ورحمة.(3-4) كما أن الكثير من المتطوعين المشاركين في النضال من أجل الشروع بالعلاجات المضادة للفيروسات القهقرية يقولون أنهم يحصلون على رضا معنوي وعلاقات لها معنى عندما يقومون بإعانة الآخرين.(5) إذن، من هذا المنظور، فإن برامج صحة المجتمع لديها قدرة على توليد «رأس المال» النفسي الاجتماعي والصحي من دوافع المتطوعين المتوجهة للمجتمع. هذا بعيد كل البعد عن استغلال العمل.

من جهة أخرى، يوحي اكتشاف تحصيل مثل هذه المنافع النفسية الاجتماعية أن «الروح» المتوجهة لخدمة المجتمع عند المتطوعين، وليس جهدهم البدني فحسب، تغتصبها البرامج التي يخدمونها.

من هذا المنظور، يحاول القائمون على تنظيم القوى العاملة الطوعية إنشاء التضامن الدوركايمي أو «الطاقات العاطفية المشتركة»(6-7) بين المتطوعين والمجتمعات التي يخدمونها والمحافظة على هذا التضامن. يجرى التعزيز الطقسي للقيم الدينية والمتوجهة للمجتمع أثناء برامج التدريب وشعائر «الاستحسان» والتعاملات اليومية بين المشرفين والمرضى والمتطوعين، ومن المكوِّنات الشائعة كذلك القمصان المتماثلة والأناشيد الجماعية والتوقعات المشتركة للجزاء الروحي. إن رأس المال النفسي الاجتماعي الذي تسعى هذه النشاطات إلى توليدها لها بالتأكيد قيمةٌ للمحافظة على دوافع المتطوعين والبرامج التي تعتمد عليهم.

وكذلك يعلم المشرفون على القوى العاملة أن الدوافع المتوجهة للمجتمع ودوافع المصالح الشخصية موجودة في آن واحد بين المتطوعين (ويصعب الفصل بينها أحياناً). قامت حفنة من الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع مؤخراً بجمع المعلومات حول حياة المتطوعين المجتمعيين الذين يعتمد على جهودهم الكثير من برامج مكافحة الأيدز في أفريقيا جنوبي الصحراء.8 قطع عمل هؤلاء الباحثين شوطاً نحو تبديد الأسطورة حول روح التطوع، وذلك بمحادثة هؤلاء المتطوعين وتسجيل استيائهم: البطالة (أو عدم امتلاك أي أرض في المناطق الريفية) وغياب الأجر والوضع الاجتماعي المنخفض وعدم القدرة على تحقيق احتياجات الأسرة،(9) وفي حال الرعاية منزلية المرتكز عدم القدرة على مساعدة المرضى الذين يتلقون الأدوية لكنهم غير قادرين على توفير الغذاء الكافي.(10)

وحتى عندما توجد أجور عينية من حين إلى آخر، والتدريب والأجور اليومية، لا يوجد عند المتطوعين ثقة بأنهم سيحصلون على أجر كتلك الموجودة عند من يحصل على رواتب منتظمة. يقع اللايقين في صميم انعدام الاستقرار الاقتصادي الذي يفصح عنه الكثير من المتطوعين.

تحقيق مسؤولية المتطوعين

تعزى المعدلات العالية من الالتزام بالعلاج المضاد للفيروسات القهقرية في أفريقيا جنوبي الصحراء، جزئياً على الأقل، إلى مساهمات المتطوعين بصفتهم داعمي العلاج ومقدمي المشورة ووسطاء لوصول المرضى إلى الموارد.(11-12) إلا أن جودة خدماتهم غير مضمونة. من أهم أسباب تدنّي جودة الخدمات الصحية نقص تدريب ومراقبة العاملين الصحيين المأجورين. إذا فشلت النظم الصحية في تدريب العاملين الصحيين المأجورين والإشراف عليهم بصورة فعالة، فكيف لنا أن نتوقع أن هذه النظم عينها تستطيع أن تراقب المتطوعين وتجعلهم مسؤولين عن التزامهم بالدلائل الإرشادية للجودة؟ تتطلب هذه الأسئلة أن نعالج المفهوم المشكل للاستدامة في تقوية القوى العاملة الصحية العالمية.

