مجلة منظمة الصحة العالمية

ابتهاج المزارعين النيجيريين لخطة التأمين الارتيادية

يكتب غاري همفريز تقريراً حول عمل مؤسسةٍ مدعومةٍ من الحكومة الهولندية في 'تصدير' التأمين الصحي الخاص إلى نيجيريا، لتبيع حزم خدمات الرعاية الصحية التي تعادل مبلغ 30 دولاراً أمريكياً بـ 3 دولاراتٍ أمريكية.

التأمين الصحي خدمةً نادرةً في ولاية كوارا، وهي منطقةٌ زراعيةٌ فقيرةٌ في غرب نيجيريا. حيث يعيش معظم الناس بأقلّ من دولارٍ واحد في اليوم مثلهم مثل 70% من النيجيريين. إذا ما زاروا الطبيب أصلاً، عليهم أن يدفعوا أجرتَهُ من مالهم الخاص. بيد أنّ هذا الوضع القاتم تغيّر في الآونة الأخيرة بالنسبة إلى مجموعةٍ واحدةٍ من المزارعين.

لم تتم تغطية هؤلاء المزارعين ضمن خطة نيجيريا الوطنية للتأمين الصحي التي لا تُخدِّم سوى 3.73% من السكان رغم مرور أكثر من عقدٍ من الزمن على إقرارها (غالباً هم الموظفون المدنيون الذين يعملون لحساب الحكومة الاتحادية وفي ولايتي بوتشي وكروس ريفر، إضافةً إلى 300000 من النساء والأطفال المشمولين بمشروع صحة الأم والطفل). كما أن هؤلاء المزارعين ليسوا جزءاً من نحو سبعة ملايين نيجيري قادرين على دفع تكاليف التأمين الصحي الخاص من إجمالي عدد السكان البالغ 148 مليون نسمة. في الواقع يستفيد 35000 من المزارعين وعائلاتهم من خطةٍ وضعتها منظمة فارم أكسس PharmAccess وهي منظمةٌ غير ربحيةٍ تدعمها الحكومة الهولندية تعمل في مجالي تأمين علاج فيروس عوز المناعة البشري/الإيدز، ودعم ما تصفه بـ"مشاريع الرعاية الصحية العامة" في البلدان النامية.

تعمل فارم أكسس في نيجريا على دعم فكرة التأمين الصحي الخاص، الذي يصل من خلال صندوق التأمين الصحي، وهو مؤسسةٌ أُنشئت لتجربة التأمين الصحي الخاص منخفض التكلفة، الذي يتضمن رعاية فيروس عوز المناعة البشري/الإيدز وعلاج المجموعات السكانية منخفضة ومتوسطة الدخل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

تشمل الهيئات الداعمة لصندوق التأمين الصحي كلاً من البنك الدولي ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية وهما من المؤسسات التي تهتم بتطبيق التأمين الصحي الخاص 'كحلولٍ' لمشكلات التمويل الصحي في البلدان النامية. ونظراً لامتلاك الهولنديين التزاماً قوياً بالتأمين الصحي الخاص في نظامهم الوطني، لذلك يمكن القول بأنهم يعملون على 'تصدير' خبراتهم. يوجد لصندوق التأمين الصحي شريك محلي هو هيجيا (Hygeia)، وهي منظمة إدارةٍ صحيةٍ. تعتبر هيجيا واحدةً من أكبر منظمات الإدارة الصحية في نيجيريا حيث تمتلك شبكةً من أكثر من 250 عيادةً ومستشفىً.

يبعث مخطط صندوق التأمين الصحي على الحيرة. حيث كيف يمكن لأناسٍ يكسبون أقل من دولارٍ واحدٍ في اليوم أن يدفعوا لقاء هذا النوع من التأمين الذي يتيح لهم على سبيل المثال إمكانية الوصول للرعاية الصحية الشاملة للأمهات؟ الجواب هو كلا إنهم غير قادرون على تحمل هذه النفقات.

كان موضوعُ معرفة المبلغ الذي يستطيع المزارعون دفعه بدقةٍ واحداً من أهم الأهداف البحثية التي وضعتها إيما كولز مديرة صندوق التأمين الصحي. تقول إيما: "في الواقع لا يوجد أيةُ بياناتٍ حول هذا الموضوع ... لذا فإننا نعتمد على دخل السكان. كذلك على مصروفهم الحالي على الخدمات الطبية، والذي يُطابِقُ تقريباً ما هم على استعدادٍ لدفعه."

وفقاً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية، بلغ مجموع الإنفاق على الصحة في نيجيريا نحو 33 دولاراً أمريكياً للفرد، تأتي نسبة 63.4% منها مباشرةً من مصروف الفرد. هذا يشير إلى احتمال استعداد المزارعين في ولاية كوارا لإنفاق نحو 20 دولاراً أمريكياً سنوياً، أو أقل بقليلٍ نظراً لانتشار الفقر في المنطقة.

