مجلة منظمة الصحة العالمية

تايلاند: الرعاية الصحية للجميع، ولو كانت الأسعار مرتفعة‏

تملك تايلاند نظام تغطية شامل للرعاية الصحية منذ عام 2002. يتحرى أبيرادي تريروتكواركول في ‏الجزء الثاني من سلسلتنا الخاصة بتمويل الصحة عن كيفية تؤدي معالجة استعاضة الكلى في المراحل ‏المرضية المزمنة والنهائية إلى إرهاق موارد النظام.‏

سقطت ثونيالاك بونسمليت، البالغة من العمر 21 عاماً، مريضةً في عام 1998 فنقلها والداها ‏القلقان بشأنها إلى المستشفى. تتذكر قائلة "اعتقدت أنني أُصبت بالتسمم الغذائي". إلا إنّ الطبيب ‏أبلغها بأنها تعاني من مرضٍ كلويٍّ حادٍّ، وستموت ما لم تتلقى المعالجة فوراً؛ إلا أنّ النبأ الأسوأ كان ‏التالي: فعلى الرغم من أن تغطية والديها بالتأمين الصحي ونظام الاستحقاقات الطبية لموظفي الخدمة ‏المدنية في تايلاند، إلا أن هذا النظام لا يغطي سوى المُعالين حتى سن العشرين. عولجت بونسمليت ‏لمدة شهر وأُعيدت بعده إلى المنزل.‏

قامت تايلاند في عام 2002 بإصلاح نظامها الخاص بتمويل الصحة العمومية مما وسّع نطاق التغطية ‏لتشمل 18 مليوناً لم يكونوا من المؤمّن عليهم و29 مليوناً ممن كانت نظم تأمينهم أقل شمولية سابقاً.‏

الحاجة إلى الديال الدموي ترتفع ارتفاعاً هائلا في تايلاند
الحاجة إلى الديال الدموي ترتفع ارتفاعاً هائلا في تايلاند

كان هذا تحقيقاً لمشروع احتاج إلى ربع قرن بدءاً من إنشاء نظام الرعاية الاجتماعية للفقراء في ‏عام 1975. أمّن النظام الجديد الرعاية الصحية الشاملة التي لا تشمل الأساسيات فحسب، كتوفير ‏الأدوية مجاناً ورعاية العيادات الخارجية والاستشفاء والوقاية من الأمراض، بل تشمل أيضاً الخدمات ‏الطبية الأكثر تكلفةً، كالمعالجة الشعاعية والجراحة والعناية المركزة/الحرجة للحوادث والطوارئ. ‏ولكنها لم تشمل المعالجة الاستعاضية للكلية بسبب قيود الميزانية. وبالتالي بقيت بونسمليت تعاني ‏وحيدةً، حالها حال الآلاف مثلها.‏

وكما يقول الدكتور براتيب دهاناكيجشاروين، السكرتير العام المفوض لمكتب أمانة الصحة ‏الوطنية، والمُشرف على نظام التغطية الشاملة، "كان هناك قلق من أنّ المعالجة الاستعاضية للكلية ‏سترهق النظام. والمخاطر الصحية الرئيسة التي تؤدي إلى أمراض الكلى، كالسكري وارتفاع ضغط ‏الدم، لم تُكافح جيداً". هذا والمعالجة الاستعاضية للكلية باهظة الثمن، فتكلفة الديال الدموي تبلغ نحو ‏‏400 ألف باهتٍ (12100 دولار أمريكي) في السنة؛ وهي أعلى بأربع مرات من عتبة المئة ألف ‏باهت (3000 دولار أمريكي) لكل سنة من سنوات العمر مصححة الجودة والتي وضعتها اللجنة ‏الفرعية في مكتب أمانة الصحة الوطنية لمضمومة استحقاقات الأدوية والعلاج، واعتمدت كنقطة ‏إرشادية على المستوى الوطني.‏

