مجلة منظمة الصحة العالمية

تحقيق التوازن الصحيح: الحفاظ على القوى العاملة الصحية في المناطق النائية والريفية

Lincoln C Chen a

a. China Medical Board, 2 Arrow Street, Cambridge, MA, 02138, United States of America.

المراسلة مع لينكولن شن Lincoln C Chen (e-mail: lchen@cmbfound.org).

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:-1--1. doi: 10.2471/BLT.10.078477

إن ضمان الإتاحة الشاملة للممارسين الصّحيين المتمرسين والمتحمسين والمدعومين وخاصة في المجتمعات النّائية والرّيفية هي شروط ضرورية لتحقيق حق الإنسان بالصّحة ومسألة عدالة اجتماعية. هي أيضاً نواة كل مرمى صحّي عالمي- مرمى الأمم المتّحدة التّطوّري الألفي والرعاية الصحية الأولية والتمنيع والسيطرة على العدوى بفيروس عوز المناعة البشري ومتلازمة العوز المناعي المكتسب والملاريا والسل؛ إذ لا يكمن تحقيق أي من هذه المرامي إذا حُرمت مجموعات بشرية كبيرة من الوصول إلى العاملين الصحيين.

على الرغم من كثرة الخطابات حديثاً، فإن الموارد البشرية مازالت مهملة بشكل كبير وغير مدعومة مالياً كمحرك لتحسين الصحة. هذا ما دفع 1500 قائد صحي إلى إصدار بيان كامبالا عام 2008: "ضمان حوافز كافية وبيئة آمنة ومُمَكَّنة للاستبقاء الفعال والتوزيع العادل للقوى العاملة الصّحية.(1)

مما لا شك فيه أن سوء التوزيع هو من أكبر تحديات القوى العاملة، ليس فقط من أجل تحقيق التغطية الشاملة ولكن لمواجهة مشاكل القوى العاملة المرتبطة به ارتباطاً وثيقاً مثل النقص وعدم توازن توزع الخبرات.(2 ،3) يتفاقم العجز الكليّ في العديد من الدول أو حتى أنه قد ينجم عن سوء التّوزيع الشّديد.

إنه أحد أعراض عدم توازن توزيع الخبرات وفي الوقت نفسه أحد مسبباته. لا تقتصر المشكلة غالباً على مجرد الرّقم المطلق للعاملين إنما يعتمد على نمط تدريب الممارس ومكان عمله. غالباً ما يترافق العجز الوطني مع وجود شواغر وظيفية في الريف ووجود بطالة في المدينة. وعلاوةً على ذلك يمكن أن يؤذي سوء التوزيع الشّديد في بعض الأحيان ليس فقط الفقراء ولكن ذوي الدّخل العالي. الوجه الآخر للعملة هو أنه يمكن للتواجد الفائض للمهنيين المختصين أن يؤدي إلى إجراء فحوصات وإجراءات لاداعي لها وكذلك زيادة وصف الأدوية وإلى أمراض علاجية المنشأ وتبديدات بتكلفة عالية تؤذي الأغنياء والفقراء على حد سواء.

إن سوء التوزع هي مشكلة تشترك فيها جميع البلدان، لأن كل اقتصاد معتمد على السوق لديه سوق عمال مما يسمح للمهنيين بالقيام بالتنقل المهني. يوجد فقط نظام واحد أو إثنان من النظم الاستبدادية يُحدَّد فيهما المكان الذي يجب أن يعيش ويعمل فيه العامل. ويجب الاعتراف بأن معظم المهنيين يرغبون بمهنة ونمط حياة طبقة متوسطة متمركزة في المدينة. أن هذا ليس خطأً. إنه التحيز المؤسساتي والتشريعات غير العادلة و الإعانات المادية غير الحكيمة التي تحتاج للإصلاح لأنها تؤدي إلى عدم التوازي بين القوى العاملة والتطور الصحي الوطني العادل.

تعود جذور بعض مشاكل سوء التوزيع للتطور التاريخي، مثل بقايا البنى الاستعمارية. أُجبرت بعض الأقليات الثقافية والعرقية على لعيش في الجبال أو الأراضي القاحلة وحالياً في الأحياء الفقيرة في المدن- هذا يزداد سوءاً بسبب ضعف الاقتصاد والبنية التحتية. في المجتمعات التي لم يكن فيها أي ممارسين صحيين مدربين قد لا يشكل استبقاء العاملين المشكلة الأساسية، إنما تدريب ممارسين محليين ينتمون إلى المجتمع الأصلي أو تحفيز الممارسين من المدن على خدمة الريف.

