مجلة منظمة الصحة العالمية

رأب الفجوة في جنوب أفريقيا

يهدف مخطط التأمين الوطني الذي اقترحته حكومة جنوب أفريقيا إلى معالجة موضوع التمييز الصارخ في الرعاية الصَحيَة بين الأغنياء والفقراء. تقارير كلير كيتون.

عندما كانت الفتاة ثاندو (وهو ليس اسمها الحقيقي) بعمر أربعةِ أعوامٍ أتت للمعالجة في مشفى عمومي في جوهانسبرغ لأنها كانت عليلة جداً بمتلازمة العوز المناعي المكتسب (الأيدز). ويقول الأستاذ أشرف كوفاديا، طبيب الأطفال في مشفى رحيمة موسى للأطفال والأمهات: "لقد رأيتها لأول مرة عام 1998 وهي مُصابة بدرجة متقدّمة من المرض وكان تعداد الخلايا CD4 أقل من 50". وأضاف: "وفي عام 1999 تمكََّنا من الحصول على مضادات الفيروسات القهقرية من خلال مشروعٍ بحثي".

قبل عام 2003، لم تكن مضادات الفيروسات القهقرية متوافرة في النظام الصّحي العمومي في جنوب أفريقيا، البلد ذو التعداد الأعلى من الإصابات بفيروس العوز المناعي البشري والأيدز في العالم. وكنتيجة لذلك يمكن للمرضى الخصوصيين الحصول على الأدوية المُنقذة للحياة وشراء بُقياهم بالمال بينما يموت العديد من المرضى في القطّاع العام .

مرضى ينتظرون المعالجة خلال الإضراب مؤخراً في مشفى كريس هاني باراغواناث في جوهانسبرغ.
مريان شفانكارت
مرضى ينتظرون المعالجة خلال الإضراب مؤخراً في مشفى كريس هاني باراغواناث في جوهانسبرغ.

إنه هذا التمييز العمومي – الخصوصي الصارخ هو الذي تأمل حكومة جنوب أفريقيا معالجته بواسطة مخطّط التأمين الصّحي الوطني المُقترح عن طريق تقديم مدخل عام للرعاية الصّحيّة "المُرتكزة على الحاجة وليس على المقدرة على الدفع". كانت ثاندو محظوظة بحصولها على المعالجة في الوقت المناسب. وهذه المراهقة المحبوبة والتي ترعرعت في كنف عمّتها هي المريضة ذات فترة المداومة الأطول في عيادة المشفى للأطفال. يقول كوفاديا "قبل التعميم، كان لدينا بضعة أطفال يحصلون على المعالجة بمضادات الفيروسات القهقرية (أقل من 5%) أما الآن فأغلبيّة من يحتاجون لمثل هذه المعالجة يتلقونها ويبلون بلاءً حسناً".

لقد توسَّع المدخل لمعالجة فيروس العوز المناعي البشري والأيدز بشكل كبير جداً في العَقد السابق. ومنذ الانتخابات الديمقراطية عام 1994 تحسن المدخل للخدمات الصّحيّة على وجه العموم لمواطني جنوب أفريقيا الأفقر. ولكن مستوى الرعاية الصّحيّة في القطاع العام قد تدهور باطّراد.

تقول الأستاذة هيلين شنيدر، الباحثة الرئيسية في مركز جامعة كيب تاون للوبائيات والبحث العلمي في الأمراض المُعدية "لقد عانت جنوب أفريقيا من صعوبة بعد عام 1994 في التصدّي لوباء فيروس العوز المناعي البشري وهذا التصدّي كان صعباً جداً ويشبه بحق القبض على الكرة المنحنية (وهي لعبة تتطلب مهارة خاصة لمسك الكرة بشكل يشبه مسك كأس الشرب)". لقد استعرفت الأستاذة شنيدر فشل نظام المناطق الصّحيّة والإدارة الضعيفة للمشافي كبعض التحدّيات الرئيسية.

