مجلة منظمة الصحة العالمية

ترصد الوفيات على المستوى المحلي في مواقع ذات موارد محدودة: دراسة حالة من كيب تاون تسلط الضوء على التباينات في مجال الصحة

Pam Groenewald a, Debbie Bradshaw a, Johann Daniels b, Nesbert Zinyakatira a, Richard Matzopoulos c, David Bourne c, Najma Shaikh d & Tracey Naledi d

a. Burden of Disease Research Unit, South African Medical Research Council, PO Box 19070, Tygerberg, 7505, South Africa.
b. Information and Technology, City of Cape Town Health Department, Cape Town, South Africa.
c. School of Public Health and Family Medicine, University of Cape Town, Cape Town, South Africa.
d. Department of Health, Provincial Government of Western Cape, Cape Town, South Africa.

المراسلة مع ( Pam Groenewald e-mail: prenaud@compnet.co.za).

(Submitted: 04 July 2009 – Revised version received: 27 October 2009 – Accepted: 02 November 2009 – Published online: 08 January 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:444-451. doi: 10.2471/BLT.09.069435

المقدمة

يتزايد الاعتراف بأهمية البيانات الخاصة بأسباب الوفاة كعنصرٍ أساسيٍّ في أنظمة المعلومات الصحيّة.1، 2 تلزم بيانات الوفيات لتحديد الاحتياجات الصحيّة لأي مجتمع، وفي رصد التقدم المحرز في تنفيذ البرامج، وفي تعقّب التغيرات على مرّ الوقت.3 لقد أكّد العديد من المؤلفين على الحاجة إلى تعزيز نظم الإحصائيات الوطنية وتحسين قابلية المقارنة بين بيانات الوفيات وعملية جمع هذه البيانات وإبلاغها على المستوى الدولي.4-8 مع أن دور مثل هذه البيانات على المستوى الوطني لا شك فيه، فإن البينات المتوافرة مؤخراً حول أنماط الوفيات المتغايرة داخل البلدان والمناطق9-11 وما تعكسه من انعدامٍ للعدالة الصحيّة توحي بأهمية تجميع هذه البيانات على المستوى دون الوطني أيضاً12 وخاصة تلك البينات. تلعبُ بيانات المجتمعات الفرعية دوراً حاسماً في استعراف تفاوت الوضع الصحي ومراقبته وكذلك في تحديد أولويات المداخلات والخدمات والبحوث على المستوى المحلي، وذلك في سياق القيود المفروضة على الموارد وانتشار التباينات الصحيّة. من المهم أيضاً الحصول على بياناتٍ متماسكةٍ وموثوقةٍ وموزعةٍ حسب السبب بهدف التخطيط الصحيّ المستند على البينة.13، 14

لا تتوافر بياناتٌ وطنيةٌ حول أسباب الوفاة إلا في عددٍ قليلٍ من البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، وإن توفرت فجودتها مشبوهة في أحيان كثيرة.2، 4 يتم تصنيف إحصائياتِ الوفيات الرسمية الصادرة عن دائرة إحصائيات جنوب أفريقيا على أنها متدنيةُ الجودةِ بسبب عدم اكتمال الإبلاغ ووجود نسبةٍ كبيرةٍ من حالات الوفيات المنسوبة إلى أسبابٍ غير محددةٍ، إضافة إلى الوفيات الناجمة عن إصاباتٍ غير محددة النيّة.2 علاوةً على ذلك، يتم منذ عام 1997 تجميع هذه الإحصائيات على المستوى الوطني ومستوى المقاطعات فقط، وعموماً لا تتوافر بروفيلات أسباب الوفاة على المستوى المحلي.15 إلا أن مدينة كيب تاون تقوم بجمع الإحصائيات حول أسباب الوفاة منذ ما يزيد عن 100 سنةٍ كجزء من برنامجها الخاص بالصحة العمومية.16 تم في أواخر التسعينات مراجعةُ طريقة جمع الإحصائيات ومقارنتها مع تعزيز نشاطات التدريب والتقييس، وذلك خلال فترة الانتقال الحكم المحلي من ستة بلدياتٍ إلى بلديةٍ واحدةٍ مع تقسيمها إلى ثماني نواحٍ صحيّة.17 منذ عام 2000 يتم تحليل الإحصائيات حسب المناطق الصحية بدعمٍ من مجلس البحوث الطبية في جنوب أفريقيا.18 أجري التحليل حسب المناطق الصحيّة لأول مرة في عام 2003 وكشفت النتائج عن وجود فروقٍ واسعةٍ على المستوى المحلي. وبناءً على هذه النتائج، أجري تحليل النزعات في منطقة مدينة كيب تاون للفترة ما بين 2001–2006 وفي المناطق الثمانية الجديدة للفترة ما بين 2003–2006.

