مجلة منظمة الصحة العالمية

الخلايا والأنسجة البشرية: الحاجة لإطارٍ أخلاقيٍّ عالميّ

Jean-Paul Pirnay a, Alain Vanderkelen b, Martin Zizi c, Daniel De Vos a, Thomas Rose a, Geert Laire d, Nadine Ectors e & Gilbert Verbeken a

a. Skin and Keratinocyte Bank, Burn Wound Centre, Queen Astrid Military Hospital, Bruynstraat 1, B-1120, Brussels, Belgium.
b. European Homograft Bank, Queen Astrid Military Hospital, Brussels, Belgium.
c. Faculty of Medicine and Pharmacy, Vrije Universiteit Brussel, Brussels, Belgium.
d. Medical Component, Ministry of Defence, Evere, Belgium.
e. Tissue Banks, Katholieke Universiteit Leuven, Leuven, Belgium.

المراسلة مع Jean-Paul Pirnay (البريد الإلكتروني: jean-paul.pirnay@mil.be).

تاريخ التقديم: 23 November 2009 – تاريخ تلقي المراجعة: 22 April 2010 – تاريخ القبول: 29 April 2010

نشرة منظمة الصحة العالمية 2010;88:870-872. doi: 10.2471/BLT.09.074542

هناك اختلافٌ بَيّنٌ بين التبرّع بالعضو وبالنسيج، رغم عدم إداراك العموم له جيداً عادةً؛ فالأعضاء الكاملة (كالكلية والكبد والقلب) يمكن أخذها فقط من المتبرعين ميتي الدماغ والمُنعَشين أو فوراً بعد التوقف القلبي التنفسي اللاعكوس، ويجب نقلها بسرعة من المتبرع إلى المتقبل ولا تخضع للمعالجة أو أنها تخضع للقليل منها. كما يكون استجلابها عموماً مضبوطاً من قبل الجرّاحين في مستشفيات الزرع، ويتم تنسيق تخصيصها بواسطة الأنظمة الوطنية أو الإقليمية. بالمقابل، فالخلايا والأنسجة البشرية (كالعظم والجلد وصمامات القلب) قد تأتي من المتبرعين الأحياء لكن أكثر ما يؤتى بها عادةً من المتبرعين المتوفين في المستشفيات أو المشارح أو حتى من البيوت الجنائزية. وغالباً ما يتم تحويل هذه الخلايا والأنسجة وتخزينها، لسنوات أحياناً، في "مؤسسات الأنسجة" التي يمكن توزيعها منها إلى كافة أنحاء العالم. ويقوم سماسرة الأنسجة ومعالجوها وموزعوها بإدارة دفة عملية تخصيص الخلايا والأنسجة والمنتجات الخلوية والنسيجية البشرية الناتجة.

تكثّف الاهتمام في السنوات العشر الماضية بمجال زرع الأنسجة ونما، ومن هذا النمو المفاجئ نشأت بعض القضايا الأخلاقية، بسبب القيمة السوقية الجذّابة للكسب من الأجزاء القابلة للتبديل كالعظم وصمامات القلب والجلد (دون الأعضاء الكاملة) من جسم واحد، والمقدرة بنحو 230000 دولار أمريكي.1 وفي عام 2000، اتهمت وسائل الإعلام بعض مؤسسات الأنسجة في الولايات المتحدة الأمريكية بتضليل جمهور جاهل بالتبرّع بالأنسجة لملء جيوبه، وجيوب المستثمرين، بالمال. وقد ذُكر حدوث الاستجلاب بدون موافقة والاختبار الناقص وملفات متبرعين خاطئة أو غير مضبوطة وتخصيصات غير مسؤولة وتهريبات غير شرعية للخلايا البشرية والأنسجة ومنتجاتها. وبالرغم من كون هذه الحوادث لا تمثّلُ كامل مجتمع بنوك الأنسجة، فقد جذبت اهتمام الرأي العام إلى بعض الممارسات الاحتيالية و/أو اللاأخلاقية، مما أدّى إلى إقامة جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي1 وتحقيقات ودعاوى واتهامات واستقالة المسؤولين عن الزرع. أما الجانب السلبي لهذه الفضائح فكان التأثير على قرار الناس بالتبرّع.

