مجلة منظمة الصحة العالمية

التدخلات في السياسات لاجتذاب الممرضات إلى المناطق الريفية: تجربة حول اختيارات منعزلة متعدِّدة البلدان

D Blaauw a, E Erasmus a, N Pagaiya b, V Tangcharoensathein b, K Mullei c, S Mudhune c, C Goodman c, M English c & M Lagarde d

a. Centre for Health Policy, University of the Witwatersrand, Private Bag X3, Johannesburg, 2050, South Africa.
b. International Health Policy Program, Bangkok, Thailand.
c. Kenya Medical Research Institute/Wellcome Trust Programme, Nairobi, Kenya.
d. Health Policy Unit, London School of Hygiene and Tropical Medicine, London, England.

المراسلة مع د. بلاوا D Blaauw (e-mail: duane.blaauw@wits.ac.za).

(Submitted: 01 October 2009 – Revised version received: 29 January 2010 – Accepted: 10 February 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:350-356. doi: 10.2471/BLT.09.072918

المقدمة

يُعدّ نقص العاملين الصحّيين في المناطق التي تشتد إليهم الحاجة فيها، مشكلةً هامّة تواجه النظم الصحية، ويميل المرضى الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الرعاية الصحية إلى العيش في المناطق الريفية والنائية، إلا أنّه من الثابت صعوبة استقطاب عاملين صحيين ماهرين للعمل في تلك المناطق واستبقائهم فيها،(1) ويسهم هذا التوزّع المتباين للعاملين الصحيين مباشرةً في الأعباء العالمية لاعتلال الصحة وعدم الإنصاف في نواتج الصحة؛ لذا لن يكون من الممكن تحسين نواتج الصحة عالمياً ما لم يُستقطب عدد أكبر من المهنيين الصحيين للعمل في المناطق الريفية والنائية.(2)

يُعدّ نقص العاملين الصحّيين في المناطق التي تشتد إليهم الحاجة فيها، مشكلةً هامّة تواجه النظم الصحية، ويميل المرضى الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الرعاية الصحية إلى العيش في المناطق الريفية والنائية، إلا أنّه من الثابت صعوبة استقطاب عاملين صحيين ماهرين للعمل في تلك المناطق واستبقائهم فيها،(1) ويسهم هذا التوزّع المتباين للعاملين الصحيين مباشرةً في الأعباء العالمية لاعتلال الصحة وعدم الإنصاف في نواتج الصحة؛ لذا لن يكون من الممكن تحسين نواتج الصحة عالمياً ما لم يُستقطب عدد أكبر من المهنيين الصحيين للعمل في المناطق الريفية والنائية.(2)

إنَّ الأمر يتطلّب بيّنات أكثر، وليس مراجعات أكثر، وما تزال حتى الآن كيفية الحصول على بيّنات جديدة غير واضحة، وخصوصاً في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض، فتقييم فعّالية تدخّلات الموارد البشرية لا يماثل اختبار نجاعة دواء، والعديد من استراتيجيات الموارد البشرية تتطلّب تغيير السياسات الوطنية، والقليل منها قابل لإجراء دراسات ذات شاهد،(10) ويتعيّن على الحكومات والمتبرّعين تشجيع القيام بتدخّلات الموارد البشرية وفق شروط مضبّطة أكثر تسمح بإجراء تقييم ملائم، إلاَّ أنَّ النداءات السابقة لتقوية مراقبة الإصلاحات الصحية في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض وتقييمها كانت قليلة الأثر.(11)

إضافةً إلى ذلك قد لا تكون بيّنات التأثير التي يعتدُّ بها إحصائياً في التجارب المضبّطة جيداً كافيةً لاتخاذ قرارات سياسية عملية مستنيرة، وقد كانت نتائج العديد من استراتيجيات الموارد البشرية في بعض القياسات ذاتية البيّنات، ومن المرجّح أن تحسّن الحوافز المالية للعمل في الريف التوظيف والاستبقاء هناك. إلا أنَّ السؤالين الحاسمين؛ كم يلزم من المال لبلوغ تأثير محدّد، وكيف تُقارن الاستراتيجيات المالية بخيارات السياسة الأخرى فرادى أو في توليفات. وطبعاً ستكون الإجابة على هذين السؤالين مختلفة باختلاف الأماكن، وما يحتاج إليه أصحاب القرار السياسي في الواقع معلومات عن التأثير النسبي وفعّالية تكلفة الحزم المختلفة من تدخّلات الموارد البشرية في بيئات متنوعة، ولا تتيسّر حالياً طرائق تقييم رصينة للإجابة على تلك الأسئلة.