تعرضُ هذه المقالةُ النتائجَ الرئيسةَ لتحليل النزعات وتُوضِّحُ كيفية مساهمة الترصد المحلي للوفيات في تحديد الأسباب الرئيسة للوفيات المبكرة وتسليط الضوء على الفوارق في الاحتياجات الصحيّة للجمهرات الفرعية. لهذه النتائج أهمية خاصة للإداريين الصحيين في كيب تاون، الذين كانوا يعملون على تنفيذ استرتيجية لامركزية الخدمات الصحيّة وعلى تطوير الخطط الصحيّة في المناطق خلال وقت إجراء الدراسة.

الطريقة

كيب تاون واحدة من ستةِ مناطق حضرية كبرى في جنوب أفريقيا، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 3.5 مليون نسمة. لقد تم تقسيم المدينة منذ عام 2003 إلى ثماني نواحٍ صحيّةٍ. يوجد في مدينة كيب تاون نظام جيد لتجميع إحصائيات أسباب الوفاة بشكلٍ روتيني. تقوم مديرية الصحة في كيب تاون بمقارنة البيانات مع نسخ إشعارات الوفاة من المكاتب المحلية لوزارة الداخلية وبجمع البيانات من المشارح المحلية. يقوم موظفون مدربون من مديرية الصحة بترميز أسباب الوفاة وتحديد السبب الكامن باستخدام قائمةٍ مختصرةٍ مُعتمِدةٍ على المراجعة العاشرة للتصنيف الإحصائي الدولي للأمراض والمشاكل الصحيّة ذات العلاقة (ICD-10) (الجدول 2 في برادشو وزملائه).17 تشمل هذه القائمة أكثرَ الأمراض انتشاراً في كيب تاون، فضلاً عن الأمراض ذات الأهمية للصحة العمومية.

في هذه الدراسة، تم استخدام الترميز التأويلي؛ مثلاً تم استخدام تعبير فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز بمكان عباراتٍ أخرى مكتوبةٍ على شهادة الوفاة مثل مرض الفيروسات القهقرية، وعوز المناعة ومنقوص المناعة. وبذلك تم ترميز فيروس نقص المناعة البشري كسببٍ مستبطن في كافة الأسباب سابقة الذكر. وفي حالات الوفيات غير الطبيعية أي التي لم تُذكَر فيها طريقة الوفاة في شهادة الوفاة، تم الحصول على هذه المعلومات عبر العودة إلى سجلات المشرحة ذات الصلة باستخدام تحديد الهوية الشخصية مثل الاسم ورقم الهوية.

بعد تنقية البيانات واستبعاد السجلات المكررة باستخدام المعرِّفات الشخصية، تم تجميع اللائحة المختصرة لرواميز أسباب الوفاة في ثلاث فئاتٍ رئيسيةٍ وفقاً للدراسة الوطنية الجنوب إفريقية حول عبء المرض، واستناداً إلى نسخةٍ معدلةٍ من دراسة عبء المرض العالمي لعام 1990. 19 كانت هذه الفئات على الشكل التالي: الفئة 1: أسباب ما قبل انتقالية (أمراض سارية وأسباب خاصة بالأمومة وحالات الفترة المحيطة بالولادة وأعواز تغذوية)؛ الفئة 2: أمراض غير سارية؛ الفئة 3: إصابات. رغم كون فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز جزءاً من الفئة الأولى، فقد تم تسجيل الإحصائيات حول هذا المرض بشكلٍ منفصلٍ لأنها تمثل قسماً كبيراً من عبء المرض في جنوب أفريقيا. تمت إعادة توزيع الوفيات المنسوبة إلى أسباب غير محددة بطريقة تناسبية حسب العمر والجنس عبر فئات السبب المناسبة كما هو موضح في تقرير سابق.18