إنّ الإتجار بالأعضاء والخلايا والأنسجة البشرية، بيعاً أو شراءً، غير شرعيّ في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، إنما يُسمح لمؤسسات الأنسجة بتقاضي "أجور معقولة" لقاء المعالجة (من الاستجلاب حتى الزرع). ولسوء الحظ، لم يتحدّد المقصود من تعبير "الأجر المعقول"، ومن الواضح أنّ بعض مؤسسات وسماسرة الأنسجة الانتهازيين يستخدمون هذا المنفذ لتحقيق الأرباح الكبيرة.

يزداد تعقيد هذا المجال مع التقدّم التقني وتوسع الإتجار اللذين يمكن أن يؤدّيا إلى ممارسات "الاختيار الانتقائي" وقد يؤثّران على القرارات حول المعالجة. فمصالح الناس ليست بالضرورة تماماً مثل مصالح بنوك الأنسجة التي يمكن أن تختار إمّا زيادة السعر إلى أقصى حد أو إرسال النسيج إلى المعالجات التي تنتج طعوماً أقل ربحاً، إنما مهمة طبياً. كانت الغاية أصلاً من جلد المتبرع البشري ومشتقاته، على سبيل المثال، هي الاستخدام في المرضى المصابين بحروق شديدة والمرضى بجروح مزمنة أو في الجراحة الاستبنائية، لكن جرّاحي التجميل في عيادات التجميل وجدوا "استعمالاً غير رسمي" لهذه المنتجات في إجراءات فارغة كتكبير القضيب أو نفخ الشفاه. إنّ المصفوفة الجلدية المشتقّة من جلد المتبرع البشري تساوي أربع مرات أكثر عند تحويلها إلى منتجات تستخدم في العمليات الاستبنائية أو التجميلية مقارنة باستعمالها في جراحة إصابات الحروق (الجدول 1).

لم ترفع مؤسسات الأنسجة المتعلّقة بالشركات حاجز تقنيات معالجة الأنسجة فحسب، بل قدّمت أيضاً تقنيات العمل مثل التسويق وتسجيل الامتيازات والإعلان ضمن المجال. يؤثّر ممثلو المبيعات على عادات وصفات الأطباء من خلال منافع كالهدايا ووجبات الطعام المجّانية والسفرات "التعليمية" أو تعيينات رفيعة المستوى. ومنذ تقديم مثل ممارسات العمل هذه، بدأت مؤسسات الأنسجة بمعالجة الخلايا والأنسجة البشرية إلى منتجات كالمكعّبات أو البراغي أو المعجون أو الصمغ أو صحائف أو مسحوق أو معلقات، والتي يُعلَن عنها في نشرات براقة كما لو أنّها مجرد سلع. ونادراً ما يُشار إلى الدليل العلمي على تبرير استعمالها.

كشف فحص القضايا متعلقة بالموافقة في بنك الأنسجة من قبل مكتب مفتش عام وزارة الصحة والخدمات البشرية الأمريكية أنّ عائلات المتبرعين يتوقّعون أن تعالج تبرّعاتهم باحترام ويُقرّ مصدرها البشري، بالإضافة إلى تمثيلها لأفضل خيار لآخذيها.5 وتتحمل مؤسسات الأنسجة مسؤولية نحو المتبرعين وعائلات المتبرعين وبالتالي يجب أن تعالج الأنسجة المتبرّع بها بأسلوب متّسقٍ مع قصد المتبرع، وبمعنى آخر: تحويلها إلى منتجات تلبي الحاجات الطبية أو البحوث النقدية أو التعليم الطبي.5

ولسوء الحظ، فعائلات المتبرعين لا تُعطى في أغلب الأحيان معلومات كافية تتعلّق بالاستعمال النهائي للأنسجة والربح المحقق منها. ويجادل البعض بأنّه لو عرفت هذه العائلات بأنّ تبرّعهم سيتحوّل إلى مواد لحشو القضيب والشفاه، فهم سيعارضون التبرّع. لكن، إذا تلاقت المعلومات مع توقّعات عائلات المتبرعين، فلماذا يجب أن يقود الكشف التام (للجمهور) إلى نقص المتبرعين؟