يمكن في الوقت الراهن إجراء دراسات نموذجية أكثر لتحديد النتائج المحتملة لسيناريوهات السياسة المختلفة، وتُعدّ تجارب الاختيار المنفصل المفضّل المعلن طريقةً واعدة لإجراء بحوث الموارد البشرية في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض،(12) وهي طريقة كميّة لتقييم التأثير النسبي لصفات المنتج المختلفة على خيارات المستهلك،(13) وقد استُخدمت على نحوٍ واسع في بحوث الخدمات الصحية في المقام الأول لتقييم تفضيلات المرضى ورغباتهم في شراء النماذج المختلفة للتزويد بالخدمات الصحية،(14-16) إلا أنَّ تجارب الاختيار المنفصل استُخدمت في الدراسات الحديثة لتقييم الأهمية النسبية للعوامل المختلفة في خيارات عمل العاملين الصحيين.(17-19)

وقد كان الغرض من هذه الدراسة استخدام معطيات من تجربة اختيار منفصل لتمثيل الفعّالية النسبية لتدخّلات السياسة المختلفة على توظيف عمال تمريض في المناطق الريفية في ثلاثة بلدان مختلفة.

الطرائق

أجريت هذه الدراسة في كينيا وجنوب أفريقيا وتايلاند، وقد وُثّق في تلك البلدان الثلاثة نقص العاملين الصحيين المهنيين في المناطق الريفية، وتُعدّ كينيا نموذجاً للبلدان منخفضة الدخل ذات النتائج الصحية الرديئة والموارد المالية والبشرية المحدّودة للصحّة، وتعتمد تدخّلات سياسة الموارد البشرية الجديدة فيها إلى حدٍّ بعيد على المتبرعين،(20) أمّا جنوب أفريقيا وتايلاند فكلاهما من البلدان متوسّطة الدخل، ونصيب الفرد من الإنفاق الصحي فيهما أعلى، ولديهما أعداد كافية من العاملين الصحيين الماهرين، وقد أظهرا القدرة على إدخال سياسات جذّابة أو إلزامية للعاملين الصحيين للعمل في المناطق الريفية،(21-22) بيد أنهما يختلفان فيما يتعلّق بالنواتج الصحية، ويبيّن الجدول 1 مقارنة المؤشرات الرئيسية في البلدان الثلاثة. (والجدول متاح على العنوان http://www.who.int/bulletin/volumes/88/5/09-072918)

كانت تجربة الاختيار المنفصل هذه جزءاً من جمع معطيات خط الأساس لدراسة استباقية طولانية أكبر أجريناها على خريجي التمريض الحديثين في البلدان الثلاثة، وقد قدّرنا تبعاً للممارسة المعتادة في دراسات تجربة الاختيار المنفصل(13-17) الحاجة إلى عينة دنيا تبلغ 300 شخصاً للتمكّن من تحليل المجموعات الفرعية، وقد استخدمنا استراتيجية الاعتيان العنقودي المطبّق متعدّد المراحل، واختيرت الأقاليم قصداً من طبقات ريفية وحضرية، وجرى انتقاء كلّيات التمريض من كلّ إقليم فيما بعد حتى الوصول إلى حجم العينة المطلوب، وقد دُعي جميع الطلبة الذين قاربوا على الانتهاء من تدريبهم كممرضين مهنيين في الكليات المختارة للاشتراك في الدراسة الاستباقية، واستُكمل جمع المعطيات خلال عام 2008.

