شبح تشيخ السكان يُقْلقُ الاقتصاديين
بعد أن حققت الكثير في توسيع نطاق تغطية الرعاية الصحية على مدى السنوات الثلاثين الماضية، تواجه جمهورية كوريا تضخم التكاليف الناجم عن تشيخ السكان . تقرير لي جي يون.
تتذكر لي يانغ سون، البالغة السنة الإحدى والثمانين من العمر، كيف كانت الأمور قبل الحرب الكورية (1950-1953) إذ تقول: "توفي العديد من النساء خلال الولادة"، مضيفةً إنه حتى بعد انتهاء الحرب كانت الخدمات الصحية محدودة، ولم تحصل معظم النساء الحوامل على فحوص ما قبل الولادة وكُنّ يلدن في المنازل. وتتتابع لي: "حتى عندما يلد الأطفال أصحاء يموت بعضهم دون التحقق من السبب الدقيق للوفاة"، لقد كانت خدمات الرعاية الصحية الأخرى سيئةً أيضاً في ذلك الوقت: "لقد عانيت من مرض جلدي، وكانت تكاليف العلاج باهظة الثمن ولم يكن العلاج ناجعاً فقد كان عليّ تطبيق مرهماً يابانياً جلبه لي صديقي الذي كان يسافر إلى اليابان كثيراً".
استغرق الأمر 20 سنة أخرى ليبدأ الوضع بالتغيير. أدخلت الحكومة في عام 1976 نظام التأمين الصحي الوطني وألزمت الشركات التي توظف أكثر من 500 شخص بالاشتراك في هذا النظام. وفي السنوات العشر التالية تم توسيع هذا الإلزام ليشمل شركات أصغر ومن ثم إلى موظفي الحكومة والمدارس الخاصة، وأخيراً إلى العاملين لحسابهم الخاص الذين تمت تغطيتهم تحت مظلة إلزامية التأمين الصحي الوطني في عام 1989. أنشئ برنامج المعونة الطبية في عام 1977، بشكل موازٍ للتأمين الصحي الوطني، وهذا البرنامج هو خطةٌ تمولها الحكومة لتقديم المساعدة العمومية وتنصّ على تغطية تأمين طبي مجانية للأفراد المؤهلين ذوي الدخل المنخفض، أيْ ما يقارب 3% من السكان في عام 2008.
ارتفع متوسط مأمول العمر في جمهورية كوريا في السنوات الثلاثين الماضية من 64.8 إلى 78.5 سنة ليصبح قريباً منه في البلدان الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي. كما تحسّن أيضاً معدل وفيات الرضع من 27 حالة وفاة لكل 1000 ولادة حية في عام 1977 إلى 5.3 لكل 1000 ولادة حية في عام 2007، وهو أفضل من معدل 6.1 المُسجّل في بلدان منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي. يقول سيو نامكيو، زميل باحث في معهد التأمين الصحي الوطني، وهو أحد الشركات التابعة للشركة الوطنية للتأمين الصحي: " ساهمت عدة عوامل في تحسين الصحة الإجمالية للناس في جمهورية كوريا ولكن يبدو تطبيق نظام التأمين الصحي أحد أهم العوامل الحاسمة".
ستكون ابنة زوج لي يانج سون المولودة فى عام 1958، واسمها لي إن سوك، أول من يؤيد هذا الكلام. لقد أنجبت لي إن سوك، وهي مدرسة الطبخ في معهد محلي للغذاء في سول، ابنتيها في عامي 1983 و1987، ولم تكن تكلفة الرعاية قبل الولادة مصدر قلق قط إذ تقول: "لم أشعر بأية أعباء مالية عندما كنت حاملاً". "زرت المستشفى شهرياً ليتم فحص طفلي". ولدت ابنتها الأولى بشكل طبيعي ولكنها احتاجت مع الثانية إلى عملية قيصرية وبالتالي كان لا بد لها من تلبية تكلفة كاملة تقارب 1.2 مليون وون (نحو 1000 دولار أمريكي). وبعد ذلك بسنتين، عندما بدأ برنامج إلزامية التأمين الصحي الوطني، غطى هذا الأخير 50% من تكلفة العمليات القيصرية، وهو يدفع حالياً ما يصل إلى 80% من التكلفة الإجمالية.