تم تحليل البيانات لمنطقة مدينة كيب تاون 2001–2006 وللنواحي الصحيّة الثمانية الجديدة 2003–2006 وذلك حسب العمر والسبب والجنس. تم تقييم مدى اكتمال إحصائيات الوفاة بمقارنتها مع تقديرات تعداد جنوب أفريقيا لعام 2001 الخاصة بعدد الوفيات لكلّ عائلةٍ، كما وصفها زينياكاتيرا.20 بلغت نسبة اكتمال تسجيل الوفاة للبالغين خلال الفترة بين 2001–2006 نحو 96% على سبيل التقدير، باستثناء عام 2005 حيث كانت 84%، وذلك بسبب وجود مشكلة في جمع إشعارات الوفاة من بعض المكاتب. لذا تم استبعاد بيانات عام 2005 من التحليل اللاحق. من الصعب تقييم اكتمال بيانات الأطفال ولكن يُفترَضُ أن تكون أقل دقةً من البالغين.

تم حساب معدل الوفيات المبكرة اعتماداً على سنوات العمر المفقودة باستخدام كلٍّ من نهج تقرير عبء المرض العالمي مع التسوية للعمر وحسم نسبة 3% لكل سنة بالإضافة إلى مأمول الحياة المقيَّسة استناداً إلى جدول ويست لنموذج الحياة ،21 مع اعتبار متوسط مأمول الحياة عند الولادة 80 سنة للرجال و82.5 سنة للنساء.19 اُختيرَت هذه الافتراضات للسماح بالمقارنات على الصعيدين الوطني والدولي. تم استخدام التقديرات السكانية لمنطقة مدينة كيب تاون لحساب المعدلات الخاصة بعمرٍ معينٍ لكل 100000 نسمة حيث تم التنبؤ بهذه التقديرات السكانية اعتماداً على نموذج عام 2003 للجمعية الأكتوارية في جنوب أفريقيا (ASSA). ثم أجري تقييس هذه المعدلات بالنسبة للعمر باستخدام معيار السكان العالمي لمنظمة الصحة العالمية23 وقورنت بين المناطق الصحية. تم تقييم الفروق في الوفيات حسب كلاً من المناطق الصحية والجنس مع مجال موثوقية 95% حول معدلات الوفيات المقيَّسة حسب العمر.24

النتائج

تم تسجيل ما مجموعه 25251 وفاةٍ في منطقة مدينة كيب تاون في عام 2006، أي بزيادة قدرها نحو 7.0% عن عام 2001 (23681). شكّلت الوفاة الطبيعية نتيجة أسبابٍ غير محددةٍ نحو 7.7% من مجموع الوفيات التي تم تحليلها لعام 2001 و6.0% في عام 2006. ازدادت الوفيات غير الطبيعية الناتجة عن أسبابٍ غير محددةٍ (أي عندما لا يمكن على تحديد التعمد في الوفاة) زيادة هامة إحصائياً من 5.7% إلى 11.0% خلال هذه الفترة (خي مربع=78.0 بقيمة P أقل من 0.001).

يوضح الشكل 1 والشكل 2 الغرار العام للوفيات حسب العمر والسبب في منطقة مدينة كيب تاون في عام 2006. يوجد اختلافاتٌ كبيرةٌ بين الجنسين، حيث يعاني الذكور البالغون الشباب من أرقامٍ أعلى بكثير من الوفيات الناتجة عن الإصابة مقارنةً مع الإناث من حيث الأعداد المطلقة. كما تنتشر الوفيات الناتجة عن فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز بين الشباب وإلى حدٍّ ما الأطفال. تتسبب الأمراض غير السارية في أعدادٍ كبيرةٍ من الوفيات لدى من تزيد أعمارهم على 40 عاماً. بينما كانت الوفيات أكثر بين الإناث في الفئات العمرية البالغة 75 عاماً وما فوق.