استخدمنا لتجربة الاختيار المنفصل تصميم الاختيار الموسوم مع وجود اختيارين في كل مجموعة اختيار، وكانت الخيارات المعروضة في التجربة الموسومة ذات واسمات خاصة، وفي هذه الحالة العمل في الريف والعمل في المدن، في حين وُسمت الخيارات في التصميم غير الموسوم أو العام ببساطة بالعمل A والعمل B. وقد استخدمت التصميمات غير الموسومة لتحديد قيمة الصفات التي يُفترض أن تكون عامة، في حين تُبرِز التصاميم الموسومة تقييمات نوعية بديلة. وقد استخدَمت معظم دراسات تجربة الاختيار المنفصل في منشورات اقتصاديات الصحة التصميم العام، وكان لدينا أسباب عديدة لاستخدام الخيارات الموسومة: أولاً؛ توقّعنا أنَّ خصائص عمل معيّن لا تُقيّم وفق الدرجة ذاتها لدى العمل في الريف مقارنةً بالعمل في المدن (فمثلاً يبدو أن السكن الأفضل قُيّم على نحوٍ أعلى لدى أخذ التوظيف في الريف بالحسبان مقارنةً بالتوظيف في مناطق المدن)، وثانياً؛ تُمكِّننا الاختيارات الموسومة من تصميم نموذج بمستويات صفات مختلفة من أجل اختيارين (كتطبيق الحوافز المالية على العمل في الريف فقط)، وثالثاً؛ يسمح التصميم الموسوم بتمثيل دقيق أكثر لتأثير تدخّلات السياسة على اختيار عمال التمريض للتوظيف في الريف.

اتّبعنا في الصياغة النهائية لأداة تجربة الاختيار المنفصل الخطوات المعيارية الموصى بها لضمان رصانتها،(24) وقد بدأنا بتحديد الصفات والمستويات التي يتعيّن تضمينها في الدراسة، وكان قصدنا المحدّد التركيز على خصائص العمل التي تؤثر على اختيارات العمل في الريف، وتكون طيّعة للتدخّلات السياسة لاختبار أثرها المحتمل في بيئات البلدان المختلفة. وقد راجعنا المنشورات الدولية للاطِّلاع على انتقاء الخيارات السياسية التي يتعيّن تضمينها، وقمنا بعمل نوعيّ تحضيري في كلّ بلد وفق ما لُخِّص في الجدول 2 (وهو متاح على العنوان: http://www.who.int/bulletin/volumes/88/05/09-072918/en/index.html).

بعد ذلك استكملنا تكرارات عديدة من تطوير التصميم والاستشارة في البلدان الثلاثة للوصول إلى تصميم متماثل يسمح بالمقارنات، ولكنه يُعنى بالمواصفات المحلّية أيضاً. ثمّ أُجريت دراسات ارتيادية في كل بلد أفضت إلى صقل التصميم أكثر (الجدول 2). ويلخّص الجدول 3 التصميم النهائي المستخدم في كلّ بلد، وقد كانت الخيارات السياسية التي قيمناها:

  • تقديم علاوات مالية للعمل في الريف باستخدام زيادات الراتب النسبية لتسهيل المقارنة بين البلدان.
  • تيسير مرافق سكن أفضل.
  • فرص تفضيلية للتدريب التخصّصي.
  • ترقية المرتبة على نحوٍ أسرع.
  • تيسير حزمة منافع تختلف باختلاف البلد.
  • تغيير ثقافة مكان العمل من الإدارة الهرمية إلى الإدارة المترابطة العلاقات.

أُدرج نمط المرفق في التصميم أيضاً لأنّه عُرف كمحدّد هام لاختيارات العاملين الصحيين، وكان للتحفيز المالي أربعة مستويات يمكن من خلالها تقييم التأثيرات غير الخطّية، في حين كان لجميع الصفات الأخرى مستويين (الجدول 3)، ونجم عن تلك المواصفة تصميم ذو 8192 توليفة ممكنة (أي 112× 4) بين الصفات والمستويات. وقد استخدمنا مختصرات تجربة الاختيار المنفصل لبرنامج SAS (SAS، كاري، كارولاينا الشمالية، الولايات المتحدة الأمريكية) لانتقاء توليفات تصميم التأثيرات الرئيسية المستقلّة إحصائياً، ومن ثمّ تنظيم المرتسمات المنتقاة في تصميم الاختيار الأكثر كفاءة - D بناء على متثابتات تصميمنا،(25) ووجد في التصميم النهائي 16 مجموعة اختيار. وقد أديرت أداة تجربة الاختيار المنفصل في كينيا وجنوب أفريقيا باللغة الإنكليزية، وفي تايلاند بالتايلاندية.

أجري تجميع معطيات خط الأساس لطلبة التمريض في السنة الأخيرة في قاعات الدروس، وشرحنا استبيان تجربة الاختيار المنفصل للمجموعة، وقد أتمّه أعضاؤها فيما بعد وحدهم، كذلك أتمّ الطلبة استبيان ثانٍ عن المعلومات الديموغرافية الأساسية، وأجرينا في كلّ كلية مناقشة جماعية تضمّنت ارتجاعاً لاستبيان تجربة الاختيار المنفصل (الجدول2).

