مجلة منظمة الصحة العالمية

الاستراتيجيات الفعالة لاستبقاء الأطباء في مناطق أقصى شمال النرويج

Karin Straume a & Daniel MP Shaw b

a. Department of Health and Social Affairs, Governor of Finnmark County, Vardoeveien 46, Vadsoe, N-9800, Norway.
b. Independent consultant, Geneva, Switzerland.

المراسلة مع كارين ستراومKarin Straume (e-mail: karinstraume@hotmail.com).

(Submitted: 30 September 2009 – Revised version received: 22 February 2010 – Accepted: 25 February 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:390-394. doi: 10.2471/BLT.09.072686

المقدمة

نظام الرعاية الصحيّة في النرويج – وهي دولةً غنيةً ذات مساحةٍ واسعةٍ نسبياً بالمقارنة مع تعداد سكانها البالغ 4.8 مليوناً فقط – نظامٌ عمومي يوفر التغطية الشاملة المرتكزة على الضرائب. يتم تنظيم الرعاية الأوليّة الشاملة في النرويج على مستوى البلديات، بينما يتم تنظيم الرعاية التخصصية على المستوى الوطني عبر المؤسسات الصحيّة الإقليمية المسؤولة أمام وزارة الصحة مباشرةً.

تملك النرويج واحداً من أعلى معدلات كثافة الأطباء وغيرهم من المهنيين الصحيين في أوروبا. يتمتع المهنيون الصحيون بدخلٍ مرتفعٍ وبظروف عملٍ جيدةٍ. يتوافر التعليم العالي للجميع مجاناً، لكن ما تزال القدرات المحلية لتدريب الأطباء غير كافيةٍ. لذلك تُقدّم الحكومة للطلاب منحاً وقروضاً للدراسة في الخارج.

يتم في النرويج تطبيق سياسةٍ قويةٍ للتنمية الريفية ويتمتع المواطنون في كلا المناطق الريفية والحضرية بذات الحقوق القانونية في الحصول على خدماتٍ صحيّة جيدةٍ. ومع ذلك، شكّل توفير العدد الكافي من المهنيين الصحيين المؤهلين، ولا سيما الأطباء، تحدياً كبيراً لإيتاء الخدمة الصحيّة في الجزء الشمالي من النرويج خلال عقودٍ ماضيةٍ.(1)

الأزمة الريفية

واجهت النرويج نقصاً متقلّباً في أعداد الأطباء على المستوى الوطني خلال خمسة عقود، ويرجع معظمها إلى ازدياد الطلب على الرعاية التخصصية المتقدمة.2 منذ عام 1984 تم تنظيم الرعاية الأوليّة وتوظيف العاملين الصحيين واستبقاؤهم على مستوى البلديات. لا تملك البلديات الشمالية الصغيرة الأموال أو المهارات للتنافس مع الرعاية التخصصية في البلديات الحضرية في الجنوب.

شهدت النرويج في منتصف التسعينات نقصاً حرجاً في أعداد أطباء الرعاية الأوليّة. في عام 1997 بلغ متوسط نسبة الوظائف الشاغرة للأطباء 28% (3) وازداد إلى 37% في بعض البلديات الصغيرة. طبّقت البلديات للتخفيف من حدة الأزمة خطة استبدال قصيرة الأمد، حيث جاء معظم الأطباء البدلاء من السويد والدنمارك بتكلفةٍ كبيرةٍ.

تعاني النرويج من مشكلة التوزيع غير المتكافئ للعاملين الصحيين بين المناطق الريفية والحضرية منذ فترةٍ طويلةٍ. يوضّح الشكل 1 تركّز نقص هؤلاء العاملين في شمال النرويج وبعض المناطق على الساحل الغربي بشكلٍ خاصٍ، في حين يوجد عددٌ كافٍ من الموظفين في المناطق الشرقية الوسطى. تمّ تنفيذ عدة استراتيجيات لجذب العاملين الصحيين إلى شمال النرويج واستبقائهم هناك. كان إنشاء كلية الطب في ترومسو عاصمة شمال النرويج أكثر هذه الاستراتيجات شمولاً، حيث كانت الأفضلية في هذه الكلية للطلبة من الإقليم، وقدّمت مناوباتٍ تدريبية ريفيةٍ ضمن المنهاج الدراسي. ترك هذا التدبير أثراً إيجابياً كبيراً على الإمداد بالأطباء في الإقليم.(4)

الشكل 1. الوظائف الشاغرة لأطباء الرعاية الأوليّة عبر المقاطعات النرويجية، بين عامي 1997 و2002.

