مجلة منظمة الصحة العالمية

ماذا؟ ألا توجد قوائم انتظار؟

النظام الصّحّيّ السويسريّ نموذج محسودٌ على تغطيته الشاملة ورعايته المعياريه. لكل فرد تأمينه، ولا طوابير لتلقي العلاج. لماذا يشتكي الناس إذن؟ تقرير أليس غنت.

يُعلن المكتب الاتحادي السويسري للصحة العمومية كلّ عامٍ عن الدورة السنوية لرفع أقساط التأمين الصحي فتطلق هذه الأمة، ذات السبعة ملايين ونصف نسمة، أنيناً جماعياً. لقد كان الألم في العام الماضي أكبر من المعتاد، فقد انقاد المكتب الاتحادي السويسري للصحة العمومية خلف قلقه من استنزاف الاحتياطيات النقدية في خزائن شركات التأمين ليسمح برفع أقساط التأمين الأساسية لتصل إلى 14.6% تبعاً للولاية. إنّ هذا مؤلمٌ...

شهد السويسريون منذ عام 1999 ارتفاعاً في تكاليف نظام التأمين الصحي بنسبة 50% وفقاً للمكتب الاتحادي السويسري للصحة العمومية، وكان ارتفاع الأسعار من 2008-2009 كبيراً بما يكفي لاقتطاع 0.1% من دخل الأسرة المرتفع المتاح.

لا تحتاج ناديا بوشاردي إلى أي إعلان لتعرف أن جزءاً كبيراً من دخل أسرتها يُنفق على الصحة. يبلغ الدخل السنوي لأسرتها، وهي الزوجة لسائق سيارة إسعاف والأم لطفلتين، 90000 فرنك سويسري (83000 دولار أميركي) قبل احتساب الضرائب والتأمينات. يذهب نحو 10500 فرنك سويسري (9700 دولار أميركي) أو 12.5% من دخلها من كل عام على التأمين الصحي ونفقات إضافية مثل العناية بالأسنان.

خضعت بوشاردي، 41 عاماً، لعملية جراحية في العام الماضي وكان عليها أن تدفع 10% من تكاليف العملية والأدوية والاستشفاء. (تتم تغطية المصروفات النثرية في سويسرا لضمان عدم معاناة الأسر مما يُسمى "النفقات الفادحة").

تقول بوشاردي: "نحن لسنا سعداء جداً بنظام التأمين الصحي في سويسرا". وتُضيف "كل عام ندفع أكثر ونحصل على أقل. وتكبر قوائم البنود التي لن يغطيها التأمين الصحي بعد الآن إذ لا تتم تغطية بعض البنود كالنظارات والأدوية الأساسية بالكامل، ولذلك فعلينا أن ندفع هذه التكاليف من ميزانيتنا غير الصحية. إننا محظوظون حتى الآن لأننا لم نُجبَر على اقتراض المال لدفع الفاتورة الصحية".

تقدّم عائلة بوشاردي مثالاً عن كيفية إرهاق السويسريين متوسطي الدخل مالياً، إنهم يكسبون أكثر كثيراً ما يسمح لهم بالاستفادة من الإعانة الصحية التي تتلقاها الأسر التي تنفق أكثر من نحو 8% من دخلها على أقساط التأمين (يعتمد مستوى الإعانة المالية على الولاية). يتلقى نحو 40% من الأُسر الإعانة المالية -سواءً من خلال خفض أقساط التأمين أو خصم الضرائب- وهي آلية حكومية لمنع تكلفة التأمين من إلحاق الضرر بصورة غير عادلة بالأسر منخفض الدخل.

البروفسور ألبرتو هولي، من جامعة لوزان، خبيرٌ في نظام تمويل الصحي السويسري، وهو يُشير إلى نظامٍ يُحسد على تغطيته الشاملة وعدالته ومعيارية رعايته وغياب قوائم الانتظار فيه. إنه يقول: "العدالة هي إحدى نقاط القوة في النظام السويسري فيما يتعلق بالاختطار الصحي ونسبة المرضى. ولا يعاقَبُ أحدٌ على عمره أو جنسه أو تاريخه الطبي، إلا إنّه ليس عادلاً تماماً، وهو تراجعيٌّ فيما يتعلق بالدخل.