أُدخلت معطيات تجربة الاختيار المنفصل ودُقّقت وحُلّلت باستخدام برنامج STATA، النسخة 9 (شركة ستاتا Stata، محطة الكلية، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية) وبرنامج Nlogit، النسخة 4 (البرامج الاقتصادية القياسية، شركة محدودة، بلين فيو، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية). أُجري التحليل الأساسي بوساطة نموذج لوغاريتم الأرجحية متعدّد الحدود، واستخدمنا النموذج النوعي للبلد والنموذج المجمّع كليهما للمقارنة بين البلدان، وقد كان تحليل معطيات تجربة الاختيار المنفصل المجمّعة باستخدام نموذج لوغاريتم الأرجحية متعدّد الحدود إشكالياً؛ لأنَّ معاملات النموذج أُربكت بمتثابتة السُلّم (λ) التي تتناسب عكسياً مع تفاوت خطأ النموذج،(13-26) ويُعقّد ذلك المقارنات بين مجموعات المعطيات؛ لأن الاختلافات الملحوظة في المعاملات قد تقيس تأثيرات (التفاوت) بدلاً من قياس التباينات الحقيقية. والمشكلة المعروفة جيداً للتحاليل التي تؤلّف معطيات التفضيل المبيّنة والمعروضة،(27) وتتطلّب تمثيلاً إحصائياً أكثر تعقيداً.(28) وقد استخدمنا تبعاً لروز وآخرين(29) مكوّنات نموذج لوغاريتم الأرجحية المختلط من أجل التحليل، واختبار تشاو لتباينات الاختبارات شكلياً بين المعاملات.(30) واستُخدمت نسب الأفضلية ومجالات موثوقيّتها لمقارنة الأهمية النسبية للصفات، في حين قُيّمت تفضيلات المجموعات الفرعية المختلفة بإدراج قيم التآثر في نماذج التحوّف. وأخيراً؛ استُخدمت نماذج لوغاريتم الأرجحية المختلطة للتنبؤ بتأثير تغيّرات الصفات (السياسات) المختلفة على نسبة طلبة التمريض الذين يختارون العمل في الريف.

احتُرمت المعايير الأخلاقية الوطنية والدولية في مشروع البحث، وقد راجعت بروتوكول البحث لجان الأخلاقيات في المؤسسات الأكاديمية للباحثين في كينيا وجنوب أفريقيا وتايلاند والمملكة المتحدة، كذلك أجازت السلطات الحكومية والتعليمية ذات الصلة في كلّ بلد إجراء البحث.

النتائج

بلغ عدد خريجي التمريض المؤهلين في الكليات المختارة 1429 خريجاً، وافق منهم 1064 (74.5%) على الاشتراك في الدراسة؛ 345 في كينيا و377 في جنوب أفريقيا و342 في تايلاند، وكانت معدّلات الاستجابة في البلدان الثلاثة 65.2% و87.9% و74.7% على التوالي، ويبيّن الجدول 4 الخصائص الديموغرافية للمشتركين. وقد كان طلبة التمريض التايلانديون أصغر سناً، ومعظمهم من الإناث، وغير متزوجين، وليس لديهم أطفال، في حين كان طلبة كينيا وجنوب أفريقيا أكبر سناً، وكان العديد منهم متزوجاً، ويوجد لدى أكثر من نصفهم أطفال، وتميّزت كينيا بوجود أعلى نسبة من الطلبة الذكور، وكان الطلبة من أصل ريفي أكثريةً في كينيا وتايلاند، في حين كانوا أقلّ من نصف المشتركين بقليل في جنوب أفريقيا.

مُثّلت النتائج من نموذج لوغاريتم الأرجحية المختلط بيانيّاً في الشكل 1 الذي يقارن تأثير تدخّلات السياسات المختلفة والخصائص الفردية على أرجحية اختيار العمل في الريف في كلّ بلد، وللتبسيط لم يوضّح الشكلُ الثابت الريفي أو الصفات الحضرية، إلاّ أنها أُدرجت في النموذج. ويبيّن النموذج الإحصائي 60.0% من الاستجابات المتوقعة على نحوٍ مضبوط من كينيا، و62.6% من الاستجابات من جنوب أفريقيا، و75.2% من الاستجابات من تايلاند. وقد كانت جميع التدخّلات السياسية المبينة في الشكل 1 ذات اعتداد إحصائي كعوامل مؤثرة في اختيار العمل في الريف (في المستوى 0.05) باستثناء وجود فرص ترقية أفضل في تايلاند، والتغيير في ثقافة الإدارة في جنوب أفريقيا، أمّا فيما يتعلّق بالخصائص الفردية فقد أظهر الأصل الريفي فقط اعتداداً إحصائياً في البلدان الثلاثة.