الأزمة في فينمارك

رغم أنّ مساحة مقاطعة فينمارك أكبر من سويسرا، يبلغ تعداد سكانها 73000 نسمةً فقط، يقيم معظمهم في قرى صيد الأسماك على طول الساحل وفي المستوطنات الداخلية التي يسود فيها السكان من قومية سامي الأصلية نصف الرحّل. لا تملك سوى ثلاث بلدياتٍ ما يزيد على 10000 نسمة، يوجد مستشفى صغير في اثنتين منهما (سعتهما 60 و100 سريرٍ، على التوالي). يوجد في ترومسو مستشفى جامعي وكلية طب، وهي أقربَ مدينة، وتقع في المقاطعة المجاورة (الشكل 1).

تمثّل الممارسة الطبية في فينمارك تحدياً، لا سيما على مستوى الرعاية الأوليّة. تجعل المسافات الطويلة والمناخ القاسي نقل المرضى إلى مرافق ذات مستوى أعلى صعباً للغاية. في المجتمعات النائية، يضطر العاملون الصحيون في مستوى الرعاية الأوليّة معالجة بعض الحالات التي عادةً ما يتم التعامل معها داخل المستشفيات في أنحاء أخرى من البلاد.

بلغت أزمة القوى العاملة الصحيّة في فينمارك ذروتها في عام 1997. في خريف ذلك العام، كان هناك 19 (23٪) وظيفةً شاغرةً لطبيب رعايةٍ أوليّة، و12 (15٪) وظيفةً أخرى يشغلها أطباءٌ غائبون في إجازةٍ طويلة الأمد. مما شكّل تهديداً لسلامة الرعاية الأوليّة بسبب هذا النقص الكبير في أعداد الأطباء وصعوبات البقيا اليومية التي واجهها الأطباء البدلاء الأجانب غير المجهزين لمواجهة التحديات الخاصة بالمقاطعة.

جمع المعلومات

حصلت فينمارك على التمويل من قبل وزارة الصحة لمعالجة الأزمة. في عام 1998، أُجرِي مسحٌ لاستكشاف العوامل المؤثرة في قرار أطباء الرعاية الأوليّة بالبقاء في شمال النرويج أو هجرتها.(5) كان عدم وجود فرص التطوير المهني هو السبب الأشيع للهجرة حتى أكثر من العوامل المتعلقة بالأجور وبعبء العمل. في حين كان أهم سببين للبقاء هما الجوانب الممتعة في الحياة الريفية وظروف العمل.

التدخّلات

حثّت نتائج المسح على تنفيذ تدخّلاتٍ جديدةٍ تهدف لتسهيل التنمية المهنية المستدامة في فينمارك. تركّزت الجهود على إيجاد التدخّلات القابلة للاستدامة في ظل نظام التدريب القائم.

تماشياً مع سياسة التنمية الريفية الوطنية القوية في النرويج، تم تصميم برامج تدريبية تخصصية في الممارسة العامة وطب الأسرة وكذلك في الصحة العمومية وطب المجتمع كنماذجٍ لامركزية يمكن تنفيذها في أي مكان من البلاد.(6) تعتمد هذه البرامج على التدريب أثناء الخدمة وتدريس مجموعات صغيرة، المتناقضين مع النماذج التعليمية التقليدية المرتكزة على المرافق التدريبية الكبيرة والمعتمدة على التدريس الشخصي. رغم تأكيد فعاليّة هذا النموذج التدريبي الجديد منذ عام 1985، لم يتم حتى الآن استكشاف قدرته على استبقاء الأطباء.

كذلك لم يخضع تدخلٌ آخر ألا وهو المعاودة الطبية للاستغلال الكامل. في النرويج، يجب أن يتدرّب خريجو كليات الطب كمعاودين لمدة 18 شهراً (بما في ذلك 6 أشهرٍ من الممارسة العامة) قبل حصولهم على الترخيص الكامل كأطباء. تتوافر في المناطق الريفية نسبةٌ عاليةٌ من تلك المعاودات، حيث يشكل المعاودون المصدر الرئيسي لتوظيف الأطباء في هذه المناطق. مع ذلك، فشل هذا التوظيف خلال أزمات العاملين الصحيين في التسعينات.