إنّ المُشاركة في تكاليف الرعاية هو حقيقة حياتيةٌ مقبولة عموماً في جمهورية كوريا، والتي تذكر منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي أنّ نسبة إجمالي الإنفاق المنزلي على الرعاية الصحية فيها، بما في ذلك مدفوعات في التأمين الصحي، تقف عند 10.5% - وهذا أقل من متوسط 12.9% لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي. ولكنه نظام حدوده واضحة، فقد يواجه مرضى السرطان الذين تنطوي معالجتهم على عدة تدخّلات جراحية وعلاجٍ كيميائيٍّ واستشفاءٍ طويل الأمد فاتورةً ضخمةً لأنّ التأمين الصحي الوطني لا يغطي سوى 75% من التكلفة. ترى لي إنسوك، وقد فقدت والدتها وشقيقتها بسبب السرطان، أنّ إضافة التأمين الصحي الخاص ضرورةٌ وإن كانت مُكلفة. لقد أجرت زوجة أبيها في العام الماضي عملية جراحية لاستبدال مفصل الورك وقد غطى التأمين الصحي الوطني 50% من التكلفة وتحملت الأسرة الجزء المتبقي.
إنّ الإنفاق الشخصيّ في جمهورية كوريا هو الأعلى بين دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي حيث تأتي 36% من مجموع النفقات الصحية مباشرةً من مدفوعات المرضى عند نقطة الخدمة في عام 2007. ينتج عن هذا حتماً فواتير لا يمكن تحملها من قبل البعض: في عام 2007 عانى ما يقدر بنحو 3% من مجموع الأسر في البلد من نفقات كارثية، وهي ما تعرّفها منظمة الصحة العالمية بالصرف الإلزامي بمقدار 40% أو أكثر من دخل الأسرة المتبقي بعد تلبية الاحتياجات المنزلية الأساسية. وتُشير سيو نام كيو إلى أنّ الإنفاق الشخصي، ورغم كونه لا يزال مرتفعا، ينزع للهبوط من ذروة بلغت 60% من مجموع الإنفاق على الصحة في عام 1989 إلى 36% في عام 2007. وهناك أيضاً حد سنوي أقصى للمشاركة في التكاليف والتي لا يضطر بعده الناس للدفع.
هناك نوعان من الاعتبارات هنا: الأول هو تكاليف الرعاية الصحية عموماً والثاني هو النسبة من هذه التكاليف التي ييتكبدها الناس من غير مالهم الخاص. وهناك قلق على جبهة التكاليف، ففي الوقت الذي يقف نصيب الفرد من إجمالي الإنفاق على الصحة على 1688 دولاراً أمريكياً (مقارنة مع متوسط 2984 دولاراً أمريكياً في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي) تنمو نفقات الرعاية الصحية بنسبة 8.7%، وهو النمو الأسرع بين دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (جاءت تركيا في المرتبة الثانية ولكن من أساس أقل من ذلك بكثير) ويتجاوز ضعف المتوسط في دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي. كما كُشف عن منحنى النمو الأكثر إثارة للقلق من قبل الشركة الوطنية للتأمين الصحي التي أبلغت عن قفزة تعادل عشرة أضعاف في الإنفاق على الصحة من ما يقارب 2.4 مليار دولار أمريكي في عام 1990 إلى 29 مليار دولار في عام 2008، بينما ازداد في الوقت نفسه النمو في عدد السكان المؤمن عليهم من 40 إلى 48 مليوناً.