في الواقع، كان المزارعون معارضين لدفع مبلغٍ كهذا. بالفعل، قدّمت هيجييا للمزارعين منذ عام 2007 حزمةَ الرعاية الصحية التي تضمّ الرعاية الصحية الأولية الشاملة وخدماتٍ محدودةٍ من الرعاية الصحية الثانوية، بما فيها الإدخال للمستشفى لمدةٍ تصل إلى خمسةِ أيامٍ، والرعاية الصحية النفاسية (بما في ذلك العملية القيصرية)، حيث تُقدَّر تكلفة حزمة الرعاية الصحية هذه بـ30 دولاراً أمريكياً في السنة لكنها تُكلِّف ضمن أسعار صندوق التأمين الصحي أقل من 3 دولاراتٍ بقليل.

إذن، من يدفع الفرق البالغ 27 دولاراً أمريكياً؟ وفقاً لكولز، فإن صندوق التأمين الصحي هو الذي يقوم بهذه المهمة في الوقت الحاضر. لا بُدّ أن يثير هذا تساؤلات حول مدى انطباق مصطلح 'التأمين الصحي الخاص' على هذه الحالة، وأنّ يسلط الضوء على القضايا المتعلقة باستدامة المشروع. ترى كولز أن دعم حكومةِ ولاية كورا لهذا المشروع يُشكّل أحدَ الحلول لتحقيق الاستدامة. تفسّر هذا بقولها: "قام حاكم الولاية بتجديد ثلاثةِ مستشفياتٍ عموميةٍ ضمن المخطط، وقد تعهد بالمشاركة في تمويل التوسع في هذا المخطط، كما سيتولى تقديم الإعانات المالية على مدى خمسِ سنواتٍ قادمة" مشيرةً إلى وجود نوعٍ من الالتزام التعاقدي من جانب حاكم الولاية الدكتور أبو بكر بوكولا ساراكي.

يتساءل البعض حول مدى صدقية وإمكانية تنفيذ هذا الالتزام التعاقدي في الأساس. مثلاً يقول الدكتور تولو أيانغباي وهو اقتصاديٌّ في مجال الصحة عمل سابقاً مع وزارة الصحة النيجيرية: "في غضون خمس سنواتٍ، لن يعود الشخص الذي قدّم اليوم هذا الوعد [بدفع الإعانة المالية] في الحكومة. إذن من ستحاسب في هذه الحالة؟"

تأمل كولز أيضاً بأن يبدأ المستهلكون بدفع مبلغٍ إضافي على قسط التأمين بعدما يقدّرون مزايا الدفع المسبق ويرون ما يحصلون عليه مقابل أموالهم. يؤكّد الدكتور أبايومي سوله منسق برنامج خطة هيجيا لصحة المجتمع في نيجيريا بأن المواقف بدأت تتغير بالفعل. حيث يقول: "لم يفهم الناس في البداية مفهوم الدفع المسبق لكننا قمنا بتثقيفهم مع مرور الوقت ... نحن نقول بأنه مخطط مجتمعي. إذا لم يستخدموه، سيقوم جارهم بذلك."

وفقاً لرأي الدكتورة بيجو أدينوسي الرئيس التنفيذي لخطة هيجيا حول صحة المجتمع، فإن المزارعين سعيدون بالخدمات المقدمة لهم مقابل أموالهم. "لقد قفز عدد مستخدمي أحدى العيادات من 16 شخصاً في الشهر قبل بدء البرنامج إلى 1500 شخص شهرياً بعد ذلك" كما تقول الدكتورة. كانت إحدى النساء شديدة الامتنان للولادة القيصرية التي أنقذت حياتها حتى أنها أطلقت اسم هيجيا على طفلها الذكر.

من باب إنصاف صندوق التأمين الصحي، تجدر الإشارة إلى أهمية تقديم المكافآت حسب جودة العمل حتى إذا لم يدفع الناس الكثير لقاء الرعاية التي يتلقونها. لأنه يمكن للمزارعين اختيار العيادة أو المستشفى التي سيتوجهون إليها، رغم أنهم لا يدفعون سوى مبلغ 3 دولارات، بعد ذلك تقوم العيادة أو المستشفى بإرسال الفاتورة إلى هيجييا لتسديدها. يوفّر ذلك، نظرياً على الأقل، حافزاً لتقديم خدماتٍ عالية الجودة. وفقا لكولز، شهدت فارم أكسس زيادةً كبيرةً في جودة خدمات العيادات التي تقوم بتقييمها كلّ ستة أشهر.

مع ذلك، تتساور الشكوك حول حجم التغييرات التي تستطيع هذه المحفزات المتعلقة بالطلب تحقيقها في سياق ولاية كوارا، حيث يوجد بحسب أدينوسي عددٌ ضئيلٌ من العيادات وثلاثةُ مستشفياتٍ لخدمة مجموعةٍ سكانيةٍ تقدّر بنحو ثلاثة ملايين شخصٍ. إضافةً لذلك، تشير أدينوسي إلى أن خطة هيجيا حول صحة المجتمع هي الخطة الوحيدة الموجودة في ولاية كوارا. وبالتالي لا يملك المزارعون الكثير من الخيارات.