معنى الاستمرارية

لا يتفق راسمو السياسات والممارسون في الصحة العالمية، للأسف، حول معنى الاستمرارية، فواضعو نظرياتها يقيّمون الاستمرارية من حيث «النتيجة الثلاثية»، بالسؤال عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للبرنامج.(13) يشكل رفاه القوى العاملة ورضاها بموجب هذا التعريف قضيتين أساسيتين لاستمرارية البرامج الصحية الوطنية والمجتمعية. ولكن وفق التعريف «التقليدي» الأضيق للصحة العالمية يُعتبر مشروع صحي أو تنموي مستمراً إذا كانت المنظمات المحلية قادرةً على «استلامه» بعد أن تسحب الجهات المانحة، التي موّلت إقلاع المشروع، مواردها.(14) يرى الناقدون أن هذا التعريف يرتبط بمجموعة من الممارسات الصحية أو التنموية، كالاعتماد على العمل غير المأجور، التي تخلق برامج غير مضمونة الاستمرارية، كما تؤدي إلى عواقب اجتماعية غير مقصودة وسلبية غالباً في المجتمعات الأفريقية.(9-15)

هناك تعريف آخر لكلمة «استمرارية» تشير إلى تدخل صحي مدعوم بالتزام بالتمويل المضمون الاستمرارية من طرف جهات مانحة عالمية كالصندوق العالمي لمكافحة الأيدز والسل والملاريا.(14) تدعو هذه النقلة المفاهيمية إلى التحول في الممارسات - من الرفض إلى الالتزام - فيما يخص توظيف العاملين الصحيين في البلدان منخفضة الدخل ودفع أجورهم. وقد يكون هذا التعريف للاستمرارية أكثر اتّساقاً مع نظام صحي عالمي يسمح لشعوب أفريقيا بممارسة حقهم بالتعويض العادل المنتظم على عملهم الهام.

أصبح الصندوق العالمي أكثر اعتياداً على منافع تقوية القوى العاملة منذ إنشائه. ولكن توجد حزازات بين أي أمر محتمل من جهة الصندوق العالمي بتنفيذ تمويل «مضمون الاستمرارية » للقوى العاملة وبين ممارسة صندوق النقد الدولي في فرض سقف على النفقات الحكومية على القوى العاملة الصحية.(16) يرى Ooms et al (14) أن نتيجة عدم مرونة السقف المفروض من قبل صندوق النقد الدولي لا ترغب الجهات المانحة الثنائية بدعم زيادة رواتب العاملين الصحيين؛ يود الصندوق العالمي ذلك لكنه لا يستطيع الخروج من هذه «الحلقة المعيبة». يؤكد Ooms et al. أن الصندوق العالمي لديه «مصادقة صريحة من المجتمع الدولي» على أسلوب الاستمرارية بأسلوب يرفض الفكرة أن المبادرات الصحية يمكن أن تستلمها الحكومات والمنظمات المحلية ببساطة بعد حقنة سريعة من المال.

يتحدى عدم الاستقرار الاقتصادي الذي يجعل المتطوعين يشككون بقدرتهم ورغبتهم في الاستمرار في الخدمة فكرة أن التطوع يمكن أن يخفف هذا التوتر. كرست المنظمة غير الحكومية الدولية «الشركاء في الصحة» ندوتها السنوية في 2009 لموضوع «المرافقة»، وهي نموذج صحي مجتمعي يطابق مفهوم النتيجة الثلاثية للاستمرارية من خلال الالتزام بتدريب المرافقين الصحيين وإعطائهم أجراً متواضعاً. أنتجت خدمة البث العمومي في الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً فيلماً وثائقياً ثاقباً يركز على تعاون «الشركاء في الصحة» مع حكومة رواندا وصندوق كلينتون على الشروع بهذا البرنامج مما نتج عنه فائدة واضحة لصحة المجتمع والاقتصاد.(17) تبشر هذه الممارسات بنقلة حديثة النشوء إلى التعريف الأوسع للاستمرارية في الصحة العالمية.