ينعكس التوزع ضمن الدول أيضاً على عدم التوازن بين الدول. حيث أن لدى بعض الدول عالية الدخل معدل 10 أطباء أو ممرضات لكل 1000 نسمة، بينما في بعض الدول الفقيرة والتي لديها عبء أمراض أكثر يوجد أقل من طبيب أو ممرض واحد لكل 1000 نسمة.(2، 3) تتفاقم عدم العدالة العالمية بهجرة الأشخاص ذوي الخبرة من المناطق الأفقر إلى الأغنى. بالحقيقة إن سوء التوزع ضمن الدول وبينها هو استمرارية متداخلة. عندما يهاجر المهنيون ذوو الخبرات العالية من الدول الفقيرة ينشأ فيها خلاء يؤدي إلى انسحاب الممارسين المدربين من المناطق الفقيرة ضمن البلد. يجادل البعض أن زيحاناً مشابهاً يحدث من وظائف القطاع العام ذات الأجر المنخفض إلى وظائف القطاع الخاص الأكثر جاذبيةً. وقد يكون استيراد الممارسين الصحيين إلى بعض الدول ذات الدخل العالي مثل الولايات المتحدة الأميركية بغرض تغطية سكانها الفقراء - أي أن تصحيح مشكلة واحدة قد يؤدي إلى مشكلة أخرى أو إلى انتقال عوز القوى العاملة بين الدول.

تكونت خبرات واسعة وبينات كافية لحل هذه المشكلة،(4) ويكمن التحدي في تطبيق استراتيجية فعالة ضمن سياقات نوعية. طورت مجموعة من الخبراء في منظمة الصحة العالمية حول "زيادة إتاحة الممارسين الصحيين في المناطق النّائية والرّيفية عبر تحسين الاستبقاء" أربع فئات من الاستراتيجيات: التعليم والتنظيم والحوافز المادية والدعم الإداري ودعم النظام الاجتماعي.(5)

يمكن لأي دولة أن تختار الأسلوب المناسب من ضمن هذه الاستراتيجيات ولكن يوجد على الأقل ثلاثة أسباب لصعوبة تحقيق الحلول العملية. الأول وجود عدد من الجهات ذات المصلحة، من جامعات ومؤسسات تدريبية ووزارات الصحة والتعليم والخدمات المدنية والروابط المهنية والمنظمات غير الحكومية وغيرها. الثاني هو تنسيق الاهتمامات المختلفة. بينما يكون تحقيق صحة جيدة أحد أغراض تنمية القوى العاملة، يوجد غايات أخرى يجب تلبيتها - يعرض أرباب العمل وظائف حكومية أو للربح الخاص، يسعى المهنيون للحصول على أجر منافس وظروف عمل جيدة وتحسين المستقبل المهني، تسعى الحكومات إلى تحقيق مرامي الصحة وإجراءات الاعتمادية والترخيص للمؤسسات المهنية. الثالث هو تعدد الخطط الزمنية. يحتاج تطوير القوى العاملة الصحية على الأقل إلى عقد وغالباً ما يحتاج لجيل كامل. هذا يتطلب استثماراً ثابتاً وبناء القدرات على نحو مستدام، بعيداً عن الحلقات الانتخابية والمكاسب السياسية الفورية. نجح الهجوم الحالي على "البرامج العاجلة" لتدريب عدد كبير من العاملين الصحيين المجتمعيين في مواجهة العجز طويل الأمد ولكن لا يمكن اعتبار هذه البرامج الطارئة حلولاً دائمة.

في النهاية، يجب أن تتحرك التداخلات للأعلى لتأمين خط الإمداد بالقوى العاملة الكافية ولخلق وظائف جذابة ونظام رعاية صحية وطني سليم. لا يوجد طرق مختصرة، يجب تحقيق التجانس بين العرض والطلب. يجب دعم النظام الصحي مادياً بشكل كافٍ ليكون نمط العاملين الذين يتخرجون منه مدربين لإعطاء الخدمة ويريدون العمل في المناطق النائية والريفية. يجب أن يخلق النظام الصحي الوطني وظائف في المناطق النائية والريفية كجزء من نظام عادل مستدام.


المراجع

شارك