مجلة منظمة الصحة العالمية

الفرص الناشئة لتوظيف القوى العاملة الصحية الريفية واستبقائها من خلال أنظمة التمويل الصحية اللامركزية

Mahjabeen Haji a, Varatharajan Durairaj b, Pascal Zurn b, Laura Stormont b & Maximillian Mapunda c

a. London School of Economics, London, England.
b. World Health Organization, 20 avenue Appia, 1211 Geneva 27, Switzerland.
c. World Health Organization, Dar-es-Salaam, United Republic of Tanzania.

المراسلة مع فاراثاراجان دوريراج Varatharajan Durairaj (e-mail: durairajv@who.int).

(Submitted: 01 October 2009 – Revised version received: 12 February 2010 – Accepted: 17 February 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:397-399. doi: 10.2471/BLT.09.072827

المقدمة

تتضمن اللامركزية بعثرة السلطة والوظائف والموارد المالية من السلطة المركزية إلى السلطات الإقليمية والمحلية. أصبحت الإصلاحات اللامركزية شائعةً في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض، ويعود ذلك على الأغلب إلى التحركات باتجاه الديموقراطية وانتشار الأنظمة الانتخابية متعددة الأحزاب والتحولات باتجاه اقتصاد السوق. على وجه الخصوص، تُعتبر لامركزية أنظمة التمويل ولاسيما في مجال الصحة سمةً شائعة للإصلاح في هذه البلدان، وميزتها الرئيسة هي الديناميكية التي بإمكانها أن تحققها في آلية تخصيص الموارد؛ فهي تستطيع أيضاً أن تيسِّر إعادة تخصيص الموارد من خلال أسلوب واضح وحساس ومتجه من القاعدة إلى القمة.(1) فهي تتمكن بالإضافة إلى إدخال موارد بشرية ومالية إضافية، أن تحسِّن من استعاملين الموارد الموجودة في مجال الرعاية الصحية، العاملين مثلاً.

يبحث هذا المقال في إمكانية أن تؤدي اللامركزية إلى تحسين توظيف القوى العاملة الصحية وأدائها واستبقائها في المناطق الريفية من خلال تعيين عائدات إضافية للقطاع الصحي وتحسين استخدام الموارد المالية المتاحة وإنشاء حوافز مالية للعاملين الصحيين. يعتبر هذا المقال أيضاً الأوضاع التي تتمكن من خلالها أنظمة التمويل الصحية اللامركزية أن تؤدي إلى تحسن استبقاء القوى العاملة الصحية، باستخدام أمثلة من بلدانٍ مختلفة متضمنةً البرازيل والصين وكوستا ريكا وغيانا والهند وكينيا والباكستان والفليبين ورومانيا ورواندا وتايلاند وأوغندا وجمهورية تنزانيا المتحدة وزامبيا.

لامركزية التمويل الصحي

وفقاً للأساس المنطقي للامركزية، فإن الوحدات المحلية الأصغر التي لديها الاستقلال والموارد الأكثر بإمكانها أن تستجيب بشكلٍ أفضل للحاجات المحلية وأن تدير أيضاً الموارد البشرية بشكلٍ أفضل. كما هو موضَّح في الشكل 1، تُبنَى أنظمة التمويل الصحية اللامركزية حول واحد أو أكثر من الموارد الرئيسة الثلاثة لتمويل الرعاية الصحية: وزارة الصحة والحكومة المحلية والمجتمع. عندما يعتمد نظام التمويل الصحي اللامركزي على أكثر من مورد، يظهر أن هذه الموارد معتمدة على بعضها (كما تشير الأسهم ذات الرأسين في الشكل 1). في بعض البلدان ذات الأنظمة الصحية اللامركزية مثل الصين والهند والفليبين وأوغندا وجمهورية تنزانيا المتحدة، توجد جميع الموارد الثلاثة لتمويل الصحة ولكن تحت أنماط مختلفة من اللامركزية. ضمن ذلك السياق، فإن الحوافز المالية التي تهدف إلى تحسين توظيف القوى العاملة الصحية وأدائها واستبقائها يمكن أن تصدر من كل واحد من موارد التمويل المذكورة. قد تتنوع طبيعة هذه الحوافز المالية بحسب تخويل وأهداف موارد التمويل المختلفة.