وقد أشارت تقارير الأبحاث الحالية أيضاً إلى نقص التمويل وسوء الإدارة ونقص العاملين الصّحيين وتدهور البُنية التحتيّة كعوامل مساهمة في تراجع جودة الخدمات الصّحيّة العموميّة.

وصرّح د. مامفيلا رامفيلي، مدير إداري سابق للبنك العالمي ونائب رئيس سابق لجامعة كيب تاون في تقرير يحثُّ القطّاعين العام والخاص للانضمام إلى الصفوف والمساعي الحثيثة لتقديم رعاية أفضل: "لقد أظهرت الخمس عشرة سنة الماضية كيف يمكن لبنية صّحيّة تحتيّة ذات أداء مقبول أن تتدهور بسرعة وكم سيكون من المُكلف إعادة بنائها من جديد".

وقد نُسِبَ لإضراب القطاع العام في جنوب أفريقيا، والذي حدث في آب/ أغسطس وتضمّن امتناع العمال الصّحيين المُضربين عن تقديم الرعاية، التسبّب في وفاة عشرات المرضى والمطالبة بنقل مرضى الرعاية المكثَّفة إلى المشافي الخصوصيّة وبمثل هذه المطالبة يكون هذا الإضراب قد ألقى ضوءاً على الهُوّة الكبيرة بين هذين النظامين الصّحيين النظيرين.

يهدف مخطّط التأمين الصّحي الوطني إلى خلق مالٍ مُجمّع من مدّخرات للرعاية المكثّفة.
مريان شفانكارت
يهدف مخطّط التأمين الصّحي الوطني إلى خلق مالٍ مُجمّع من مدّخرات للرعاية المكثّفة.

أخبر وزير الصّحّة د. آرون موتسولدي النشرة بأن نقطة البدء في التأمين الصّحي الوطني هي سد الثغرة متزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء. إذا كنت أنا مريضاً فسأحصل على الرعاية الأفضل أما إذا كان الشخص عاطلاً عن العمل فعليه أن ينسى ذلك تماماً". وقد وصف نظام الرعاية الصّحي الموجود بأنه "عالي النفقات ومُخرّب وغير ميسور التكلفة وغير مُحتَمل".

"نحن ننفق مالاً (8.6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2007) أكثر من العديد من البلدان ذات الدخل المتوسط ونتائجنا متدنّية". وهو يلقي اللوم في ذلك على الطريقة التي يتم من خلالها توزيع الأموال وزيادة النفقات.

لقد ذكرت وحدة الاقتصاد الصّحي في جامعة كيب تاون أنّ معدّل إنفاق التأمين الصّحي الخصوصي للشخص الواحد قد تضاعف تقريباً بين عامي 1996 و2003 بينما انخفض معدّل إنفاق القطاع الصّحي العمومي للشخص الواحد.

يجد د.مفاتا نورمان ماباسا، رئيس نقابة الأطباء في جنوب أفريقيا، أنّ هذا التباين في المدخل للرعاية وفي الرعاية المُقدّمة بين مرضى القطاع العام والخصوصي هو أمر ناشزٌ عما يجب أن يكون.

"لقد شاهدتُ العديد من المرضى في النظام الصّحي العام يموتون عندما لا تستطيع المشفى إبقائهم فيها لفترة أطول. فإذا كنت تمتلك المال فإنه بإمكانك أن تشتري وتنقذ حياةً. ففي القطّاع العام، على سبيل المثال، الديال الكلوي مُقنّن." ويضيف د. ماباسا أنَّه حتى ضمن القطّاع الخاص فإنّ المشتركين في المخطّطات منخفضة التكلفة يكونون في وضعٍ أسوء مع مجالٍ أضيق للخدمات المؤمّنة والحاجة لإنفاق قسم أكبر من مدخولاتهم الشخصيّة". وقد أشار ماباسا إلى التباين الملحوظ بين الرعاية في المناطق الريفيّة والحضريّة حيث يتحتَّم على الكثير من المرضى في المناطق الريفيّة السفر إلى المدن للحصول على الخدمات الصّحيّة.