الشكل 1. التوزع العمري لوفيات الإناث (العدد = 11132) حسب السبب والفئة العمرية، كيب تاون، جنوب أفريقيا، 2006
الشكل 2. التوزع العمري لوفيات الذكور (العدد = 14119) حسب السبب والفئة العمرية، كيب تاون، جنوب أفريقيا، 2006

بلغ معدل الوفيات الكلي المقيَّس حسب العمر نحو 1011 لكل 100000 في عام 2001 (95% مجال الموثوقية: 985-1039)، (الذكور، 1264، 95% مجال الموثوقية: 1241-1286؛ الإناث، 799، 95% مجال الموثوقية: 783-815). تراجع المعدل قليلاً في عام 2006 إلى 939 لكل 100000 (95% مجال الموثوقية: 941-964)، مع استمرار الارتفاع الهام في وفيات الذكور (ذكور، 1160، 95% مجال الموثوقية: 1140-1180؛ الإناث، 756، 95% مجال الموثوقية: 742-771). تميزت هذه الفترة بزيادةٍ كبيرةٍ في الوفيات الناجمة عن فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، وبانخفاضٍ كبيرٍ في الوفيات الناجمة عن الأمراض غير السارية بين الذكور والإناث على حدٍ سواء، وفي الوفيات الناجمة عن الإصابات بين الذكور (الجدول 1).

لوحظت اختلافاتٌ كبيرةٌ بمعدلات الوفيات المقيَّسة حسب العمر بين المناطق الصحيّة في منطقة مدينة كيب تاون (الجدول 2). وكانت المعدلات الأخفض في المناطق الشمالية والجنوبية (679 و713 لكل 100000 على التوالي) والمعدلات الأعلى في ناحية خايليتشا (1619 لكل 100000)، حيث بلغت نحو 2.5 مرةً بالمقارنة مع الناحية الشمالية (الجدول 2). سجلت خايليتشا أعلى المعدلات في الوفيات ضمن جميع فئات الأسباب.

لوحظت اختلافات واضحةٍ بين المناطق الصحية في معدلات الوفاة المقيَّسة حسب العمر المحسوبة لحالات غير ساريةٍ منتقاة (الجدول 3). كانت معدلات الوفيات من داء القلب الإقفاري مرتفعة في كلٍّ من الناحية الشرقية وناحية تيغربرغ بينما انخفضت هذه المعدلات في خايليتشا، بينما كانت معدلات الوفيات الناجمة عن السكتة الدماغية وارتفاع ضغط الدم والسكري عاليةً جداً في خايليتشا وسهل ميتشل. كانت معدلات الوفيات الناتجة عن سرطان الرئة والداء الرئوي المسد المزمن أعلى بين الذكور من الإناث وهي الأعلى بين الذكور في ناحيتي تيغربرغ وسهل ميتشل. هذه المعدلات كانت متغايرة، وكان الاختلاف الأشد في ± 30% (معدلات الوفاة الناجمة عن أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم لدى الذكور في الناحية الشمالية والتي تراوحت بين 9.5 و17.5 لكل 100000، مع تقديرٍ نقطيٍّ 13.5).

يوضّح شكل 3 النزعات في الأسباب الرئيسة للوفيات المبكرة خلال الفترة ما بين 2001–2006 (المعروضة كنسبةٍ مئويةٍ من مجموع سنوات الحياة المفقودة). تزايدت المساهمة النسبية للوفيات العنفية بالنسبة في الوفيات المبكرة بين عامي 2001 و2002 ولكنها انخفضت بين عامي 2002 و2004. لكنها ازدادت مرةً أخرى في عام 2006 لتصل إلى مستويات عام 2003. تزايدت الوفيات الناجمة عن فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز بشكلٍ ملحوظٍ بين عامي 2001 و2003، ثم استقرت في عامي 2004 و2005، بينما انخفضت في عام 2006. تشابهت نزعات معدلات الوفيات الناجمة عن فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز وجرائم القتل والسل مع نزعات النسبة المئوية لإجمالي سنوات العمر المفقودة المحسوبة لكلٍّ من هذه الأسباب، علماً أنه لم يمكن تقدير معدلات عام 2005 نظراً لعدم اكتمال البيانات. حلّ فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز الآن مكان العنف كسببٍ رئيسي للوفاة. شكّلت الأسباب الرئيسة الأربعة في منطقة مدينة كيب تاون، أي جرائم القتل وفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز والسل وإصابات حوادث الطرق، ما نسبته 44.2% من جميع الوفيات المبكرة في عام 2006. يبين الجدول 4 ترتيب الأوضاع على أساس معدل الوفيات المبكرة (سنوات العمر المفقودة) لكل ناحية من المناطق الصحيّة في عام 2006.

