مجلة منظمة الصحة العالمية

الارتقاء إلى تحدي الجراحة الريفية

تواجه نيجيريا مثل العديد من البلدان الأخرى تحدي تقديم الرعاية الجراحية ذات النوعية العالية في المناطق الريفية، وهنا يتحدث الدكتور آوُوجوبي أولويومبو مع ليز أولسن حول أسلوب عمله المبتكر كجراح ريفي في جنوب غرب نيجريا.

حصل الدكتور آوُوجوبي أولويومبو على شهادة الطب من مستشفى الكلية الجامعية في إيبادان في نيجيريا عام 1975 قد حصل هناك على جائزة أديولا أودوتولا كأفضل طلاب السنة الطبية الأخيرة، وعمل جراحاً في مستشفى مقاطعة أيروا ثلاث سنوات قبل تأسيس مستشفاه الخاص الريفي في إيروا عام 1986.

تشمل الجوائز الأخرى التي نالها جائزة استحقاق ولاية أويو من أجل الممارسة الطبية الريفية، وجائزة الوكالة الوطنية للعلوم والبنية التحتية الهندسية وجائزة كلية الطب من جامعة إيبادان على مساهمته في المشروع الصحي المجتمعي في إيبارابا، وفي عام 2000 منحه ملك إيروا لقب الزعامة، باسيغون إيروا.

س: ما هي أكبر المشاكل التي يواجهها الأطباء في بلدكم؟

ج: تشمل أعباء الجراحة الريفية في نيجيريا: تدريب وتوظيف الجراحين الريفيين والبيئة الإدارية للخدمات العامة ونقص البنية التحتية في المستشفيات الريفية والمآزق السريرية الغريبة التي تصادف على مدار الساعة ونقص الموارد المالية والحيثيات الاجتماعية للعيش في المناطق الريفية. على كل حال، يوجد العديد من الحلول الواقعية لهذه الأعباء إذ يبرز المثل «الحاجة أم الاختراع».

س: ما عدد المرضى الذين تشرف عليهم في مستشفاكم ؟

ج: يقع المستشفى الذي أعمل فيه في إيروا، وهي منطقة ريفية تبعد قرابة 50 كم عن إيبادان في جنوب غرب نيجيريا، ومن الصعب معرفة عدد الأشخاص في بلدي بشكل دقيق، لكننا نخدم قرابة 200000 شخص في مستشفانا ذي الاثنين والخمسين سريراً، وقد بني المستشفى بين عامي 1988 و1990 من أجور المعاينات التي دفعها المرضى بشكل أساسي ومن التبرعات النقدية والعينية على الأرض التي قدمها المجتمع، وبذلك بلغت تكلفة البناء 15000 نايرا (100 دولار أمريكي) فقط رغم أن تكلفة مثل هذا البناء كانت ستبلغ 150 مليون نايرا (قرابة مليون دولار أمريكي)، وقد وُصفْتُ بأنني "معماري المستشفى وبنّاؤه وجراحه وطبيبه وعامل الصيانة فيه ومالكه والحالم الأكبر". أنا جراح ريفي بالتدريب، وأبتكر الآلات وأصنعها كهواية.

س: هل يمكنك وصف بعض ابتكاراتك التقنية؟

ج: طاولة الجراحة لدينا مصنوعة من الخشب بنسبة 90% ومن المعدن بنسبة 10%، وقد غطيت بالفورميكا لجعل سطحها أملس وللسماح بغسلها، وترفع أو تخفض باستخدام رافعة هيدروليكية من سيارة، وتكلف هذه الطاولة أقل من 10% من تكلفة طاولة مماثلة مستوردة ذات اسم تجاري مصنوعة من الحديد، لكنها قوية وتوفر جميع الحركات التي يحتاجها الجراح.

من الأمثلة الأخرى منبذة الهيماتوكريت التي تُستخدَم لتحديد مستوى الخلايا الحمراء الناقلة للأكسجين في دم المريض. إنها مصنوعة من العجلة الخلفية لدراجة هوائية تدور بسرعة 5400 دورة في الدقيقة معطية قوة تعادل 3000 ضعف قوة الجاذبية، وهي قوة كافية لتجميع الخلايا الحمراء خلال خمس دقائق.