الشكل 1. الأهمية النسبية لتدخلات سياسة الموارد البشرية المختلفة والخصائص الفردية في تجربة الاختيار المنفصل لدراسة اختيار عمال التمريض للتعيين في المناطق الريفية في كينيا وجنوب أفريقيا وتايلاند عام 2006.

شير الشكل 1 إلى أنَّ التفضيلات من أجل تدخّلات سياسات الموارد البشرية المختلفة كانت متباينة بين البلدان؛ فقد كان طلبة التمريض الكينيون محايدين لنمط المرفق، في حين كان أرجحية اختيار الطلبة التايلانديين للعمل في مستشفى ريفي أعلى 4.3 مرّة (مجال الموثوقية 95%: 3.3 – 5.6) مقارنةً بمركز صحي ريفي، وفضّل طلبة جنوب أفريقيا فعلياً العيادات الريفية. وكانت تدخّلات السياسة الأكثر فعّاليةً في استقطاب خريجي التمريض للريف في كلٍّ من كينيا وجنوب أفريقيا تقديم الحوافز المالية للعمل هناك، والحصول التفضيلي على تدريب تمريضي تخصّصي؛ فإتاحة علاوة عمل في الريف بنسبة 30% مثلاً ستجعل أرجحية اختيار خريجي التمريض في كينيا وجنوب أفريقيا للريف أعلى بـ 12.4 مرّة (فاصل ثقة 95%: 9.6 – 15.9) و7.7 مرّة (فاصل ثقة 95%: 6.0 – 10.0) على التوالي، بيد أنَّ أرجحية قيام طلبة التمريض التايلانديين بذلك كانت أعلى بمرتين فقط (فاصل ثقة 95%: 1.5 – 2.7). وفي جنوب أفريقيا زادت إتاحة التخصّص في وقت أبكر لخريجي التمريض الذين يختارون الريف من أرجحية القبول بالعمل هناك 6.7 مرّة (فاصل ثقة 95%: 5.5 – 8.1)، وكانت أكثر فعّالية من زيادة الراتب بنسبة 20%. أمّا فيما يتعلّق بالمستجيبين التايلانديين فقد كان السكن المحسّن وحزمة المنافع الصحية الموسّعة أكثر أهميةً من زيادة الراتب بنسبة 30%، وعلى العموم فإنَّ الترقية الأسرع وتغيير ثقافة الإدارة كانت العوامل الأقل إقناعاً للخريجين بقبول التوظيف في الريف.

لم يكن العمر والجنس والحالة العائلية والأمومة منبئات ثابتة في نماذجنا لاختيار الريف، وكان الخريجون التايلانديون متجانسين جداً بما لا يُمكِّننا من اختبار بعضٍ من تلك العوامل، وفي حين كان اختيار التوظيف في المدن أكثر أرجحية لدى طلبة جنوب أفريقيا الأصغر سناً أو العازبين أو من لديهم أطفال أكثر، فضّلت المجموعات ذاتها في كينيا العمل في الريف، وكان احتمال اختيار الإناث الخريجات للتوظيف في الريف أقلّ، ولكن على نحوٍ لا يعتدّ به. وعلى أيّ حال اقترنت ولادة الخريج في مناطق ريفية في البلدان الثلاثة باختيار العمل في الريف على نحوٍ يعتدّ به، وكان تأثير ذلك مماثلاً لزيادة في الراتب بنسبة 10%؛ فمثلاً كان من المرجّح أن يختار الخريجون من المناطق الريفية في جنوب أفريقيا العمل في الريف أكثر من أولئك الذين وُلدوا في المدن (نسبة الأرجحية: 2.7، فاصل ثقة 95%: 1.9 – 3.6).

يبيّن الجدول 5 اختبار الإحصاء المنهجي للتباينات في معاملات النموذج بين البلدان، وقد كانت معظم تلك التباينات هامّة جداً، وهذا يثبت أنَّ عمال التمريض في البلدان الثلاثة يقيّمون تدخّلات سياسات الموارد البشرية على نحوٍ متباين.