إنّ الغاية من التبرّع المجّاني بالعضو والنسيج والخلية هي تفادي تضارب مصالح أقرب الأقارب، وخطر استغلال الأكثر بؤساً ممن قد يتبرّعون لأسباب مالية، ويجب أن ينقص خطر التحري الخاطئ أو غير المضبوط للمتبرعين المحتملين. وبالمقارنة مع التهريب المعروف جيداً للأعضاء الكاملة (كالكِلى مثلاً)، فأفقر البلدان هي الأكثر احتمالاً لبيع الخلايا والأنسجة البشرية للمستغلين الذين يوزّعونها في البلدان عالية الدخل أو في العيادات الخاصّة في البلدان الناشئة. وبينما لا تصدّر مؤسسات الأنسجة في الولايات المتحدة الأمريكية أنماط الأنسجة ذات التزود القصير (كالجلد للحروق)،6 تقوم بعض البلدان منخفضة الدّخل بتصدير الأنسجة دون تموين احتياجات بلادهم الخاصة أولاً. فهل يجب أن تصبح البلدان منخفضة الدّخل مصدر المواد الأولية البشرية للبلدان عالية الدخل؟

وحتى ضمن البلدان عالية الدخل، فالمنتجات الخلوية والنسيجية البشرية المتطوّرة ستولد حتماً أشكالاً من التفاوت والانتهاك. ورغم الآمال الكبيرة، فالهندسة النسيجية والعلاج بالخلايا الجذعية ما زالا في المهد مع حفنة فقط من التطبيقات السريرية الناجحة. هناك إعلانٌ عن العديد مما يُدعى "العلاجات المتقدمة" التي لم يسبق أن ثبتت مصدوقيتها من خلال تجارب طبيّة جدّية، وخصوصاً على الشابكة (الإنترنت)، يستهدف مرضى أغنياء باحثين عن أمل. والأفراد عديمو الضمير متلهّفون لاستغلال ضعف المرضى المستميتين والمضلّلين الراغبين بالدفع مقابل علاجات غير مثبتةٍ علمياً وخطرة فعلاً.

وبدأت البنوك التجارية لدمّ الحبل السري ذاتي المنشأ (المستخرج من جسم الشخص نفسه) تظهر في جميع أنحاء العالم، وهي تستغلّ ضعف الأباء الجدد لحثّهم على خزن دمّ الحبل السري (خلايا جذعية ذاتية المنشأ، أيْ، مماثلة جينياً) للاستعمال السريري المستقبلي "المحتمل" لطفلهم أو أشقائه أو أفراد عائلته، وهي خدمة يتقاضون عليها أجوراً كبيرةً جداً. إلا إنّ هناك غيابٌ لأية دلائل على أنّ هذه الخلايا الجذعية ذاتية المنشأ ستكون أكثر فعّالية من الخلايا الجذعية الخيفية allogenic (أيْ، المختلفة جينياً) المخزونة في بنوك دمّ الحبل السري العامّة والمتاحة لكلّ المرضى ذوي الحاجة. ومع ذلك، فمخزون وحدات دم الحبل السري ذاتية المنشأ في الولايات المتحدة الأمريكية يصل إلى ضعفين إلى ثلاثة من مخزون وحدات دم الحبل السري الخيفي، ومصارف دمّ الحبل السري في بعض البلدان (الناشئة) تقريباً كلها خاصة.7 فإذا دعم البحثُ العلمي المستقبلي خزن دمّ الحبل السري ذاتي المنشأ، أفلا يجب أن تُتاح هذه الخدمة لكلّ شخص من خلال المصارف العامة؟

لقد دفعت فضائح الأنسجة نحو تزايد الإشراف الحكومي،1 وفي عام 2004 أصدرت إدارة الأغذية والأدوية في الولايات المتحدة الأمريكية القواعد الناظمة للمنتجات الخلوية والنسيجية البشرية مع غرضٍ بسيط وواضح: ضمان أنّها لا تحتوي عوامل مرضية سارية وأنّ وظيفتها وسلامتها لن تتأثر كنتيجة للمعالجة غير الصحيحة. وفي العام ذاته، أصدرت المفوضية الأوربية توجيهات الاتحاد الأوربي للخلايا والأنسجة، والتي صمّمت لضمان المعايير العالية من الجودة والأمان، ولتسهيل الحركات عبر الحدود ولضمان توافرها في الاتحاد الأوربي. ولسوء الحظ، لم تُلزم معاهدة ماستريخت (وهي التي أدّت إلى خلق الاتحاد الأوربي) المفوضية الأوربية بالتصدي للقضايا الأخلاقية. وكلا التشريعين قدّما قائمة بالمتطلبات الخاصّة ببنوك الخلايا والأنسجة البشرية كنظم ومعايير إدارة الجودة مشابهةً لممارسات التصنيع الجيدة.

