مجلة منظمة الصحة العالمية

إما أمٌّ أو لا شيء: كرب العقم

يعتبر الكثير من السيدات المصابات بالعقم في البلدان النامية أن الحياة دون إنجاب الأطفال تخلو من الأمل. تقدم وي يوان كوي تقريراً عن العبء الذي تحمله العديد من هؤلاء النساء وعن غياب الرعاية ميسورة التكلفة.

تعيش آن (وهو ليس اسمها الحقيقي) في كمبالا، أوغندا مع زوجها وطفل واحد أنجبه زوجها من علاقة سابقة. عندما تزوجت في عام 1996 تقبلت آن بسرور الصبي الذي لم يتجاوز في حينها الأربع سنوات من العمر على أمل أن تنجب بنفسها في يوم من الأيام طفلاً من صلبها. لسوء الحظ عانت آن خلال السنوات الأولى من زواجها العديد من حالات الإجهاض بما فيها تلك التي تسببت "بألم شديد" ونزيف وفقدان الوعي.

تقول آن "عندما استيقظت وجدت نفسي في المستشفى. أخبرني الطبيب أنه كان حملاً منتبذاً؛ وكان عليهم أن يُخرجوا الطفل الذي كان يحتضر في داخلي." أخبروها في وقت لاحق أنها لن تستطيع أن تحمل بعد ذلك.

لا يقبل المجتمع الأوغندي نساءً لم ينجبن أطفالاً
تصوير / دانييل ري
لا يقبل المجتمع الأوغندي نساءً لم ينجبن أطفالاً

تقول الدكتورة شيريل فاندربويل من قسم البحوث والصحة الإنجابية في منظمة الصحة العالمية "يمكن أن يؤدي الحمل المنتبذ إلى العقم ولكن هناك أسباب أكثر شيوعاً، منها انسداد البوقين الناجم عن عداوى السبيل التناسلي، والتي غالبا ما تكون منقولة جنسياً، ومضاعفات ما بعد الوضع أو ممارسات الإجهاض غير المأمونة." يصبح السل التناسلي، غير المكتشف في أغلب الأحيان، مسبباً رئيساً للعقم في بلدان لديها معدلات عالية من السل، مثل الهند.

يصيب العقم ما يصل الى 15% من الأزواج في سن الإنجاب في جميع أنحاء العالم. أظهرت الدراسات الديموغرافية لمنظمة الصحة العالمية عام 2004 أن أكثر من 30% من النساء الذين تتراوح أعمارهن بين 25-49 عاماً في أفريقيا جنوب الصحراء يعانين من العقم الثانوي، أي الفشل في الحمل بعد حمل أولي بدئي.

ووفقاً لما يقوله الدكتور محمود فتح الله، المدير السابق للبرنامج الخاص، بمقره في منظمة الصحة العالمية، للبحوث والتنمية والتدريب على البحوث في مجال الإنجاب البشري: رغم أنه من المحتمل أن يتسبب العقم عند الذكور ما يقارب 50% من حالات فشل الزوجين في الحمل، إلا أن العبء الإجتماعي "يقع على نحو غير متناسب على المرأة." ويضيف بقوله "عندما لايكون الزوجان قادرين على الإنجاب، يجوز للرجل طلاق زوجته أو اتخاذ زوجة أخرى إذا كانوا يعيشون في ثقافة تسمح بتعدد الزوجات."

في العديد من الثقافات، تعاني السيدات اللواتي ليس لديهن أطفال من التمييز والنبذ ووصمة العار. مُنعت آن على سبيل المثال من حضور جنازة حميها. تنتحب آن بقولها "لا يتوقف الأقارب، خاصة عند اجتماعهم سوياً، عن الحديث عن أطفالهم أو كون إحداهن حاملاً وتتنظر مولوداً. تلك هي اللحظات التي أشعر فيها بأني معزولة تماماً. في كثير من الأحيان لا ينظر الأفراد إليك كإنسان. لا يوجد احترام." وتضيف "على المرأة في مثل حالتي أن تتحمل في كثير من الأحيان علاقات خارج إطار الزواج ينزع الأزواج لإقامتها. لقد سمعت نساء أخريات تتحدثن أننا مصابان باللعنة."

وفق رأي فاندربول "يمكن أن تصل الوصمة في بعض البلدان إلى الدرجات القصوى فيُنظر إلى الناس المصابين بالعقم على أنهم عبء على الرفاه الاجتماعي الاقتصادي للمجتمع. تمتد الوصمة لتشمل عدداً أكبر من أفراد الأسرة، بما في ذلك الأشقاء والآباء والأصهار، الذين يشعرون بخيبة أمل عميقة لفقدان استمرارية أسرتهم ومساهمتهم في مجتمعهم؛ مما يُضخم الذنب والعار اللذين يشعر بهما الفرد العقيم."