الشكل.1. التمويل الصحي اللامركزي وارتباطاته مع القوى العاملة الصحية

تشكل اللامركزية، عندما تشمل توزيع وظائف الموارد البشرية إلى المستوى المحلي (الحكومة أو إيتاء الرعاية الصحية أو المجتمع)، عمليةً صعبة خصوصاً أنها تتأثر بعوامل مؤسساتية وسياقية متعددة.2 بالرغم من أن الموارد المالية محدودة (لكنها سهلة المتابعة في ظروف اللامركزية)، لكن أنظمة التمويل الصحية اللامركزية تقدم الفرص لتكبير توافر الموارد والاستفادة منها. وتحديداً، كما هو موضَّح في الشكل 1، تيسِّر ثلاثة موارد بارزة هذه الغاية: (1) الاستقلال ضمن وزارة الصحة أو لامركزية إيتاء الرعاية الصحية، و(2) الموارد المحلية أو الحكومية اللامركزية، و(3) الموارد المجتمعية. يركز هذا المقال بشكلٍ رئيسي على الحوافز المالية من وزارة الصحة اللامركزية والأنظمة الحكومية المحلية.

فك ارتباط الأجور

حد القيود المالية الرئيسة على تمويل الرعاية الصحية هو المستوى المحدَّد من الاعتمادات المالية المخصَّصة لوزارة الصحة من وزارة المالية وفق فاتورة الأجور الصحية. تقدم اللامركزية المزيد من المرونة، خاصةً من خلال معالجة القيود المفروضة على الميزانية عن طريق فك ارتباط القوى العاملة الصحية بالخدمة المدنية وفاتورة الأجور الإجمالية. يزود هذا وزارة الصحة بالاستقلالية لضبط استخدام وحجم ميزانية الرواتب المتعلقة بالصحة، وكذلك تمكِّن استخدام القوى العاملة الصحية بشكلٍ مباشر من قبل الوحدات اللامركزية ذات استقلالية معينة عن الحكومة. وفضلاً عن ذلك، في الحالات التي يكون فيها للحكومات سقفاً للميزانية على فاتورة الأجور الإجمالية، يتيح هذا الخيار زيادة الإنفاق الصحي دون التأثير على ميزانية الراتب الإجمالية، فتسمح للمرافق الصحية المحلية بتوسيع قاعدتها من القوى العاملة الصحية.

استُخدمت هذه الإستراتيجية في الفليبين ورواندا وأوغندا وزامبيا فتبيّن أنها ناجحة بشكلٍ خاص في رواندا، التي فصلت جزئياً القطاع الصحي عن الفاتورة الإجمالية للأجور. دُفعِت رواتب العاملين الصحيين الأساسية في رواندا من فاتورة الأجور الإجمالية، في حين دُفِعت المخصصات الإضافية المستنِدة إلى الأداء من المنح الكتلية (منح لا تضع قيوداً صارمة على كيفية إنفاقها) المُقدَّمة إلى السلطات والمرافق على مستوى المنطقة الصحية (لا تُحسَب كجزء من فاتورة الأجور الإجمالية). أشارت تقييمات البرنامج بأن النظام سمح بتحكُّم أفضل بفاتورة الأجور الصحية على مستوى المنطقة الصحية والمرافق، وكانت المرافق قادرةً على تمويل الحوافز بشكلٍ أفضل لتحسين أداء العاملين الصحيين واستبقائهم. (2)

تحويل التوظيف

ثبت أن اللامركزية تحسِّن الكفاءة الإدارية في بعض الحالات عندما تم تحويل مسؤوليات تعيين العاملين الصحيين وفصلهم إلى المستوى المحلي. في جمهورية تنزانيا المتحدة، أدى التحويل الجزئي لعملية توظيف موظفي الرعاية الصحية الأدنى مرتبةً إلى مستوى المنطقة الصحية إلى تناقص العبء الإداري على المستوى المركزي، والذي تمكن من التركيز لاحقاً على وظائف توظيف العاملين ذوي المراتب الأعلى. لوحِظت زيادات مشابهة في الكفاءة في تايلاند، حيث تناقصت عملية التوظيف من 68 يوماً إلى 31 يوماً مع انتقال المسؤولية إلى الوزارات على المستوى المحلي. (3)