لا تستطيع بنوك الأنسجة "الإيثارية" الصغيرة مستشفوية المرتكز تلبية هذه المتطلبات الباهظة. وفي المستقبل، ربما يجب دمجها أو دفعها إلى الواجهات لمصلحة شركات مؤسسات الأنسجة الربحية. والجهود المفرطة لتوليد المنافع (لأصحاب الأسهم في النهاية) قد يلغي المصلحة العامّة. وإن لم يكن هذا الوضع مفهوماً ومُناقشاً بشكل ملائم، فقد يلغي قيماً أخلاقية ويؤدّي إلى منتجات خطرة سريرياً وزيادة في الأسعار (الجدول 1) وغياب العدالة في إتاحة الرعاية الصحية وتدهور الفعل الإيثاري للتبرّع، وفي النهاية إلى نقصان عدد المتبرعين. يقول البعض أن العموم يفهمون بأنّنا نعيش في مجتمع ربحي ونريد مجرد ضمان أنّ نظام الزرع عادل. لكن، ألن يكون أكثر قبولاً إذا استخدمت أرباح معقولة لتحسين الجودة والأمان والتوافر أو استثمرت في البحث والتطوير ذي المغزى؟

إنّ الترقيع الحالي للنواظم وغياب التوحيد العالمي للمعايير التقنية يخلق الفرص للاستغلال ويسمح بممارسات غير أخلاقية تحقق أقصى درجات الربحية.

وفي مجال زراعة العضو الكامل، تم التصدي للقضايا الأخلاقية ببعض النجاح خلال العقود القليلة الماضية. وحان الوقت الآن ليضع مجتمع بنوك الأنسجة أدوات أخلاقية بالتوازي مع التطورات السريعة في هذا المجال. إننا نشعر بأنه، وبالإضافة إلى مبادىء منظمة الصحة العالمية التوجيهية حول زرع الخلايا والأنسجة والأعضاء البشرية،8 هناك حاجة مستعجلة لإطار أخلاقي ملزم حول زراعة المنتجات الخلوية والنسيجية البشرية يمنع الربح المالي على الجسم البشري وأجزائه. يجب على هذا الإطار أن: (أ) يعرّف ويحدّد مفهوم "أجر المعالجة المعقول"؛ (ب) يضع قواعد تخصيص منظّمة وواضحة؛ (ت) يتطلّب الإعلان عن أصل المنتج (أيْ، التبرّع الإيثاري بالنسيج البشري)؛ (ث) يتطلّب موافقة مطّلعة للمتبرع تستعرف كلّ الاستعمالات المحتملة للخلايا والأنسجة البشرية المتبرّع بها (بما في ذلك الاستخدامات غير العلاجية والتجارية إذا كانت قابلة للتطبيق)؛ (ج) يضع قواعد تصدير عادلة وشفّافة مع التأكيد على الاكتفاء الذاتي؛ (ح) يعطي الأولوية لمبدأ تضامن مؤسسات الأنسجة العموميّة؛ (خ) يتطلّب برهاناً علمياً على كفاءة المنتجات النسيجية والخلوية؛ (د) يكون معززاً من خلال العقوبات المدنية.

قد تكون هذه أخيراً حصيلة دراسة المجلس المشترك بين أوروبا والأمم المتّحدة المنشورة مؤخراً حول تهريب الأعضاء والأنسجة والخلايا وتهريب البشر بغية نزع الأعضاء.9


شكر وتقدير

ينتسب مارتين زيزي - Martin Zizi أيضاً إلى قسم الصحة في مستشفى الملكة العسكري في بروكسل.

تضارب المصالح:

لم يُصرّح بأيٍّ منها.

المراجع

شارك