إن هيجيا ليست وحيدةً في هذا المجال. لكن غالباً ما يتم إهمال اختيار المستهلكين رغم وجود 42 منظمة إدارة صحية. يوضح ديلي أبيغوندي اختصاصي نيجيري في مجال اقتصاديات الصحة يعمل مع قسم السياسة الصيدلانية والأدوية الأساسية في منظمة الصحة العالمية "جزءٌ من المشكلة في نيجيريا هو أن منظمات الإدارة الصحية تُفضّل الحصول على احتكار المنح في الولاية كجزءٍ من العقد المبرم مع خطة نيجيريا الوطنية للتأمين الصحي"، ويتابع الحديث "هناك ما يشبه أسلوب السوق الحر المتأصل في خطة نيجيريا الوطنية للتأمين الصحي في خياراتها لأسلوب تأمين الرعاية المدار، ولكن، نظراً للخصوصيات على أرض الواقع، لا يتم تطبيق مبادئ المنافسة مما يحرم المستهلكين من فوائدها". يشير أبيغوندي أيضاً إلى أن العديد من منظمات الإدارة الصحية النيجيرية تستولي عادةً على نسبة 15%. هذا يجذب الكثير من المراهنين، بما فيه المؤسسات المالية مثل البنوك، التي ليس لديها المهارات ولا التدريب المهني لإدارة الرعاية.

لا يدّعي أي من فارم أكسس أو صندوق التأمين الصحي قدرتهما على حل مشاكل التمويل الصحي في نيجيريا، لكنهما يحملان الأمل في تحقيق تحسنٍ تدريجي من خلال مقاربة مشكلة توسيع نطاق تغطية التأمين الصحي نحو غير الموظفين الحكوميين والتي تُعتبَر واحدةً من أكبر التحديات المطروحة في نيجيريا في مجال التمويل الصحي. يقدّر أبيغوندي أن نحو 90% من مجموع القوى العاملة يعملون ضمن وظائفٍ غير رسميةٍ من هذا النوع، سواءً في عملٍ متقطعٍ أو مستقلٍ أو عملٍ زراعي. من المعروف أنه يصعب 'كشف' العاملين غير الحكوميين ضمن خطط التأمين التي تعتمد عادةً على أي شكل من أشكال التوثيق مثل تسجليها على جداول الرواتب أو الإقرارات الضريبية، لأن مثل هؤلاء لا يظهرون في السجلات.

يوفّر صندوق التأمين الصحي وسيلةً ما للوصول إلى القطاع غير الرسمي من خلال استهداف مجموعاتٍ سكانيةٍ محددةٍ بالتغطية. لا يهم حقاً ما هي المجموعة طالما أنه يمكن التعرف عليها بسهولة. تشرح كول قائلةً: "إذا لم يتم عرض خدمات التأمين على مجموعاتٍ سكانيةٍ محددةٍ تتشارك في المخاطر الصحية، سيكون العملُ عُرضةً لخطر سوء الاختيار." بعبارة أخرى، سوف تغرق الخدمة المقدمة بالمرضى وكبار السن، في حين يُفضِّل كلٌّ من الأصحاء والشباب البقاءَ بعيداً.

يعمل صندوق التأمين الصحي حالياً في جمهورية تنزانيا المتحدة على إطلاق مرحلةٍ ثانيةٍ من البرنامج التجريبي يغطي الأشخاص الذين يحصلون على قروضٍ صغيرةٍ من منظمةٍ ماليةٍ محليةٍ كما تعمل أيضاً على تطوير برنامجٍ خاصٍ بمزارعي البن في منطقة كليمنجارو. يعتبر هذا الأسلوب منطقياً ضمن ما يحاول صندوق التأمين الصحي تحقيقه، ولكنه يترك تحديات رئيسة بدون حلولٍ عند دراسته من منظور أوسع للسياسة الصحية. على سبيل المثال، ماذا يحدث لجميع السكان الذين ليس من السهل تصنيفهم ضمن مجموعاتٍ محددةٍ؟

لن يلوم أحدٌ صندوق التأمين الصحي لاستثنائه بعض السكان عن ما هو مجرد مشروع ارتيادي، رغم ذلك ترافق المشاكل هذا الأسلوب الذي يستهدف مجموعاتٍ سكانية دون غيرها. بالنسبة لأبيغوندي تكمن المشكلة في أن جميع السكان جوهرياً هم بحاجة إلى المساعدة، وبالتالي لا ينبغي استبعاد أي شخص مهما كان السبب. حيث يقول: "نحن بحاجةٍ إلى سياسةٍ وطنيةٍ ورقابةٍ وطنية". ويتابع: "نحن بحاجةٍ إلى حلولٍ تعمل لصالح كافة السكان".

يرى أبيغوندي أن مشكلة الاستهداف تتفاقم عندما يأتي كل التمويل تقريباً من الخارج. يقول: "أنت تعطي حكومة ولاية كوارا فترة خمسِ سنواتٍ ليستريحوا من مسؤولياتهم التي يتوجب عليهم القيام بها بأنفسهم".

شارك