هناك العديد من العوامل التي توجّه النفقات بما في ذلك الزيادة في الرواتب والخدمات المشمولة، هذا بالإضافة لما يُستَشهد به من الاعتماد المفرط على الطب عالي التكنولوجيا والإفراط في وصف الأدوية والاستخدام الكبير للمرافق الصحية. تُشير سجلات الشركة الوطنية للتأمين الصحي إلى أنّ عدد المستشفيات والصيدليات قد تضاعف تقريباً خلال السنوات العشرين الماضية، هذا بحسب إحصائيات الصحة العالمية 2009، ووُلِد أكثر من 37% من الأطفال بعملية قيصرية. ويعتبر يانغ بونغ مين، وهو أستاذ في كلية الصحة العمومية في جامعة سيول الوطنية، أنّ غياب الصرامة التنظيمية هو في صميم المشكلة إذ يقول "بالمقارنة مع غيرها من الدول المتقدمة، تساهلت الأمة تجاه الإفراط في العلاج والتشخيص وفشلت في السيطرة بصرامة على النظام بأكمله."
أدخلت الحكومة في عام 2000 تعديلاً فَصَلَ بين وظيفتَي وصف الأدوية وبيعها أملاً في الحد من الإفراط في الوصفات الطبية وتكاليف الأدوية. ولكن هذا التعديل، وبحسب يانغ، كان غير كافٍ وضعيفاً، وهو يقول: "لم يطرأ أي تغيير عملي في النظام الطبي في البلاد أو في إنفاق الأشخاص الصحي بسبب الضغط الذي مارسه الأطباء وشركات الأدوية وغيرها من المجموعات المعنية،" مضيفاً بأنّ الأطباء استمروا بوصف الأدوية ذات العلامة التجارية عالية التكلفة بدلاً من استخدام البدائل الجنيسة (غير مسجلة الملكية). ويعتقد سيو من معهد التأمين الصحي الوطني أنّ القطاع الخاص يحتاج إلى المزيد من التنظيم.
أصبحت الحاجة للتعديل أمر أكثر إلحاحاً مع توقع أن تصبح جمهورية كوريا "مجتمعاً مسنّاً" بحلول عام 2018، فوفقاً لوزارة الصحة والرعاية الاجتماعية وشؤون الأسرة أصبحت نسبة من تصل أعمارهم إلى 65 سنة وما فوق 10.7% من مجموع السكان في تموز/يوليو 2009، وهذه النسبة في تزايد. وسيكون لهذا التغير الديموغرافي، وفقاً ليانغ بونغ مين، تأثيراً كبيراً على التمويل الصحي مستقبلاً، وهو يقول "إذا استمرت جمهرة المسنين باستخدام الخدمات الطبية والأدوية بالسرعة الحالية فقد تتجاوز النفقات الطبية في جمهورية كوريا مثيلتها في اليابان عام 2050." وبحسب إحصائيات الصحة العالمية 2009، تُنفق اليابان نحو 2800 دولار أميركي للفرد الواحد في حين تُنفق الولايات المتحدة الأمريكية 6700 دولار أميركي للفرد الواحد.
يقول يانغ "هناك حاجة لنظام تأمين مستقلٍّ مالياً لدعم المسنين قبل أن يهيمن القطاع الخاص على الخدمات الطبية للمسنين" ويضيف: "تأمين الرعاية طويل الأمد الحالي [للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 سنة وتمولهم التبرعات والحكومات المحلية والرسمية] ما زال يعاني من محدوديات التمويل". ووفقاً لسيو، تواصل مؤسسة التأمين الصحي الوطني البحث عن سبل لتأمين الموارد المالية، كالضرائب على الخمور والتبغ، وترشيد التكاليف وذلك من خلال التركيز على الوقاية من الأمراض التي تشمل تعزيز الفحوصات الدورية الصحية للمسنين.
ليس من المتوقع أن تغيّر الأعدادُ المتزايدة من المسنين النظامَ بقوة الأرقام فحسب، بل سترخي بظلالها بقوة على المناقشة العمومية القادمة لا محالة. يقول سيو "يميل المسنون في جمهورية كوريا إلى المشاركة بنشاط في السياسة. وجنباً إلى جنب مع أعدادهم الكبيرة سوف تصبح سلطتهم السياسية أكثر وضوحاً في غضون بضع سنوات،" مضيفاً أنه سيُضطر المشرعون للتفكير أكثر في وضع السياسات التي تعكس احتياجات الجمهرة المسنة. ■