بيّن تحويل إجراءات التوظيف في الصين إلى مستوى البلدة بأن المراكز الصحية كانت أكثر قدرةً على تنسيق تكاليف العرض والطلب؛4 وأشارت دراسة واحدة في أوغندا بأن نحو 75% من العاملين الصحيين الذين تمَّت مقابلتهم ذكروا بأنَّ إجراءات دفع الراتب صارت أكثر فعاليةً بعد تحويلها إلى مستوى المنطقة.2 وأكثر من ذلك، فقد وجدت الدراسات أيضاً أن وظائف التشغيل المحوَّلة إلى سلطات التقسيمات الإدارية في الباكستان قد خفَّضت معدَّلات غياب الطبيب.(2)

العقود المرنة

تتمكن أنظمة التمويل اللامركزية من تيسير الاستخدام الفعَّال لمساعدات المانحين باستخدام هذه الاعتمادات المالية لتمويل رواتب القوى العاملة الصحية من خلال عقود مرنة قصيرة الأمد. تمَّ توضيح هذا ببرنامج التشغيل الإسعافي في كينيا، حيث قُدِّمت الموارد من قبل المانحين لتشغيل العاملين الصحيين بعقود لمدة ثلاث سنوات مرتبطة بالمناطق الجغرافية. سمح البرنامج بمطابقة أفضل للمرشحين مع المناصب الملائمة وأدى إلى تحسينات هامة في تعيين واستبقاء القوى العاملة الصحية في المناطق غير المغطاة بالخدّمة التي نُفِّذ فيها. (2)

حسَّن أيضاً استخدام العقود قصيرة الأمد التعيينَ في غيانا وجمهورية تنزانيا المتحدة، حيث نُفِّذت هذه العقود للسماح للعاملين المتقاعدين وغير المتفرغين بالتسجيل ثانيةً ضمن القوى العاملة الصحية، وبالتالي تخفيف العبء على العاملين الصحيين الحاليين. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الخبرات من كمبوديا زياداتٍ في المساءلة وانخفاضاتٍ في معدَّل الغياب والمدفوعات غير الرسمية على حد سواء مع تنفيذ مثل هذه العقود. (2)

المخصَّصات الإستراتيجية

إن الحاجة إلى معالجة النقص في القوى العاملة الصحية هي مركز النقاش العالمي الحديث. مع ذلك، توحي البينات بأنَّ معالجة عوامل أداء العاملين الصحيين (أي معدَّل الغياب، الإنتاجية، جودة الرعاية) مهمةٌ أيضاً، خصوصاً عندما تثبط القيود المالية توسع القوى العاملة الصحية. (5)

بينما يمكن استخدام الموارد المالية المتوفرة بشكلٍ مباشر لغايات التوظيف، يتضمن أحد أساليب معالجة عوامل أداء القوى العاملة الصحية واستبقائها الاستخدام الاستراتيجي للمخصَّصات ضمن القطاع الصحي. تستند رواتب العاملين الصحيين في القطاع العام عادةً على ميزان الدفع الوطني ولا تستند عادةً إلى مقاييس الأداء.5 يمكن أن تقدم الاستخدامات البديلة للمخصصات حوافزَ مباشرة لتحسين أداء العاملين الصحيين واستبقائهم، بالإضافة إلى تحسين نتائج إيتاء الرعاية الصحية، خصوصاً في المناطق غير المغطاة بالخدمة.

يعطي تحويل وظائف الموارد البشرية السلطات المحلية مرونةً أكبر واستقلالية مالية لإدارة الاعتمادات المالية والعاملين الصحيين. في الواقع، توحي التجارب من جمهورية تنزانيا المتحدة أنَّ الاستقلالية الجزئية في استخدام الموارد المتعلقة بالميزانية للعاملين الصحيين على مستوى المنطقة الصحية يرتبط إيجابياً مع تحسن أداء القوى العاملة الصحية وإيتاءٍ الرعاية الصحية.6 بشكلٍ مشابه، في الولاية كيرالا الهندية تبيّن أنَّ التدخل المالي الفعال من سلطات الحكومة المحلية أدى إلى تحسن أداء العاملين.1 فضلاً عن ذلك، شهدت البرازيل والصين وكوستاريكا ورومانيا ورواندا التنفيذ الناجح لأنظمة الدفع المرتبطة بأداء القوى العاملة في الصحة العمومية. (2)