ُشكِّل الإنفاق الحكومي على الرعاية الصّحيّة أقل من نصف الإنفاق الصّحي الكلّي رغم أن النظام العام يخدم أكثر من 80% من السكان الذين ليس لديهم تأمين صحّي خصوصي (أي نحو 40 مليون مواطن من مواطني جنوب أفريقيا). ويعمل نحو 70% من إجمالي الأطباء ومعظم الأخصائيين في القطّاع الخاص فقط ويخدم ما تبقى منهم (30%) القطّاع العام.

يستخدم 16% من السكان الأطباء والمشافي الخصوصيّة المُغطاة بالتأمين الصّحي الخاص بهم وذلك غالباً مع مساهمة شهريّة من أرباب العمل. إنّ أقساط التأمين الخاصّة بهم والدفعات المباشرة لمقدمي الرعاية الصّحيّة (والتي لا يتم التعويض عن نحو ثلثها) تكلّف ما مجموعه 11000 راند (عملة جنوب أفريقيا) تقريباً، أيْ ما يعادل 1571 دولاراً أمريكياً سنوياً.

غطي القطاع العام 68% من الناس الذين لا يستخدمون أي رعاية خصوصيّة على الإطلاق ويُنفق ما معدّله 1900 راند لكل شخص. ويعتمد 16% الأخرى من السكان على القطاع العام من أجل الرعاية المقدّمة في المشافي ولكنهم يستخدمون القطّاع الخاصللرعاية الأوليّة حيث يدفعون من مالهم الخاص ما مجموعه الكلّي التقريبي 2500 راند لكل شخص.

في أيلول/سبتمبر، أطلق المُلتقى الوطني الإفريقي الحاكم مقترحاته الحاليّة الخاصة بالتأمين الصّحي الوطني للمُشاورة الواسعة. وبحسب د. زولي مخايز، رئيس لجنة الصّحّة للمُلتقى الوطني الإفريقي، فإنّه من المُتوقّع للمخطط أن يكلّف 11 بليون راند إضافية على رأس الـ 117 بليون راند المُخصّصة في ميزانية الحكومة للصّحّة لعام 2012. ومن المُتوقّع أن يبدأ فرض الضريبة لتغطية مخطّط التأمين الطبّي الإلزامي المقترح عام 2012 مع خطة لتقسيمه إلى مراحل خلال الأربع عشرة سنة القادمة.

الإطار 1. المرامي الرئيسية لمخطط التأمين الصّحي الوطني

  • تقديم تغطية شاملة لكل مواطني جنوب أفريقيا.
  • تجميع الاختطارات والأموال.
  • تحسين المفاوضات مع مقدمي الرعاية الصّحيّة لتأمين الخدمات ومستويات دفع رشيدة مع ضمان الجودة.
  • إيجاد تمويل عمومي واحد مع مدّخرات وأموال كافية من أجل الرعاية المكثّفة.
  • تعزيز مردوديّة وفعاليّة إيتاء الخدمات الصّحيّة في كل من القطاعين العمومي والخصوصي.
  • ضمان استمراريّة وقابليّة نقل التأمين الصّحي الوطني ضمن البلد.

لقد عبّر مايك وترز، الناطق بشؤون الصّحّة في الحزب المعارض، حزب الائتلاف الديمقراطي، عن تحفُّظاته حول التأمين الوطني الصّحي. وأعرب عن أنّ "الأولويّة في تقديم الرعاية الصّحيّة العموميّة ليست تغيير آليّة التمويل للنظام الصّحي العام كما يعتقد الملتقى الوطني الإفريقي ولكن في تحسين مبادئ تقديم هذه الرعاية وضمان أن المال المتوافر يُستَخدَمُ من أجل غايته المنشودة".

وقد أعرب عن قلقه حيال التأمين الصّحي الوطني بأنه يمثّل بيروقراطيّة أكبر ومركزيّة أكبر ولهذا فإنه في الحقيقة سيُفاقم المشاكل التي تواجهها الرعاية الصّحيّة العموميّة. ويقترح وترز أيضاً أن عبء الضرائب المُضافة قد تجبر ذوي الدخل المتوسط بالعودة إلى النظام العام والذي تجاوز أصلاً الحدود الماليّة السليمة.