يعتقد دهاناكيجشاروين أنه كان من واجب خطة التغطية الشاملة شمول أمراض الكلى منذ البداية، ‏وهو الرأي الذي يؤيده الدكتور فيروج تانغشاروينساثيين، مدير برنامج سياسة الصحة الدولية في ‏وزارة الصحة العمومية. لقد كانت مسألة عدالة بسيطة فيقول: "هناك ثلاثة أنظمة للرعاية الصحية في ‏تايلاند"؛ ويتابع "ووحده نظام التغطية الشاملة لم يقم بتضمين المعالجة الاستعاضية للكلية."‏

ثنيالاك بونسمليت
ثنيالاك بونسمليت

‏ وقعت بونسمليت صريعة المرض مرة أخرى في عام 2005 وشُخص لها الداء الكلوي بمراحله ‏النهائية. اضطر والداها إلى دفع 400000 باهت (12100 دولار أمريكيّ) لمدة سنة لتغطية علاجها ‏بالديال. قيل لها هذه المرة أنه مع العثور على متبرع مناسب يُصبح زرع الكلى هو الخيار الأفضل. ‏تبلغ تكلفة هذا الإجراء 300000 باهت (9000 دولار أمريكي). قامت والدة بونسمليت بالتبرع لها ‏بإحدى كليتيها ومرة أخرى قامت الأم وزوجها بدفع جميع الفواتير بما في ذلك تكاليف علاج مرحلة ‏ما بعد الزرع اللازمة للوقاية من رفض الكلية الجديدة.‏

بيد أنّ الضغوط التي يمارسها المجتمع للتغيير في ازدياد. لقد سئم أشخاصٌ من أمثال سوبيل ‏نوكساكول، الذي أنفق مدخراته على العلاج الطبي على مدى 19 عاماً، من معاملتهم كمنبوذين. إنه ‏يقول "تمكنت مرة واحدة من توفير 7 ملايين باهت. ولكن مدخراتي كلها ضاعت الآن". لقد وجد ‏كغيره من الأفراد أنه من غير المقبول أن يقدم كلاً من نظام الاستحقاقات الطبية لموظفي الخدمة ‏المدنية ونظام الضمان الاجتماعي، وهي أنظمة تعتمد على الأموال العمومية، العلاج لأمراض الكلى ‏في الوقت الذي لا يقوم فيه نظام التغطية الشاملة بذلك.‏

أسس نوكساكول في عام 2006 نادي الكلى التايلاندي، وهو الأمر الذي زاد من وعي مرضى ‏الكلى بحقوقهم، ومارس ضغطاً على مكتب أمانة الصحة الوطنية لتقديم العلاج. وأخيراً، وفي ‏يناير/كانون الثاني 2008، رضخ وزير الصحة العمومية مونغكول ناسونغخا لضغط الرأي العام وقام ‏بتضمين المعالجة الاستعاضية للكلية في النظام. وكانت هذه لحظة تاريخية فاصلة بالنسبة لثونيالاك ‏بونسمليت والآلاف من مرضى الكلى الأخرين.‏

من غير المستغرب أنه، ومنذ عام 2008، لوحظ ازدياد ملحوظ في الطلب على العلاج. ووفقاً ‏لدهاناكيجشاروين، تم تخصيص 2.5 مليار باهت (76 مليون دولار أمريكي) من ميزانية مكتب أمانة ‏الصحة الوطنية، من مجموع 120 مليار بات (3.62 مليار دولار أمريكي)، للمعالجة الاستعاضية للكلية ‏مع تلقي 8000 مريض للعلاج بالديال الدموي و4000 مريض للعلاج بالديال الصفاقي؛ ولتلبية الحاجة ‏الكاملة، يتطلب هذا العلاج زيادة كبيرة في التمويل.‏

سوبيل نوكساكول
سوبيل نوكساكول

يتابع دهاناكيجشاروين: "ما زالت تكلفة المعالجة الاستعاضية للكلية أقل من 2% من مجموع ‏الميزانية"، لكنه يحذر من أن التكلفة يمكن أن تسبب انفجاراً إذا فشلت تايلاند في التركيز على الوقاية ‏والحد من ظهور حالات جديدة.‏

يرسم تانغشاروينساثيين من وزارة الصحة العمومية صورة أكثر وضوحاً بقوله: "يُمكن لتوسيع ‏المعالجة الاستعاضية للكلية لتستهدف مرضى الكلى بالمراحل النهائية، في غياب البدائل، أن تستهلك ‏أكثر من 12% من الميزانية السنوية لنظام التغطية الشاملة وتدفعه إلى حافة الأزمة المالية".‏