في عام 1998 تم إطلاق مبادرة معاودة الرعاية الأوليّة الجديدة في فينمارك. تم تقسيم المعاودين إلى مجموعاتٍ تدريسيةٍ وتشجيعهم على مناقشة كلًّ من التحديات التي تواجههم خلال ممارسة أدوارهم وحلولها المحتملة. كما وفّرت الاجتماعات فرصاً للتغلب على العزلة المهنية والاجتماعية عن طريق تأمين شبكة ربط للمعاودين مع زملائهم في البلديات المجاورة.(7)

يستفيد المعاودون الذين يقبلون تولي المناصب الشاغرة في فينمارك بعد انتهاء تدريبهم من وجودهم في مجموعات للتدرّب في الممارسة العامة وطب الأسرة أو في الصحة العامة وطب المجتمع، مع تغطية كافة نفقات هذا التدريب التخصصي.(8) عملت الرابطة الطبية في المقاطعة أيضاً على تنظيم دورات وزمالات مهنية مرتين في السنة. بذلك يمكن للأطباء التخصّص في الممارسة العامة وطب الأسرة أو في الصحة العامة وطب المجتمع دون أن يغادروا فينمارك. يتم إجراء كلٍّ من المعاودة والتدريب بعد التخرج في كافة البلديات الصغيرة في المقاطعة، وليس في مدنها فقط.

النتائج

تم إرسال نتائج مشروع المعاودة بتقاريرٍ سنويةٍ إلى وزارة الصحة ومؤخراً تم تقييمه بشكلٍ أشمل. تم تقييم مجموعات التدريب في الممارسة العامة وطب الأسرة وفي الصحة العامة وطب المجتمع لأول مرة في عام 2003، ومرة أخرى في عام 2009.

إنّ النتائج الرئيسة مشجعة: من أصل 267 خريجاً من كلية الطب ممن قضوا معاودتهم في فينمارك بين عامي 1999 حتى 2006، اتخذ نحو ضعفي العدد المتوقع منهم أول وظيفةٍ مرخصةٍ لهم في الإقليم. من أصل 53 طبيباً أتمّوا التدريب في مجال الممارسة العامة وطب الأسرة أو في مجال الصحة العامة وطب المجتمع في فينمارك بين عامي 1995 حتى 2003، لا زال 34 (65٪) منهم يعمل في المقاطعة بعد مضي 5 سنوات.

لتقييم أثر هذه النتائج، قد يقود استخدام التحليل البسيط لمعدلات الوظائف الشاغرة قبل التدخل وبعده إلى نتائجٍ مضللة، بسبب تأثّر سوق القوة العاملة للأطباء بعدة عوامل أخرى، إضافةً لتقلّب هذا السوق على مرّ الزمن. في عام 1997، اختيرت مقاطعة نوردلاند كمجموعة شاهد، لكن نتيجة النقص الحرج في أعداد الأطباء في عام 1998 سُمِح بتنفيذ بعض الاستراتيجيات سابقة الذكر فيها. كما يتضح من الشكل 1، تشكّل المقاطعة النائية في سوغن وفيوردانه الواقعة على الساحل الغربي أفضل مقاطعةٍ للمقارنة عن نفس الفترة من الزمن.

خلال التسعينات، لم يتلق النقص في أعداد الأطباء اهتماماً كافياً في مقاطعة سوغن وفيوردانه، مقارنةً مع فينمارك. نتيجةً لذلك، بعد تنفيذ التدخّلات، استمرت معدلات الوظائف الشاغرة في الازدياد في سوغن وفيوردانه، بينما بدأت هذه المعدلات بالانخفاض في فينمارك (الجدول 1). شهدت نوردلاند أيضاً تناقصاً ملحوظاً في معدلات الوظائف الشاغرة بعد تنفيذ تدابيرٍ مماثلةٍ. في عام 2002، تمت مواجهة المشكلة في سوغن وفيوردانه بشكلٍ جديٍّ باستخدام مقارباتٍ مماثلةٍ لما حدث في فينمارك، بعدها بدأت معدلات الوظائف الشاغرة بالانخفاض.(9)

المناقشة

لم تكن تدخّلات الدعم المهني الموصوفة مسؤولةً وحدها عن تحسين استبقاء الأطباء، والذي أعاقته عوامل متعددة على مر السنين، مثل تدفق سوق العمل؛ ومع ذلك، فقد أسهمت إلى حدٍ كبيرٍ في التحسينات المشار إليها وينبغي أن تدرسها البلدان الأخرى التي تواجه تحدياتٍ في استبقاء القوة العاملة الصحيّة الريفية. يتم التدريب بعد التخرج في معظم البلدان في المناطق المركزية ويتم توظيف الأطباء في المناطق النائية كمتخصصين مدربين بشكلٍ كاملٍ. لقد سمح النموذج النرويجي القائم على توفير التدريب في المناطق النائية بإمكانية ارتباط المتدربين وعائلاتهم بالمجتمعات الريفية خلال فترة التدريب.