شروط النجاح

توجد تحديات متعددة مرتبطة مع الاقتراحات والحوافز لدى فحصها في ضوء أنظمة التمويل الصحية اللامركزية. فمثلاً، يتطلب فك ارتباط القوى العاملة الصحية عن الخدمة المدنية وجود بنى تنظيمية قوية بالإضافة إلى قوانين عمل مرنة. عدا ذلك، بما أن السياسة تفترض ضمناً مستويات عالية من الاستقلال لوزارة الصحة في وضع فاتورة الأجور الصحية والرواتب، ينبغي وجود آلية فعالة للمساءلة. شكَّل هذا الموضوع تحدياً في زامبيا، حيث أدى فصل المجالس الصحية عن وزارة الصحة إلى شروط عمل أقل مساواةً، صارت فاتورة الأجور تأخذ قسماً متزايداً من ميزانية الصحة، محددةً بذلك الاستثمارات الأخرى.(2)

بالإضافة، بينما ثبت نجاح استخدام الاعتمادات المالية من المانحين لغايات القوى العاملة الصحية في بلادٍ مثل كينيا، يوجد العديد من التحديات المرتبطة بهذا الاقتراح. على سبيل المثال، تُخصَّص مساعدة المانحين عادةً لغايات نوعية وترتبط بأمراض معينة، مما يحدّ من مرونة استخدامها. فضلاً عن ذلك، بينما يمكن استخدام التمويل من المانحين بشكلٍ فعال لزيادة الحيِّز المالي لتحسين أداء القوى العاملة الصحية وتوظيفها واستبقائها، فإن استمرارية مثل هذا التمويل غير مضمونة.

توجد كذلك تحديات مرتبطة مع الاستخدام الملائم للموارد المالية محلياً. توحي الدراسات بأن زيادات الراتب تكون أكثر فعالية عندما تعتمد على تحقيق أغراض الأداء. وبينما يذكر أصحاب القرار السياسي عادةً بأنَّ الرواتب المنخفضة تؤدي إلى تدهور استبقاء القوى العاملة الصحية وسوء أدائها، لا يوجد سوى القليل من البيِّنات على أن زيادة الرواتب بحد ذاتها تؤدي إلى تحسن الأداء.7 بينت التجارب من مالاوي أنه عندما تمّت زيارة الرواتب للعاملين الصحيين بنسبة 50% تقريباً، كان هناك أثرٌ قليل على استبقاء القوى العاملة الصحية أو أدائها.8 من ناحية أخرى، وفي بلدانٍ مثل رواندا حيث ترتبط الرواتب بمؤشرات الأداء، لوحِظ تحسن في إنتاجية العاملين الصحيين وإيتاء الرعاية الصحية على حدٍّ سواء. ومع ذلك، يعتمد أيضاً التنفيذ الناجح للمخصصات الإستراتيجية، كما هي الحال مع الحوافز الأخرى، على العوامل المؤسساتية والسياقية مثل السعة على المستوى المحلي، والبنية الأساسية القانونية ومرونة الحكومة في تشريعات العمل.(2)

الاستنتاج

من الواضح بأنه يوجد طرائق أخرى يمكن أن تساهم أنظمة التمويل الصحية اللامركزية بها في توظيف القوى العاملة الصحية وإنجازها واستبقائها. على وجه الخصوص، تأمين استقلالية وزارة الصحة وفك ارتباط القوى العاملة الصحية عن القوى العاملة المدنية وتقديم حوافز الأداء الإستراتيجية، كلها وسائل يمكن من خلالها توظيف العاملين الصحيين واستبقائهم بنجاح. ولكن مثل هذه السياسات لا تعمل إلا إذا توافقت أغراض النظام الصحي مع البنى الملائمة المؤسساتية والمحفِّزة.


تضارب المصالح:

لم يُعلَن عن أيٍّ منها.

المراجع

شارك