إنّ الحكومة الاتحادية مسؤولةٌ، بموجب الدستور السويسري، عن إدارة نظام التأمين الصحي، لكنّ مسؤوليتها محدودة فيما يتعلق بالسياسة الصحية. عوضاً عن ذلك يملك هذا البلد المُفعم بالديمقراطية نظاماً لا مركزياً تبقى فيه الولايات الست والعشرون مستقلة وقادرة على اختيار طريقة تنظيم الرعاية الصحية الخاصة بها. يؤدي هذا إلى تفاوت واسع في أقساط التأمين التي تُدفع عادةً من قبل الأسر لا أرباب العمل.

ومنذ عام 1996 أصبح غياب التأمين الصحي مخالفاً للقانون في سويسرا. وهناك 82 شركة تأمين غير ربحية تقوم بتقديم عقود/سندات بتكاليف تصل لنحو 350 فرنكاً سويسرياً (325 دولاراً أمريكيا) شهرياً لكل بالغ. لا يمكن في إطار هذا النظام، والذي يطلق عليه اسم LAMal، إبعادُ أحد، بل أكثر من ذلك، تُقدّم نحو 44 شركة أشكالاً تكميلية للتأمين تتيح فوائد مثل علاج الأسنان وإتاحة المستشفيات الفاخرة، وهذه الشركات حرة في اختيار العملاء وفقا لشاكلة الاختطار.

إحدى خصائص نظام التمويل الصحي في سويسرا هي نفقته، ويقول هولي "إنه ليس نظاماً فعالاً" ويُضيف "لأنه مع ذلك النظام لم يكن بالإمكان السيطرة على التكاليف." بالنتيجة فالنظام الطبي السويسري هو ثالث أغلى نظامٍ في العالم، فقد أظهرت حسابات منظمة الصحة العالمية في مجال الصحة الوطنية لعام 2007 أنّ مجموع تكاليف الرعاية الصحية اقتطع 10.6% من الناتج المحلي الإجمالي لسويسرا، ولم تسبقها إلى الصدارة إلا الولايات المتحدة الأمريكية (15.8%) و فرنسا (10.9%).

يقول غودينز سيلبيرشميت، رئيس الشؤون الدولية في المكتب الاتحادي السويسري للصحة العمومية: "ما يثير الدهشة أنّ النظام ليس أكثر تكلفةً بالنظر إلى مستوى الأجور/الأسعار والموارد الصحية المتاحة. لدينا 300 مستشفى إجمالاً، وليس على السويسري المتوسط إلاّ السفر كيلومتراً واحداً الى الطبيب وخمسة كيلومترات إلى المستشفى."

ويتابع قائلاً: "وعدد التسهيلات المتاحة مرتفعٌ جداً ولكن هذا لا يعني أن معيار الرعاية مرتفعٌ جداً، وبعض أجزاء هذا النظام أكثر كفاءة من غيرها."

وبما أن الولايات هي المسؤولة عن الرعاية الصحية، تستخدم الحكومة الاتحادية في برن نظام التأمين لخفض التكاليف عبر مجموعة من الإصلاحات، فقد حفّزت بنجاح على استخدام الأدوية الجنيسة بدلاً من ذات العلامة التجارية، وتمت إعادة هيكلة تعرفة المختبرات وتمويل المستشفيات، وستقدم سويسرا في عام 2012 المجموعات المرتبطة بالتشخيص، وهي طريقةٌ لتصنيف الأمراض لتحديد معدل التعويض للمستشفيات. سيتم دفع مبلغ محدد سلفاً من المال للمستشفيات لعلاج المرضى من مجموعة معينة بغض النظر عن التكلفة الفعلية لتوفير الرعاية.