يعرض الجدول 6 نسبة خريجي التمريض الذين سيختارون العمل في الريف لدى استخدام نموذج لوغاريتم الأرجحية المختلط لمحاكاة تأثيرات تدخّلات السياسات المختلفة كلّ بمفردها أو بالتأليف فيما بينها، ويبدو بوضوح أنَّ تايلاند تواجه وضعاً أقل صعوبةً في توظيف عمال التمريض في المناطق الريفية مقارنةً بكينيا وجنوب أفريقيا، فحتى في غياب أيّ من تدخّلات سياسة الموارد البشرية سيختار 84.2% من خريجي التمريض التايلانديين الحديثين العمل في الريف مقارنة بـ 43.4% من خريجي التمريض في كينيا، و36.0% من خريجي جنوب أفريقيا؛ لذا فإنَّ تدخل السياسة المفرد الأكثر فعّالية في تايلاند (حزمة المنافع الصحية الموسَّعة) لن يزيد قبول التوظيف في الريف إلا بنسبة 8.4 نقاط مئوية فقط.

ولكن في جنوب أفريقيا وكينيا يمكن أن يتزايد عدد خريجي التمريض المستعدّين للعمل في المناطق الريفية دراماتيكياً إذا ما أدخلت استراتيجيات الموارد البشرية المتنوعة؛ فالنموذج يتنبأ مثلاً أنَّ تحفيز العمل بالريف مالياً بعلاوة نسبتها 30% سوف يزيد نسبة خريجي التمريض الذين يختارون الريف إلى 75% في جنوب أفريقيا، و79.8% في كينيا. كذلك سيكون الحصول التفضيلي على تدريب تخصّصي فعّالاً في كينيا وجنوب أفريقيا خصوصاً، ولكن دون تأثير في تايلاند.

يسمح استخدام نموذج تجربة الاختيار المنفصل أيضاً بالتنبؤ بتأثير أيّ تأليف بين السياسات، ويبيّن الجدول 6 ثلاث أمثلة على ذلك، ويُعدّ التأليف بين جميع التدخّلات غير المالية حزمة سياسات فعّالة ستحثّ نسبةً من خريجي التمريض تبلغ 86.3% في جنوب أفريقيا و82.5% في كينيا و98.1% في تايلاند على اختيار الريف. وإذا ما أُدرجت جميع استراتيجيات الموارد البشرية التي ضمّناها في تصميمنا فإنَّ أكثر من 95% من طلبة التمريض سيختارون العمل في منطقة ريفية في البلدان الثلاثة جميعها. وعلى أيّ حال قد يكون تقديم علاوة عمل في الريف بنسبة 10% لعمال التمريض بالإضافة إلى فرص تدريب تفضيلية في المناطق الريفية عملياً أكثر في البلدان ذات الدخل المتوسط أو المنخفض، وستزيد تلك الاستراتيجية قبول العمل في الريف بـ 46.0 نقطة مئوية في جنوب أفريقيا، و34.0 نقطة مئوية في كينيا، وستكون أكثر فعّاليةً في جنوب أفريقيا مثلاً من زيادة علاوة الريف بنسبة 30%، في حين سيكون تأثير كلتا الاستراتيجيتين متماثلاً في كينيا. أمّا في تايلاند فإن توليف علاوة الريف والتدريب سيكون غير فعّال نسبياً؛ لأنه سيؤدي إلى زيادة قدرها 3.3 نقاط مئوية فقط في عدد عمال التمريض اللذين سيختارون التوظيف في الريف.

المناقشة

لقد استخدمنا معطيات تجربة الاختيار المنفصل لتقدير درجة تقبّل عمال التمريض في كينيا وجنوب أفريقيا وتايلاند للحوافز المختلفة، ولتمثيل التأثير المحتمل لاستراتيجيات الموارد البشرية المختلفة على التوظيف في الريف في تلك البلدان. وبغياب تيسّر المعطيات من دراسات تقييم رصينة فإنَّ مثل هذا التحليل سيزوّد بقدرة مفيدة على فهم الفعّالية المحتملة لتدخّلات سياسات الموارد البشرية المختلفة. وتقدم تجربة الاختيار المنفصل بعض البيّنات الراهنة فقط على الأهمية النسبية لتعلّق العمال الصحيين بالحوافز واستراتيجيات الموارد البشرية المختلفة،(12) ويناقش البعض أنّ حزم الحوافز أساسية لتحسين توزيع الموارد البشرية،3 وتُعدّ تجربة الاختيار المنفصل إحدى الطرق القليلة المتيسّرة للمقارنة بين تلك الحزم، وستبيّن الإصدارات اللاحقة أيضاً كيف يمكن استخدام معطيات تجربة الاختيار المنفصل لتمثيل فعّالية تكلفة استراتيجيات الموارد البشرية المختلفة.

