مجلة منظمة الصحة العالمية

كيف يمكن أن تسهم كلّيات الطب في تعليم أطباء الريف وتوظيفهم واستبقائهم في مناطقهم؟

James Rourke a

a. Faculty of Medicine, Memorial University of Newfoundland, St John's, NF, A1B 3V6, Canada.

المراسلة مع جيمس روركي James Rourke (e-mail: dean.medicine@mun.ca).

(Submitted: 06 October 2009 – Revised version received: 13 February 2010 – Accepted: 16 February 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:395-396. doi: 10.2471/BLT.09.073072

المقدمة

غالباً ما يكون حصول الناس الذين يعيشون في المناطق الريفية على رعاية صحية ملائمة صعباً بسبب النقص الكبير في عمال الرعاية الصحية الريفيين المتعلّمين محليّاً على نحوٍ ملائم، وبسبب بُعد المراكز الصحية الحضرية الأكبر، وما يتطلّبه الوصول إليها من وقت وتكاليف انتقال. وينجم هذا النقص عن عوامل عديدة منها التعليم الطبي وظروف الممارسة والنظام الصحي الاعتبارات التنظيمية والاجتماعية والشخصية والعائلية والمالية,(2،1) ويستلزم تطوير قوى عاملة كافية ومستدامة من أطباء الريف تعهّد المجتمعات والحكومات وكلّيات الطب وتعاونها.

يمكن أن يؤدي التعليم الطبي دوراً هاماً في توظيف الأطباء واستبقائهم في الريف,(3) إلا أنَّ أغلب كلّيات الطب في العالم توجد في المدن الكبيرة، ومعظم طلبة الطب يشبُّون في المناطق الحضرية الميسورة، ويتعلّمون القليل عن حاجات الرعاية الصحية في الريف، ويخبرون القليل عن التعلّم الطبي في البيئة الريفية. ويسعى معظم الأطباء المتخرجين تقريباً إلى الممارسة في المدن الكبيرة، وتذهب قلّة قليلة منهم إلى الممارسة في المناطق الريفية.

طوّرت بعض كلّيات الطب في المدن الكبيرة برامج خاصة لتعليم الأطباء من أجل المناطق الريفية، وتتوضّع بعض كلّيات الطب في مدن صغيرة ضمن مناطق ريفية واسعة، وتركّز على ريف المنطقة، وللأسف غالباً ما يعمل خريجو تلك الكلّيات في خدمة سكان الريف خارج مناطقهم أيضاً؛ فالعديد من خريجي كلّيات الطب في الكثير من البلدان النامية وخصوصاً في أفريقيا يذهبون في الأغلب إلى الممارسة في الريف، ولكن ليس في أفريقيا، بل في البلدان المتطوّرة حيث يجري استقطابهم لخدمة سكان الريف هناك.

المسؤولية الاجتماعية

يجب أن تعمل كلّيات الطب في إطار مسؤولية اجتماعية تشمل مسؤوليتها تجاه مناطقها، وثمة أربعة أسئلة جوهرية تركّز على كيفية تمكّن كلّيات الطب من المساهمة في تعليم الأطباء وتوظيفهم واستبقائهم في الريف في مناطقها، وما ورائها.

طلاب المناطق الريفية

هل يمكن قبول طلبة المناطق الريفية في برامج تعليم الأطباء في كلّيات الطب؟ من الضروري لتخطيط القوى العاملة أن يؤخذ في الحسبان أرجحية أن يكون الأطباء الممارسين في الريف من أصل ريفي مقارنةً بالأطباء الذين يمارسون في المناطق الحضرية، إلا أن الطلبة من المناطق الريفية يواجهون صعوبات عديدة، ويكون تمثيلهم في كلّيات الطب ناقصاً في معظم البلدان، خصوصاً لدى مقارنتهم بمن يكون آباؤهم من مناطق حضرية وميسوري الحال ولديهم تعليم عالي، ويتعيّن أن ينتظر سكان المناطق الريفية وجود فرص عادلة لدخول كلّيات الطب.