كذلك توجد بعض التلاؤمات البسيطة، إذ لا يمكننا الحصول على المعجون الذي يُستعمل في إحكام إغلاق الأنابيب التي تحوي الدم عادة، لكننا وجدنا أن الشمع المتوفر بغزارة يفي بالغرض. إن النقل يعد مشكلة رئيسة أخرى في إيتاء الرعاية الصحية في المناطق الريفية، إذ تثني قلة وسائل النقل وغلاؤها المرضى عن طلب المساعدة الطبية في حينها، وقد استنبطنا دراجة ذات ثلاث عجلات من دراجة نارية تقليدية وهيّأناها لتصبح سيارة إسعاف للقرى.

س: يبدو أنك تستمتع بإيجاد حلول رخيصة بسيطة للمشاكل التي يراها أغلب الناس معقدة. هل هذا صحيح؟

ج: صحيح. إن الأمثلة على حلول بسيطة للمشاكل الصحية الرئيسة للإنسانية كثيرة في التاريخ الطبي منها: التلقيح من أجل الجدري، والمُعَالَجَة بالإِمْهَاءِ الفَمَوِيّ وتمنيع الأطفال ضد أمراض عديدة، ومخططات النمو في عيادات صحة الرضع. عند حل مشكلة ما، إذا ازداد حلي المفترض تعقيداً أعرف أنني "ضللت الطريق" [إشارة إلى الموسيقي النيجيري فيلا كوتي] و"أعود إلى الأساسيات".

س: إن مقدرتك على تقديم حلول هندسية محلية لمشاكل تقنية مجرد جزء من قصة مستشفاكم. هل تنظر إلى مقدرتك على إشراك المجتمع المحلي في دعم المستشفى كواحد من ابتكاراتك؟

ج: إن مشاركة المجتمع حاسمة حتى تستمر الممارسة الطبية الريفية. إن المجتمع لا يستفيد من توفر الرعاية الصحية التي يقدر على دفع تكاليفها قربه فحسب بل كذلك من توفير فرص العمل التي يقدمها المستشفى وتقدمها البنية التحتية الداعمة له (النقل والإطعام وغير ذلك).

س: كيف يشارك أفراد العائلات في رعاية أقربائهم؟

ج: أول ما عرفته عند قدومي إلى إيروا هو أنه كان عليّ تدبير المرضى وأقربائهم، وهذا مكونة حاسمة في ممارسة الجراحة الريفية. إن الأقرباء يبقون مع المرضى على مدار الساعة ويقدمون لهم رعاية تمريضية مفيدة ويراقبون حالة المريض بشكل مستمر، وقد يكون بعضهم مسيئاً إلى درجة أنهم يعطون المريض أدوية شعبية أو يأخذون بعض الحبوب التي يحضرونها من المنزل. إن هذه الممارسة غير شائعة لحسن الحظ، بما أنني أقوم بالتثقيف الصحي في معظم الأوقات. إننا نحصل على التعاون الأقصى عادة إذا شرحنا ما يتعلق بتدبير المريض ولاسيما في الحالات الجراحية، وخلال الجراحة، يشجَّع أقرباء المريض على الحضور إلى غرفة العمليات والمراقبة، ويعفى من ذلك من لا يستطيع تحمل منظر الدم.

لقد أخذ أحد الزملاء في مستشفى قريب مرة منبذة الهيماتوكريت إلى المختبر ورفض التقني استخدامها لأنها كانت يدوية، وبدلاً من الانسحاب أخذ زميلي الجهاز إلى غرفة الفحص وشجع أقرباء المريض على تشغيله وقد حصل على القراءة بعد خمس دقائق من الدوران! لقد جعل أفراد المجتمع يشارك في رعاية مرضاهم في حين بقي التقني يستلم راتبه من أجل عدم قيامه بشيء.

س: يمتد أسلوب المشاركة هذا إلى طريقة تدبيرك للأمور المالية للمستشفى. كيف تجعل مستشفاك معقول التكلفة؟

ج: المال سبب النزاع في أية ممارسة، ولاسيما في المناطق الريفية حيث الناس فقراء نسبياً؛ ولكي تنجح الممارسة، يجب أن يكون الوصول إلى الخدمات المقدمة متاحاً ومقبولاً، لكنها يجب أن تكون مقبولة التكلفة أيضاً. إن استخدام التكنولوجيا الرخيصة والفعالة في الوقت نفسه بشكل مناسب أنقص حجم استثمارنا الرأسمالي إلى حد بعيد.