تثبت موجوداتنا أن الحوافز المالية هامّة جداً في إقناع العمال الصحيين باختيار التوظيف في الريف، وخصوصاً في البلدان الأكثر فقراً، ولكن عندما تكون كبيرة على نحو مناسب، وقد كانت زيادة الراتب بنسبة 10% في دراستنا غير فعّالة نسبياً في البلدان الثلاثة جميعها (الشكل 1). وتعدّ الاستراتيجيات غير المالية مهمة أيضاً؛ فقد كان السكن المحسّن والترقية المُبكرة فعّالة باعتدال، ولكن كان الحصول التفضيلي على التدريب وفرص التطوير المهني من الاستراتيجيات غير المالية المؤثّرة جداً، وقد أفضت دراسات الموارد البشرية الأخرى المسندة إلى تجربة الاختيار المنفصل في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض إلى نتائج مماثلة؛(12) فمثلاً تُبيّن دراسة حديثة من جمهورية تنزانيا الاتحادية أنَّ فرص التعليم الأفضل وزيادات الراتب كانت رافعات السياسات الأكثر تأثيراً لاستقطاب الموظفين السريريين للعمل في المناطق النائية،(31) وقد بيّنا أن التغيرات في ثقافة الإدارة كانت غير هامّة نسبياً في جنوب أفريقيا على نقيض دراسات سابقة أشارت إلى ذلك،(18) وربما يكون وراء ذلك أنَّ الخريجين الشبّان لم يضعوا تفضيلات واضحة لأساليب الإدارة المختلفة، ففي حين يفضل العديدون مدراء شخصيين داعمين، يناقش آخرون في الحاجة إلى إدارة هرمية رسمية للمحافظة على الانضباط وإدارة الموارد على نحوٍ ملائم.

لمعظم الاستراتيجيات غير المالية آثار مترتّبة على الميزانية؛ لذا فإنَّ تدخّلات السياسات المالية وغير المالية ستتطلّب مقداراً كبيراً من الموارد المالية الإضافية التي لا تتيسّر في الوقت الراهن في معظم البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض،(32-33) وتُعدُّ فرص التدريب التفضيلية جذّابة لأنّها يمكن أن تزوّد بعائدات اقتصادية مستقبلية أيضاً، وقد أكّد ذلك عمال الصحة في المناقشات الجماعية. ولكن المثير للانتباه تأثير حزم منافع محدّدة مثل منح سيارة لعمال التمريض في ريف جنوب أفريقيا التي تُخصَّص للموظفين في مناصب أعلى عادة، فقد ضاعفت التأثير المتوقّع من قيمتها المالية المكافئة، وربّما يكمن تفسير ذلك في المظهر الاجتماعي المتعلّق بمثل تلك المنح.

كان الأصل الريفي الوحيد من جميع الخصائص الفردية المذكورة هنا المترافق بزيادة هامّة في أرجحية اختيار العمل في الريف، ويشير ذلك على أيّ حال أنَّ الانتقاء التفضيلي للطلبة الريفيين في معاهد التدريب يمكن أن يكون استراتيجية فعّالة، ويدعم ذلك مقولة أن سياسات انتقاء الطلبة تُعدّ المكوّن الرئيسي لحزمة تدخّلات الموارد البشرية.(7)

أُقرّ بوضوح وجود محددات لتجارب الاختيار المنفصل في مكان آخر؛(12) فتلك التجارب يمكن أن تتضمّن فقط مجموعة مقيّدة من الصفات تحدّ من مجالها وواقعيّتها، وهي تعوّل على التفضيلات المذكورة، وليس القرارات الواقعيّة، ولكنّ تحليل معطيات التفضيلات الظاهرة لا يكون دقيقاً دوماً،(24) وأخيراً؛ يحدُّ تعقيد تصميم تجارب الاختيار المنفصل وتحليلها من التطبيق الواسع، وقد يهدّد الفشل في مجاراة التطويرات المنهجية رصانة الدراسة ومصدوقيّتها.(34-35) وتُعدّ دراستنا أكبر الدراسات المسندة إلى تجربة الاختيار المنفصل حول الموارد البشرية في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض حتى الآن،(12) إلاَّ أنَّ إيجاد معطيات مُمثِّلة وطنيّاً يتطلّب عيّنات أكبر حجماً، واستراتيجيات اعتيان معقّدة، وموارد أكثر.