"أظهرت المعطيات في قسم الصّحّة في نهاية العام المنصرم أن هناك 35% زيادة متطابقة سنوياً في الوظائف الشاغرة للممرضين والأطباء. لقد حاجج هوسبيرسا (وهو الاتحاد المهني للعاملين الصّحيين في جنوب أفريقيا) أنه يجب إنشاء 80000 وظيفة جديدة لمثل هؤلاء العاملين."

وعلى الطرف الآخر من هذا الطيف، فإنّ المحلّلين قلقون حيال إمكانيّة أن تنقل مقترحات التأمين الصّحي الوطني جزءاً مهماً من عبء مشاكل الصّحّة العموميّة إلى المجال الخصوصي.

لقد نشرت هيئة استشارية اقتصاديّة خاصة، إكونكس، تعليقاً مُسهباً عن هذه المقترحات مضيئةً بذلك بعض التحديّات التنفيذيّة المترقّبة والتي من أكبرها الكلفة الهائلة المتوقّعة للنظام، والتي تختلف عما تم تكوين فكرة عنها حالياً. وقد حذر د. نكولا ثيرون، مدير إكونكس، في نيسان/أبريل أنّ التكلفة المُتصوّرة لتمويل التأمين الصّحي الوطني قد تصل إجمالياً إلى 216 بليون راند سنوياً. وقد أردف د. ثيرون أنّه "حتى ولو تم تطبيق النموذج الأكثر اقتصاديّةً، فإنّ التكلفة ستبقى مساوية لما مجموعه 197 بليون راند، وهو رقم قريب من مقدار المساهمات الكليّة الآتية من ضريبة الدخل الفردي في جنوب أفريقيا".

وحتى نماذج التكلفة التي قُدّمت لملتقى الاتحادات المهنية لجنوب أفريقيا، والتي دعمت بقوة استحداث التأمين الصّحي الوطني، اقترحت متطلّبات تمويل إضافي بنحو 189 بليون راند قبل الحصول على المدّخرات الإداريّة. وبحسب ثيرون فإنّه من المحتمل أن تكون المدّخرات المتوقّعة أقل من تلك المُفترضة حالياً، بينما من المرجّح أن تضع ضغوطات الاستخدام والقيود المفروضة على الاستيعاب النظامَ تحت شدة هائلة.

ويقول ثيرون إنّ العوامل التي لم تحظى بانتباهٍ كافٍ هي تعقيدات التكلفة والتعقيدات الإداريّة وعبء مرض جنوب أفريقيا الفريد وضغوطات الطلب الهائلة والتي من المحتمل أن تظهر عند تطبيق مَضمومَة المنفعة الشاملة مع نظام للدفعات المُشاركة بمقدار الصفر.

ومن جهة أخرى، فإن التأمين الصّحي الوطني سيقدّم أبعاداً جديدةً أخرى لنظام التمويل الصّحي لجنوب أفريقيا، وبشكل ملحوظ، إمكانيّة استخدام الموارد العموميّة وذلك من خلال الشراء الاستراتيجي للخدمات من أجل السكان. وقد صرّح الأستاذ دي مكينتير من وحدة الاقتصاد الصّحي لجامعة كيب تاون في تحليلٍ حديث: "تُظهر التجربة الدوليّة بوضوح أنّ تغيير طريقة الدفع لمقدمي الرعاية الصّحيّة هو أمرٌ ضروريٌ لضمان قيمةٍ أكبر للمال". وأردف "إنّ تجميعة متكاملة للأموال هي الطريقة الوحيدة لضمان استخدامٍ أكثر فعاليّة ومردوديّة لكافة الموارد البشريّة المتوافرة. وعندها سيتمكّن كل شخص من الحصول على الخدمات الصّحيّة على أساس حاجته للرعاية وليس على أساس مقدرته على الدفع".

شارك