س: كيف تحسبون الرواتب؟

ج: لا يوجد في مستشفانا أرباب عمل أو أجراء. إننا نكن بالولاء لمرضانا الذين يتلقون أفضل ما نستطيع تقديمه، وبالمقابل، فهم يدفعون لنا ما يقدرون عليه. نحن عبارة عن جمعية تعاونية بين المختصين وغير المختصين الذين يقدمون الخدمات في القطاع الصحي، ويتلقى كل شخص راتباً متفقاً عليه بين الجميع. إننا نجري اجتماعاً شهرياً لكل العاملين توزع خلاله العائدات المالية الشهرية وتُتّخذ القرارات حول الرواتب وكيفية التصرُّف بالربح أو الخسارة، وبهذه الطريقة ينمو حس الانتماء لدى جميع العاملين، ولا تحدث اضطرابات عمّالية، إذ يعرف الجميع الوضع المالي للممارسة.

س: لقد قررت، بخلاف الكثير من مواطنيك، عدم مغادرة نيجيريا بغرض التدريب أو العمل؛ لماذا؟

ج: لقد بني اختياري على اعتقادي بأن قضاء سنة واحدة في الخارج في مرحلة باكرة من تدريبي على الجراحة يمكن أن يكون مربكاً وغير منتج في حل المشاكل الطبية في نيجيريا. كذلك كان لدي ثقة داخلية أن أساتذتي كانوا مشهورين عالمياً ويمكن أن يدربوا أبناء شعبهم في نيجيريا فقط. لقد كانت جراحة القلب المفتوح شائعة في إيبادان وإينوغو في تلك الفترة ولم تكن هناك حاجة للسفر خارجاً من أجل التدريب في معظم الاختصاصات الجراحية.

لقد أمضيت ست سنوات في التدريب بدلاً من خمس، فقد رسبت مرتين عام 1982 في الامتحانات النهائية حتى أصبحت جراحاً ريفياً، وذلك لأنني لم أستفد من فرصة اختيارية للسفر إلى الخارج مدة سنة!

لقد بدأت تدريبي الطبي مع نهاية الحرب الأهلية التي أصابت نيجيريا بين عامي 1967 و1970. لقد أحسست بأن من واجبي خدمة الناس في المناطق الريفية وإعادة ما تلقيته خلال تدريبي إليهم.

لقد تطلعت دوماً إلى وقت أتمكن فيه من القول أن إنجازاتي مصنوعة وطنياً دون تأثير خارجي من أي نوع، ورغم إتاحة عدة فرص أمامي للسفر إلى الخارج من أجل التدريب قبل التخرج وبعد التخرج فقد سافرت للمرة الأولى خارج نيجيريا عام 1995، أي بعد عشرين عاماً من تعييني موظفاً طبياً وبعد 12 سنة من بدء العمل كجراح ريفي.

س: ما الذي يمكن أن تفعله البلدان لتشجيع عامليهم الصحيين على العمل في المناطق الريفية؟

ج: يمكن حل أزمة استبقاء الموظفين الطبيين في المناطق الريفية النيجيرية بشكل رسمي باستخدام المؤسسات الحكومية الراسخة، وبشكل غير رسمي بوساطة مبادرات القطاع الخاص. يجب أولاًَ تفعيل المؤسسات الصحية الريفية باستخدام التكنولوجيا المناسبة (كما طورنا أنفسنا في مستشفانا). يجب نشر أطباء الأسرة في مؤسسات الرعاية الصحية الثالثية للعمل على مستوى الرعاية الصحية الثانوية وهو مكانهم الحقيقي، ويمكنهم الاستمرار في تحقيق طموحاتهم الأكاديمية في هذه المرافق حيث تدمج المؤسسات الصحية مع الجامعات وتدعم من قبلها. يجب جعل الجولات في المؤسسات الصحية الريفية إجبارية خلال فترة التدريب ما بعد التخرج كما هي خلال التدريب ما قبل التخرج، لكن المدرِّبين يجب أن يكونوا مقيمين في المؤسسات أيضاً.

إن اختلاف الدخل الإجمالي بين الموظفين في المناطق المدنية والريفية إحدى المشاكل، لكن الفرق في تكلفة المعيشة لمصلحة الممارسين الريفيين قد يعدّل ذلك، ويعد نقص فرص العمل لأزواج/زوجات العاملين الصحيين أحد المشاكل الأخرى.

شارك