تحتاج الحكومات وكلّيات الطب إلى تطبيق استراتيجيات متماسكة تتضمّن دورات تحضيرية تعليمية إيصالية في المدارس ما قبل الطبية، ووجود سياسات قبول تأخذ في الحسبان تنوّع الخلفيات الجغرافية والخبرات، ودعم رسوم التعليم ومنح الدراسة لجعل كلّيات الطب متيسّرة.4 وقد ارتفعت في أستراليا النسبة المئوية للطلبة من أصل ريفي في كلّيات الطب إلى أكثر من ضعفين نتيجة المبادرات والسياسات الوطنية.

يؤلّف السكان الأصليون مجموعة ثانوية هامّة من سكان الريف حول العالم، وغالباً ما تكون حالهم الاقتصادية والتعليمية والصحية أسوأ من الوسطي لسكان الريف. إضافةً إلى ذلك تُحدِث الاختلافات الثقافية وسوء الفهم عوائق هائلة. وقد تعاونت رابطة أطباء السكان الأصليين في كندا مع رابطة كلّيات الطب هناك لدعم وزيادة قبول الطلبة من السكان الأصليين في كلّيات الطب الكندية، وتشاركت في وضع إطار منهاج لمؤهلات صحة الأقوام الأولى والأسكيمو والمهجّنين.

وتُعدّ كلّية الطب في جامعة أتينيو دي زامبوانغا في الفيليبين وجامعة صباح ماليزيا أمثلة حديثة على كلّيات الطب الإقليمية الصغيرة التي تأسّست مع تركيز على الرعاية الصحية المحلّية المقدّمة للسكان الأصليين.

التعليم وثيق الصلة

هل يمكن أن يتلقّى طلبة الطب تعليماً وثيق الصلة بالبيئة الريفية؟ في حين أنَّ الكثير من التعليم الطبي شامل فإنَّ الكثير منه سياقي أيضاً، وتكون المناطق الريفية عادةً ذات اختلافات ديموغرافية وجغرافية هامّة مقارنةً بالمناطق الحضرية الكبيرة، وينطبق ذلك خصوصاً على المحدّدات الاجتماعية للصحة، والحال الصحية، ونماذج الأمراض والعلل، والحاجة إلى فهم العوائق الجغرافية للرعاية الصحية.

يطوّر التعليم الطبي الذي يُكامل محتوى المنهاج الريفي والتعلّم التجريبي فهماً لسكان الريف وتحدّيات الصحة لديهم، ويشجع المزيد من الطلبة أيضاً على اختيار الممارسة في الريف سبيلاً في حياتهم المهنية، ويُنتظر أن يكون لدى الأطباء الذين يمارسون في المناطق الريفية خبرات تعلّم طب ريفي أكبر في كلّية الطب مقارنةً بأولئك الذين يمارسون في المناطق الحضرية.

لجعل تلك الخبرات إيجابية يتطلّب الأمر تطوير بنية دعم التعليم الطبي الريفي تطويراً لا يتناول لوجستيات النقل والإسكان فحسب، بل يُشرِك المجتمعات، ويُعنى بدعم المعلمين وتطويرهم.5 ويمكن أن يكتسب الطلبة في بعض كلّيات الطب حول العالم الطلاب تواصلاً وثيقاً مع المجتمعات الريفية وفهماً معمّقاً لها بوجود معاودات سريرية أطول أمداً، ومن الأمثلة المُبكرة على تلك المقاربة برنامج تعليم جامعة مشيغان أبر بينينسولا في الولايات المتحدة الأمريكية، ومشروع تدريب نهر موراي بجامعة فليندرس في أستراليا، ومؤخراً كلّية الطب في شمال أونتاريو في كندا.