عدم الأمان الغذائي

يحظى عدم الأمان في إتاحة الغذاء باعتراف متزايد بصفته من العوامل المساهمة الكبرى في دورات الفقر والأيدز في أفريقيا جنوبي الصحراء.(18) وجدت دراسة أجريت في أديس أبابا، أثيوبيا، مؤخراً أن المتطوعين في رعاية المصابين بعدوى فيروس العوز المناعي البشري والأيدز كان دخل الأسرة لديهم أدنى بكثير من خطوط الفقر وأنهم كانوا يعانون من عدم الأمان الغذائي حتى قبل أن تبلغ الأزمة الغذائية في سنة 2008 ذروتها.(19) وفي هذا السياق يرغب المتطوعون بما يسمى «التقدم» الاقتصادي ضمن خليط من الدوافع المتوجهة للمجتمع والمصالح الشخصية ليتطوعوا بتقديم رعاية الأيدز. كان عدم الأمان الغذائي مثبطاً للهمة بالنسبة لهؤلاء المتطوعين أكثر من غيرهم، فقد دفعتهم الأزمة الغذائية التي فاقمت عدم الاستقرار الغذائي المزمن إلى إعادة حساب ما كانوا يعتبرونه تعويضاً مناسباً مقابل جهودهم.(10) المضحك المبكي في هذا الموضوع أن المتطوعين قد يكونون في أحيان كثيرة أفقر ممن يقومون على رعايتهم.

الوضع المثالي أن يحصل العاملون الصحيون المجتمعيون الفعالون والمثابرون من جراء جهودهم على الرضا المعنوي مع التعويض العادل. والسؤال لراسمي السياسات هو: كيف يمكن الحصول على المنافع الروحية من الرعاية المتفانية الرحيمة بالإضافة إلى توليد مستوىً للتعويضات التي تسمح للمتطوعين بالمعيشة المستقرة، علماً أنهم في أحيان كثيرة مهمَّشون اجتماعياً واقتصادياً.

الخاتمة

تتحدى توصيات منظمة الصحة العالمية الأخيرة شتى الكيانات العامة والخاصة أن تتبنى نظاماً يُستخدَم فيه التمويل والتدابير الأخرى لخلق وظائف مستقرة ومأجورة بشكل عادل في الرعاية الصحية في البلدان المنخفضة الدخل التي تواجه باستمرار عدم الأمان الغذائي وأعباء عالية من الأمراض المزمنة والمعدية. يمكن أن يخلق توظيف العاملين الصحيين المجتمعيين في أفريقيا جنوبي الصحراء وتدريبهم ودفع الأجور لهم وضعاً يربح منه الطرفان: فالناس يصبح لديهم عمل مستقر يوفر الاستقرار الغذائي لعائلاتهم ومجتمعاتهم، ومشاركتهم تقوّي نظم الرعاية الصحية والناس المحتاجين إلى رعاية. باعتبار التنوع الملموس على المستوى العالمي في البرامج والسياقات والمتطوعين (مثلاً المتطوعون المتقاعدون المبحبحون مقابل المتطوعين الفقراء العاطلين عن العمل)، من الصعب تعميم الاستنتاجات حول العمل الطوعي في الصحة العالمية. يجب استشارة الخبراء المطّلعين على برامج العمل الطوعي الناجحة وتلك الأقل نجاحاً حول العالم. ومن المهم أيضاً الاستماع إلى ما يقوله المتطوعون أنفسهم والناس الذين يخدمونهم حول منافع العمل الطوعي وتكاليفه.


تضارب المصالح:

لم يصرح بشىء.

المراجع

شارك