وبينما تسعى الحكومة لجعل النظام أكثر كفاءة إلا أنها تخشى أيضاً أن بعض شركات التأمين التي تقوم بتوفير التأمين الأساسي ضمن إطار نظام LAMal ستنتقي الاختطار على الرغم من أن حرمان أي شخص التأمين وزيادة أقساط التأمين من دون موافقة الحكومة هو أمر غير قانوني. هذا ويُسمح للشركات بالإعلان بشكل انتقائي للتوظيف لا للعملاء.

يقول سيلبيرشميت "إن انتقاء الاختطار هو مشكلة في نظام LAMal لأنه وحتى الآن لم يعمل نظام تكافؤ الاختطار بشكل كاف".

وبما أن أقساط التأمين هي نفسها بغض النظر عن العمر والجنس يتم تعويض شركات التأمين إذا جنفت شاكلة اختطارها بشكل مفرط. وقرر البرلمان الاتحادي تحسين النظام لأنه من المعروف أن العمر والجنس مشعرات ضعيفة نسبياً لشاكلة اختطار شركات التأمين.

يقول هولي أنه تتم ممارسة انتقاء الاختطار بوسائل ماكرة. "يتأخر التعويض مما يُحبط الأفراد فيقومون بتغيير شركة التأمين. سيُخصص السماسرة الأشخاص ذوي الاختطار السيء لشركات بأقساط تأمين مرتفعة، وبالتالي لن ترى أن ذلك، أي الانتقاء، يحدث أبداً."

رفض الشعب السويسري في عام 2007 استفتاء من شأنه إنشاء شركة واحدة حكومية للتأمين ليُفضل نظاماً يضمن المنافسة في السوق وإمكانية التحويل بين الشركات. وحتى وقت قريب لم يكن معدل التحويل عالياً ولكن ارتفاع الأقساط بدّل المشهد العام. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي قام موقع Comparis.ch على الشابكة، وهو معنيٌّ بمقارنة خدمات التأمين، بإجراء مسحٍ ووجد أنّ 15% من 6000 شخص قد قام بتبديل شركة التأمين الصحي خلال العام الماضي. وهذا يعني بالنسبة للبلد ككل أن 1.2 مليوناً من الأشخاص قد يكونوا في إطار البحث عن تأمين صحي جديد.

يُسمح للسويسري بتغيير شركة التأمين مرتين في السنة. وهذا ما يبدو عملية مرهقة من وجهة نظر بوشاردي: "يمكنك نظرياً إعطاء إشعار لشركة التأمين الصحي الخاص في كل عام ومن ثم الانتقال إلى شركة أخرى للتأمين. ولكنه في الواقع أمر صعب جداً، وعليك مقارنة الرسوم، بل هو جهد إداري ضخم. يمكن أيضاً أن يكون صعباً للغاية الوصول إلى شركة التأمين الصحي لإجراء محادثة شخصية حول قضايا ملحة".

هناك حتماً خلافات أيضاً حول العقود، ففي العام الماضي قام محقق شكاوى التأمين الصحي بتسوية 2812 مسألة حول المدفوعات المشتركة و549 مسألة حول الأقساط. ولكن سيلبيرشميت يقول إنّ المسوحات تظهرُ رضاً عاماً من النظام باستثناء الشهر الذي يتم فيه الإعلان عن زيادة أقساط التأمين، ويضيف سيلبيرشميت "نريد الآن المضي قدماً في الرعاية المُدارة"، ويضيف "نعتقد أنّ بعض الناس مستعدون لتقبل إمكانية أن يدفعوا أقساطاً أقلّ في مقابل عدم اختيار الطبيب الخاص بهم، طالما أنهم يحصلون على العلاج عند المرض."

وبالفعل قدمت شركة التأمين لبوشاردي أدنى قسط في مقابل استخدام طبيب من قائمة أطباء الشركة، "فهذا لا يزعجني"، تقول بوشاردي وتضيف: "لكن في الوقت نفسه لا أود أن يصبح هذا هو الحال بالنسبة للبلد ككل. وهي التي تقوم في الأساس حول حرية الاختيار".

تقارير إضافية من Jan Dirk Herbermann.

شارك