يحاول مكتب أمانة الصحة الوطنية الحد من بعض التكاليف من خلال تشجيع المرضى على ‏إجراء الديال الصفاقي في منازلهم، وفيه يقوم المرضى بترشيح دمائهم عبر حقن دوري للسوائل في ‏تجويف البطن لتُنزَح في وقت لاحق. يعتقد تانغشاروينساثيين أنه يُمكن للممرضات أن يلعبن دوراً ‏حاسماً في تدريب المرضى وأفراد الأسرة على استخدام المعدات التي يتم توفيرها مجاناً في إطار ‏التغطية الصحية الشاملة. وفي غضون ذلك، يتوجب على المرضى الذين يستمرون باستخدام الديال ‏الدموي الأكثر تكلفة دفع نحو ثلث التكلفة الإجمالية للعلاج.‏

ما زال تخفيض العلاج المنزلي للتكاليف كثيراً موضع جدلٍ، وخصوصاً مع زيادة اختطار العدوى ‏والنفقات اللاحقة المرتبطة بالديال الصفاقي والتي تكلف ما يصل إلى 240000 باهت (7300 دولارٍ ‏أمريكيٍّ) سنوياً. ومع ذلك، فهو يوفر تعرفة زيارة المرضى في المناطق الريفية مرتين أسبوعياً ‏لمركز الديال الدموي في المقاطعة والتي لا يُمكن للمرضى الفقراء تحمل عبئها. يهدف مكتب أمانة ‏الصحة الوطنية إلى الحد من تكلفة الديال الصفافي لنحو 200000 باهت (6000 دولار أمريكي) في ‏السنة.‏

يعتقد الدكتور تانغشاروينساثيين أن التشجيع على الحياة الصحية يقلل من تكاليف الأمراض المزمنة.
يعتقد الدكتور تانغشاروينساثيين أن التشجيع على الحياة الصحية يقلل من تكاليف الأمراض المزمنة.

قد تكون الحملة الأوسع نطاقاً للحكومة بهدف تحسين الصحة الكلوية على المستوى الوطني واعدةً ‏أكثر، ومن المقرر أن يبدأ هذا العام تحري السكري وفرط ضغط الدم كجزء من مشروع الـ 2.5 ‏مليار باهت (مشروع 76 مليون دولار أمريكي). وبحسب دهاناكيجشاروين، من مكتب أمانة الصحة ‏الوطنية، سيشمل المشروع 5500 مجتمع وبلدية على الصعيد الوطني، وهو يقول: "على الرغم من ‏عدم كفاية تمويل تعزيز الصحة إلا أنها بداية جيدة للوقاية والكشف المبكر عن مرض السكري وفرط ‏ضغط الدم بين السكان المحليين." مضيفاً أن تشجيع أنماط الحياة الصحية سوف يساعد أيضاً على ‏خفض تكلفة الأمراض المزمنة والعبء الذي تضعه على كاهل ميزانية الصحة.‏

يُؤيد تانغشاروينساثيين ذلك بقوله: "إذا خصصت الحكومة ميزانية أكثر لتشغيل النظام سيصبح ‏مكتب أمانة الصحة الوطنية قادراً على زيادة الاستثمار في مجال الحد من المخاطر الصحية ولن ‏ينتهي الأفراد مع مرض الكلى في المقام الأول".‏

كلا الرجلين يتوقان لرؤية نجاح المبادرة الأخيرة للتغطية الشاملة، وهما يشعران بالفخر بما تم ‏تحقيقه بمجموعٍ نفقات صحية يعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي- بالمقارنة مع الوسيط البالغ ‏‏6.2% من الناتج المحلي الإجمالي في العالم و4.5% في البلدان التي دخلها أدنى من المتوسط. يقول ‏دهاناكيجشاروين: "نود أن يُدرك العالم أنه ليس من الضروري الشروع في نظام الرعاية الصحة ‏الشاملة فقط عند توافر المال، بل إن المهم هو العمل باطراد على ذلك. ولكن التدشين أمرٌ لا بد منه".‏

شارك