لا يُنتِج هذا النموذج التدريبي أطباءً من "الدرجة الثانية". في الواقع، تتصف الممارسة الطبية الريفية بتحدياتٍ فريدةً كما توفّر ظروفاً ممتازةً للتعلّم عند دعمها بالإرشاد المناسب. تتسم المناهج التدريبية المعتمدة على المبادئ الحديثة في تعليم الكبار بالمرونة الكافية لتلبية حاجة التعلم عند المتدربين، يمكن أن يشمل التدريس في المناطق الريفية مواضيع سريريةً ذات أهميةٍ خاصةٍ بالممارسة الريفية، كما يساهم التدريس الجماعي بإتاحة الفرصة لإنشاء شبكةٍ مهنيةٍ في المنطقة باعتبارها وسيلةً لمواجهة العزلة المهنية خلال السنوات التالية. يتضمن النموذج النرويجي أيضاً التعليم الطبي المستمر الذي يمكن إجراؤه في المناطق النائية (الإطار 1). إنه ليس "عرضاً خاصاً" بالمناطق الريفية والنائية، وإنما يتبع ذات الأساليب المطبقة في جميع أنحاء النرويج كما أن اعتمادية هذا الاختصاص صالحةٌ في كل مكان من البلاد.

الإطار 1 . أهم الدروس المستفادة

  • يمكن تنفيذ التدريب الطبي بعد التخرج بنجاحٍ في المناطق النائية، بما يضمن التطور المهني ويصدّ العزلة المهنية، الأمر الذي يساهم في تحسين استبقاء القوة العاملة الصحيّة في الأماكن الريفية.
  • يسمح النموذج النرويجي الذي يوفّر التدريب الطبي بعد التخرج في المناطق النائية بإمكانية ارتباط المتدربين وعائلاتهم بالمجتمعات الريفية خلال فترة التدريب.
  • إنّ الممارسة الريفية قادرةٌ على تلبية المبادئ الحديثة لتعليم الكبار (التدريب القائم على حل المشكلات والمستند إلى حالات واقعية) وعلى توفير ظروفٍ تعليميةٍ ممتازة للأطباء في التدريب.

قابلية نقل النموذج

يمكن أن يستفيد أيُّ بلدٍ يواجه سوء توزيع المهنيين الصحيين بين المناطق الريفية والحضرية من تكييف نظمه التدريبية للمناطق الريفية، لمصلحة تحسين كل من التوظيف والاستبقاء في المناطق الريفية.(10) تقتضي المبادئ الحديثة لتعليم الكبار أن يرتكز التدريب على حل المشكلات ويستند إلى حالات واقعية؛ وتحقق الممارسة الريفية هذه الشروط وتقدم ظروفاً تعليميةً ممتازةً.

للأسف، في كثيرٍ من البلدان تحتكر هيئات مهنية محافظة التدريب بعد التخرج، وتفضل هذه الهيئات المقاربة المركزية. لذا يجب تغيير هذا العرف حرصاً على تحسين نظام الرعاية الصحيّة. إن هذا المثال النرويجي ليس فريداً في مواجهة التعليم الأكاديمي التقليدي: ففي جنوب أفريقيا وضمن ظروفٍ مختلفةٍ تماماً، تمّ بنجاحٍ كبيرٍ تنفيذ برنامج الماجستير الموسّع في مجال الصحة العامة بوجود مشاركين من مختلف الكوادر والعديد من بلدان المنطقة بوصفه نموذجاً للتعليم عن بعد خلال الخدمة.(11) تبيّن المراجعات الحديثة الأخرى أنه يمكن تحسين القوى العاملة الصحيّة الريفية من خلال الحلول المبتكرة ولكن البسيطة نسبياً.(12)

لا بد من النظر في السياق المحلي عند تنفيذ تدخّلات تحسين التوظيف والاستبقاء في المناطق الريفية. ويتضح هذا من تدخّلاتٍ مشابهةٍ في مواقعَ مختلفةٍ والتي حصلت على نجاحاتٍ متفاوتة.(13 -16) يتمتع المهنيون الصحيون بسماتٍ مشتركةٍ في جميع أنحاء العالم رغم التفاوت الواسع في ظروف العمل: هم على درجة عالية من التعلّم وحريصون على الاستمرار في التطور المهني خلال حياتهم العملية. من الهام توفير فرص حصولهم على ذلك في المناطق الريفية، كما في أماكن أخرى، بهدف استبقائهم ضمن الوظائف في المناطق الريفية النائية.


تضارب المصالح:

لم يُعلَن أيٌّ منها.

المراجع

شارك