تقول ريتا سيمبويا، مؤسسة مركز جويس لدعم المصابين بالعقم في أوغندا، أن جميع النساء اللواتي أتين إلى مركزها يتقاسمن هذه الإحباطات والمعاناة. تقول سيمبويا "تطالب ثقافتنا المرأة، حتى تكون مقبولةً اجتماعياً، أن تنجب طفلاً بيولوجيّاً واحداً على الأقل. تقوم معظم الثقافات في جميع أنحاء أفريقيا بالتركيز على إنجاب النساء للأطفال... ويُعتبر الزواج دون أطفال فشلاً للزوجين."

ينبغي أن تبدأ الوقاية من العقم عبر التثقيف الصحي المجتمعي، كما هو الحال في هذا الصف في نيودلهي، الهند
تصوير كونلي لا مار
ينبغي أن تبدأ الوقاية من العقم عبر التثقيف الصحي المجتمعي، كما هو الحال في هذا الصف في نيودلهي، الهند

أوغندا هي واحدة من البلدان التي تقع في "حزام العقم الأفريقي" والذي يمتد عبر وسط أفريقيا من جمهورية تنزانيا المتحدة في الشرق إلى غابون في الغرب. تشير ظاهرة توصف بأنها "العقم وسط الوفرة" في هذه المنطقة إلى حقيقة ترافق الانتشار العالي للعقم مع معدلات خصوبة مرتفعة.

يقول فتح الله "قد تبدو المخاوف بشأن العقم في عالم يحتاج ضبطاً قوياً للنمو السكاني أمراً غريباً، ولكن اعتماد قاعدة الأسرة الصغيرة يجعل مسألة العقم غير المرغوب أكثر إلحاحاً. إذا ألححنا على الأزواج تأجيل أو المباعدة الطويلة بين الحمول، فلا بد من مساعدتهم على تحقيق الحمل عندما يقررونه وفي الوقت المحدود المُتاح لهم."

تبقى الوقاية والرعاية من العقم، على الرغم من أهميتها، من قضايا الصحة العمومية المهملة أو من القضايا التي تحتل على الأقل مرتبة منخفضة في قائمة الأولويات لا سيما بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل التي تعاني من الضغط السكاني. أصبح انخفاض الخصوبة أكثر شيوعاً في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في الجمهرات المتشيخة والعديد من الأوضاع الحضرية التي تكون فيها النساء قد وصلت لأعمار متقدمة عندما يُنجبن للمرة الأولى.

يتم بشكل متزايد حث واضعي السياسات الصحية على البدء في دمج اتقاء العقم ورعايته وعلاجه في العمل الجاري على تعزيز نظم رعاية الصحة الإنجابية وصحة الأم والوليد.

يمكن ان يساعد الإخصاب في المختبر الكثير من النساء المصابات بالعقم، وبخاصة اللواتي يعانين من مشاكل مثل انسداد أو تندب وخيم في البوقين يصبح معها الإصلاح الجراحي غير مستحسن أو غير ناجح. تُمكّن هذه التكنولوجيا من تخصيب البيوض مباشرة بالمني خارج جسم المرأة، دون أن تحتاج البيوض أو النطاف إلى المرور عبر أنبوب مغلق. ثم يتم نقل الأجنة المخصبة إلى رحم المرأة.

لسوء الحظ لا تُتاح خدمات العقم على نطاق واسع ولا يكون الإخصاب في المختبر ميسور التكلفة بالنسبة لمعظم النساء في البلدان النامية. يُشير الدكتور جمال سرور، رئيس الاتحاد الدولي لطب النساء والتوليد ومدير المركز الإسلامي الدولي للدراسات والبحوث السكانية بجامعة الأزهر في القاهرة في مصر، إلى أنه رغم تقديرات استخدام أمثل لعمليات الإخصاب في المختبر تقارب 1500 دورة لكل مليون نسمة سنوياً، إلا أن هناك نقصاً هاماً في تقديم الخدمات في البلدان النامية.

ريتا سيمبويا، مؤسسة مركز جويس لدعم العقم في أوغندا.
ريتا سمبويا
ريتا سيمبويا، مؤسسة مركز جويس لدعم العقم في أوغندا.