تدريب الدراسات العليا

هل يمكن أن يحصل مقيمو الدراسات العليا على تدريب مهني وثيق الصلة بالبيئة الريفية؟ من المنتظر أكثر أن يقضي الأطباء في الممارسة الريفية بعضاً من تدريب الدراسات العليا في مناطق ريفية مقارنةً بأولئك الذين يمارسون في المناطق الحضرية. وتُعدّ برامج تدريب إقامة الدراسات العليا الخاصة بطب الريف هامّة، ليس لتشجيع أطباء أكثر على الانخراط في الممارسة الريفية، بل لتزويدهم بالمعرفة والمهارات الخاصة التي تتطلّبها الممارسة في الريف أيضاً. وقد غدا هذا الأمر أكثر أهمية مع اتساع الفجوة بين الممارسة في الحواضر والممارسة الريفية العامة، فطبّ الأسرة والممارسة العامة في الريف يتطلّبان مقدرة على رعاية سكان ينتشرون على امتداد واسع مع وجود محدود أو بعيد للدعم الاختصاصي والخدمات التقنية المتقدّمة، وقد يتضمّن ذلك رعاية مرضى مصابين بعلل خطيرة ومعقّدة يقوم على تدبيرهم في المدن الكبيرة فريقٌ من المختصين، ويتطلّب الأمر التطوير والمحافظة على معارف ومهارات تختلف في سياقها تماماً عن تلك الموجودة لدى معظم الممارسين العامين وأطباء الأسرة في المناطق الحضرية. وقد قاد الاعتراف المتنامي بهذه الحقيقة إلى تطوير برامج تدريب مهني وإقامة للدراسات العليا خاصة بالممارسة العامة الريفية تُعنى بأهمية خبرات التعلّم السياقي وتطوير المهارات الإجرائية، وطُوّر ذلك إلى حدٍّ بعيد في الكلّية الأسترالية لطب المناطق الريفية والنائية مع وجود برنامج ومنهاج ريفيين ينتهيان بالحصول على الزمالة في طب المناطق الريفية والنائية.

حدث في نصف القرن الأخير تجزؤ هائل للرعاية في المدن الكبيرة وظهرت تخصصات فرعية عديدة، وهذا النموذج لا يصلح في المناطق الريفية حيث لا تزال الحاجة ملحّة للمختصين العامين في المنطقة، وتستلزم تلبية تلك الحاجات تطوير برامج تدريب خاصة لتخريج جراحين وأطباء عامين، وأطباء مختصين بالطب الباطني، ومولّدين، وأطباء أطفال، وأطباء نفسيين، وأطباء مختصين آخرين يقومون بأدوار المختصين العامين في المناطق، وتوجد إمكانية واعدة لتطوير شراكة تعليمية بين كلّيات الطب التي تركّز على الريف في الدول المتطورة والدول النامية.

التطوير المهني

هل يستطيع أطباء الريف الحصول على تطوير مهني ملائم؟ يواجه أطباء الريف على الخصوص تحدّياً صعباً في تطوير المعارف الواسعة والمهارات المعمّقة المطلوبة للعمل بفعالية في المناطق الريفية والمحافظة عليها، حيث يكون الوصول إلى المختصين هناك محدوداً وبعيد المنال في الأغلب. ويُعدّ إشراك أطباء الريف في تعليم الطلبة والمقيمين أحد طرق تشجيع الأطباء على تحديث معارفهم ومهاراتهم باستمرار، ويمكن أن تهيئ كلّيات الطب كجزءٍ من شبكة التعليم الطبي الريفي الخاصة بها فرص تعلّم إيصالية تكاملية للطلبة والمقيمين والأطباء الممارسين، وبذلك تقلّ حاجة الأطباء الممارسين إلى ترك ممارساتهم الريفية الناشطة. وتقوم جمعيات أطباء الريف في العديد من البلدان بمؤتمرات تعليم طبي مستمر تجمع أطباء الريف لتبادل خبراتهم، والتعلّم سويّةً.

يمكن أن تسهم كلّيات الطب على نحوٍ هام في مناطقها من خلال تكامل التعليم والبحث المتعلقين بالريف مع الرعاية الصحية، ويمكن أن يُسهّل قيام شراكة بين الكليات المهنية الصحية الجامعية ومؤسسات الرعاية الصحية في المناطق تقدّم التعليم والبحوث والرعاية الصحية وتناسقها من أجل المنطقة ككل، وبذلك يستفيد سكان الريف.