تبيّن هذه الدراسة التي تُعدّ واحدةً من أوائل دراسات تجربة الاختيار المنفصل الموسومة، وتجربة الاختيار المنفصل متعدّدة البلدان الأولى التي يمكن تمييزها في المنشورات الصحية، أنّ التمثيّل المتقدّم أكثر ممكنٌ بوساطة تجارب الاختيار المنفصل الموسومة. وتعدّ التصاميم الموسومة وثيقة الصلة بأسئلة الموارد البشرية خصوصاً، بل يجب أن تستخدم على نحوٍ أوسع في البحوث الصحية،(36) ولا توجد إلا بضعة دراسات متعدّدة البلدان في كامل منشورات تجارب الاختيار المنفصل،(29) ربما لأنّها تمثل تحديات هامّة في التصميم والتحليل، وبالرغم من كلّ ذلك يمكن استخدامها لاستقصاء التباينات السياقية في تفضيلات العاملين الصحيين واستجاباتهم، وهذا الميدان من البحث لم يُطوّر بعد.

في الواقع الكثير من المعطيات والمقالات المتعلّقة باستبقاء القوى العاملة الصحية في المناطق الريفية والنائية لا تعير اهتماماً كافياً لاختلاف التفضيلات الفردية، ويجب ألا تكون غاية بحوث سياسات الموارد البشرية تحديد مجموعة مثبتة من الاستراتيجيات المعيارية لتطبيقها في أيّ بيئة. وتُثبت دراستنا التمثيلية أنَّ الحوافز المالية وغير المالية فعّالة في حثّ عمال التمريض على الانتقال إلى المناطق الريفية والنائية، وأنَّ حزمة التدخّلات أكثر فعّاليةً من الاستراتيجية المفردة، وقد تبيّن أيضاً أنَّ البلدان المختلفة تتطلّب توليفات مختلفة كليّاً لسياسات الموارد البشرية. إضافة إلى ذلك من المرجح أنَّ استجابة عمال التمريض والأطباء والفئات الأخرى من العاملين الصحيين ستكون مختلفة لمجموعة محدّدة من الحوافز، وقد بيّنا في هذه الدراسة أنَّ المجموعات الفرعية المختلفة من خريجي التمريض كانت ذات تفضيلات مختلفة، وفي الدراسات المستقبلية سنقارن اختيارات الأصناف المختلفة من العاملين الصحيين. ومن المرجّح أنَّ حزم التدخّلات ستكون أكثر فعّالية من السياسات الفردية لاستقطاب العمال الصحيين إلى المناطق الريفية؛3 ليس فقط لأنَّ السياسات الفردية تكون ذات تأثير جمعي، بل لأنَّ المجموعات الفرعية المختلفة من العمال الصحيين تستجيب على نحوٍ مختلف لمكوّنات مختلفة، وتُعدّ تجربة الاختيار المنفصل أداةً هامّة لاستقصاء مثل تلك التغايرية الفردية.

الاستنتاج

تثبت هذه الدراسة أنَّ تجارب الاختيار المنفصل يمكن تصميمها لمساعدة أصحاب القرار السياسي في اختيار تدخّلات سياسات للموارد البشرية أكثر فعّالية لمعالجة نقص المهنيين الصحيين في المناطق الريفية والنائية، وقد حسبنا كميّاً الأهمية النسبية للعوامل المختلفة في اختيارات الحياة المهنية لعمال التمريض، وبيّنا أنَّ تقبّل عمال التمريض لسياسات الموارد البشرية المختلفة تختلف جوهرياً بين البلدان، ويشير ذلك إلى أنَّ حزم التدخّلات التي توضع تبعاً للشروط المحلية يرجّح أن تكون فعّالة أكثر من الأساليب العالمية المعيارية، وهذه الإضاءات يجب أن توجّه برنامج عمل بحوث الموارد البشرية المستقبلية في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض.


التمويل:

هذا البحث نتاج اتحاد النظم الصحية العادلة، وقد موَّلته إدارة المملكة المتحدة للتطوير الدولي لصالح البلدان النامية.

تضارب المصالح:

لم يصرَّح بشيء.

المراجع

شارك