يقول سرور: "بما أن تكلفة إنشاء مراكز عقم متقدمة مرتفعة جداً، لم يتأسس إلا عدد محدود من المراكز في بعض البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ويتمركز أغلبها في القطاع الخاص." في أوغندا، يعتمد مقدم خدمة الإخصاب في المختبر، التي يُديرها المستشفى الدولي للمرأة، على أطباء أجانب من بلجيكا وكينيا ونيجيريا يسافرون من وإلى داخل البلاد. تقول سيمبويا "وهذا يسبب ارتفاعاً في التكلفة، وهو غير مستدام."

ومما يزيد من تفاقم الوضع أن النساء تعانين من غياب الدعم، سواء العاطفي أم المالي. يقول سرور أن في أفريقيا جنوب الصحراء "لا يقوم الشركاء من الذكور بتشجيع السيدات على طلب المعالجة التقانية الحديثة"؛ وباعتبار غياب التغطية بالتأمينات، فإن طلب رعاية العقم يعني في أحيان كثيرة أن المرأة الراغبة في الحمل تسير وحدها في هذا الطريق.

تقول آن التي قامت ببيع ميراثها، قطعة أرض، لدفع تكاليف دورة واحدة من عملية الإخصاب في المختبر "لايقدم زوجي أي دعم على الإطلاق، فهو يعرف أنه يستطيع، إن شاء، إنجاب المزيد عبر علاقات أخرى." هذا ولم تكن تلك الدورة التي أنفقت فيها آن مايقارب 4900 دولار أميركي ناجحة.

تنشج آن من يأسها وتقول: "سأحتاج إلى تسع سنوات أخرى لجمع ما يكفي من المال بإمكانياتي من أجل دورة ثانية، وأكون حينها قد تقدمت كثيراً في العمر؛ ليس لدينا مال، سأموت قبل أن أنجب طفلي من صلبي."

قد يكمن بعض الأمل للكثير من النساء العقيمات في البلدان منخفضة الدخل في إدخال خدمات العقم ميسورة التكلفة. من الأمثلة الملهمة تأتي مصر التي تمكنت من خفض النمو السكاني وتوسيع نطاق رعاية العقم في آن واحد؛ ظهر نحو 51 مركزاً خاصاً وعمومياً لعلاج العقم خلال العقود الثلاثة الماضية. يقدم المركز العمومي الأكثر ازدحاماً، ويقع في جامعة الأزهر في القاهرة، رعاية العقم بما في ذلك دورات الإخصاب في المختبر المدعومة مالياً بما قيمته 600 دولار أميركي لكل دورة من أجل خدمة مئات من الأزواج الذين يعانون من العقم في مصر كل عام.

استطاعت برامج رائدة في الهند خفض التكاليف بمقدار الثلث عن طريق إعطاء جرعات منخفضة من الهرمونات لتحريض الإباضة. تقول الدكتورة سونيتا ميتال، رئيس طب التوليد والنساء في معهد عموم الهند للعلوم الطبية في نيودلهي في الهند، "ورغم أنه يُنتج عدداً أقلاً من البيض، إلا أن هذا الإجراء أكثر يُسراً للمريضة ويُمكّننا من الحصول على مستويات مقبولة من معدلات المواليد الأحياء الأصحاء." تتراوح التكاليف الحالية لدورة واحدة من الإخصاب في المختبر حول 60000 روبية هندية (1300 دولار أمريكي)، أي ما يعادل راتب ستة أشهر لبعض الأزواج. تعمل عيادة الدكتورة سونيتا على خفض هذه التكلفة إلى 20000 روبية (430 دولاراً أمريكياً)، ووضع برنامج يستهدف الوقاية من العدوى والتثقيف حول العقم. تقول سونيتا: "من الهام جداً معالجة هذه القضية لأن هناك وصمة كبيرة مرتبطة بالعقم في الهند."

يُضيف فاندربول: "يجب أن تكون خدمات مساعدة الأزواج المصابين بالعقم متكاملة وشاملة - بدءاً من مستوى المجتمع لتوضيح السبب والوقاية من العقم عند الإمكان، وتوفير الإحالة إلى رعاية ميسورة التكلفة إذا كان العقم أمراً لا مفر منه. تتضمن الوقاية من العقم أيضاً خيارات هامة في نمط الحياة. إن حصيلة رعاية العقم الجيدة هي ولدان أصحاء. لا تبدأ صحة الأم والوليد خلال الرعاية قبل الوضع، ولا يجب أن يقتصر الاهتمام بها على فترة الوضع، إنما تبدأ برعاية صحية إنجابية جيدة تشمل رعاية العقم قبل الحمل."

شارك