السبيل إلى الممارسة

إنّ مفهوم "السبيل إلى الممارسة" وثيق الصلة خصوصاً بتعليم الأطباء والممرضات والمهنيين الصحيين الآخرين من أجل الممارسة في المناطق الريفية،(6) وكي يكون ذلك ناجحاً يجب أن تؤدّي جميع أجزاء السبيل دورها، وأن تعمل سويةً. تمثل كلّية الطب في جامعة ميموريال في نيوفندلند مفهوم "السبيل إلى الممارسة", ولمدخل خريجي كلّية الطب هذا برنامج ميدكويست الطويل الأمد لتشجيع طلبة المدارس الثانوية على السير في تعليم جامعي يقود إلى سلك مهني صحّي. إنّ أكثر من 30% من طلبة الطب في جامعة ميموريال من أصلٍ ريفي مقارنةً بـ 11% في كلّيات الطب الكندية الأخرى، ومع دعم الحكومات الإقليمية فإنَّ رسوم كلّية الطب أقلّ بأكثر من النصف من الوسطي في كندا؛ لذلك فإنَّ الطلاب يمثلون التنوع الاقتصادي الاجتماعي للسكان أكثر من كلّيات الطب ذات رسوم التسجيل الأعلى.

يتعلّم طلبة الطب خبرات في جميع سنوات الدراسة في كلّية الطب في مجتمعات نيوفندلند ولابرادور جميعها مع تركيز خاص على طب الأسرة الريفي ومعاودات التخصّصات العامة، وقد تلقت جامعة ميموريال في عام 2008 جائزة جمعية أطباء الريف في كندا لأنها حققت النسبة المئوية الأعلى من خريجي كلّيات الطب الذين أدّوا برامج تدريب خاصة بطب الأسرة الريفي (الوسطي الكندي 8%، وكلّية الطب في جامعة ميموريال 26%). وقد ذهب أكثر من 40% من الأطباء الذين أدّوا برنامج تدريبهم في طب الأسرة في جامعة ميموريال إلى الممارسة في المجتمعات الريفية، ومُنح برنامج تدريب طب الأسرة الريفي في جامعة ميموريال جائزة جمعية أطباء الريف في كندا عام 2010 لتحقيقه النسبة المئوية الأعلى من الخريجين الذين مارسوا في المناطق الريفية مدة 10 سنوات بعد التخرّج (الوسطي الكندي 20.9%، وجامعة ميموريال 52%).

الاستنتاج

ستؤدي زيادة نسبة طلبة الطب من أصل ريفي، وتقديم خبرات تعلّم ريفية إيجابية في كلّيات الطب وبرامج تدريب مهني/ إقامة ريفية خاصة إلى زيادة عدد الأطباء الخريجين الذين يكتسبون المعارف والمهارات اللازمة للممارسة في الريف، ولديهم الرغبة في ذلك. ويتطلّب توظيفهم واستبقاؤهم للممارسة في الريف الانتباه إلى بيئة الممارسة، والنظام الصحي، والعوامل المالية وغيرها.2 وتتضمن عوامل الممارسة مرافق مستشفوية وعيادات مجموعات ممارسة ريفية تعمل جيداً مع وجود مصادر متعدّدة المجالات ودعم إقليمي جيد. ويمكن أن تساعد المنح التعليمية والمبادرات المالية المرتبطة بالممارسة الريفية في التوظيف، وأن يسهم التعويض الملائم عن العمل الشاق بعد ساعات العمل الاعتيادية، ومنح إجازات مدفوعة منتظمة لترقية المهارات في الاستبقاء، ويعدّ تشغيل الزوج وتعليم الأطفال ومسائل السلامة من العوامل الاجتماعية التي غالباً ما يتعيّن أخذها في الحسبان. وقد ساعدت جمعيات أطباء الريف إلى حدٍّ بعيد في معالجة بعض تلك المسائل الأساسية الهامة المتصلة بممارسة أطباء الريف ومعيشتهم مع عائلاتهم هناك. إن عمل المجتمعات والحكومات وكلّيات الطب جنباً إلى جنب يمكن أن يحسّن تعليم الأطباء وتوظيفهم واستبقاءهم في الريف.


تضارب المصالح:

لم يصرح بشيء.

المراجع

شارك