الشكل 3. نزعة النسبة المئوية لسنوات العمر المفقودة وفق أسباب وفاةٍ رئيسةٍ مختارةٍ، منطقة مدينة كيب تاون، جنوب أفريقيا، 2001 – 2006

المناقشة

على الرغم من انخفاض معدل الوفيات في كيب تاون بالمقارنة مع المعدل الوطني لكن تُظهِر البيانات الواردة أعلاه أن نمط الوفيات في كيب تاون يمثّل ما يقارب عبء المرض الرباعي الملاحظ في البيان الوطني لأسباب الوفاة،25 مع وفياتٍ مرتفعةٍ من الأمراض المعدية بين الأطفال الصغار؛ ووفياتٍ مرتفعةٍ ناجمة عن العنف والإصابات في صفوف البالغين الشباب؛ ووفياتٍ مرتفعةٍ من الأمراض غير السارية في الفئات العمرية الأكبر، وارتفاعُ وفيات فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز في أوساط البالغين الشباب والأطفال الصغار. ساهم استخدام الوفيات المبكرة (سنوات الحياة المفقودة) في تسهيل عملية تحديد أولويات الصحة العمومية مثل فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز والعنف. يكشف تحليل النزعات الناشئة في معدل الوفيات بين عامي 2001 و2006 بأن فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز أصبح السبب الرئيسي للوفيات المبكرة بدلاً عن جرائم القتل، ويرجع ذلك لسببين: الانخفاض في معدلات جرائم القتل خلال فترة التحليل، والزيادة في معدلات وفيات فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز.

على الرغم من اعتماد طريقة الترميز التأويلي، من المرجح التشكيك في مصدوقية المعدلات الملاحظة لوفيات فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز بسبب اعتماد الأطباء على كتابة الأسباب المباشرة للوفاة فقط لتجنب الكشف عن حالة فيروس نقص المناعة البشري. مع ذلك، فقد احتل فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز المركز الأول أو الثاني كالسبب الأكثر شيوعاً للوفيات المبكرة في جميع المناطق الصحية في عام 2006 حيث شكّل ما نسبته 16% من العبء الكلي للوفيات في منطقة مدينة كيب تاون. تمت ملاحظة وجود طرازٍ واضحٍ خاصٍ بالعمر في معدل وفيات فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز،26، 27 حيث تركّزت غالبية الوفيات بين الأطفال الصغار والنساء الذين تتراوح أعمارهن بين 25–39 والرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 30–49. وبذلك نلاحظ حدوث الذروة عند النساء في وقتٍ أبكر بما يقارب 10 سنوات وذلك رغم تشابه شدة ذروة معدلات الوفيات بالنسبة للذكور والإناث. يبدو أن الزيادة السريعة في معدلات وفيات فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز بين عامي 2001 و2004 قد بدأت بالاستقرار، غالباً على أثر برامج الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية التي نُفذت في كيب الغربية في عام 2003.

وبخلاف نزعة التزايد في معدل وفيات السل المشاهدة على الصعيد الوطني، ظلّت معدلات الوفاة بالسل في كيب تاون ثابتةً إلى حدٍ ما خلال هذه الفترة. يمكن تفسير ذلك بالرجوع إلى عدة عوامل. أولها الخطأ في تصنيف نسبةٍ كبيرةٍ من الوفيات الناجمة عن السل على المستوى الوطني على أنها حالة وفاةٍ بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز،26 ولكن هذا الخطأ قد يكون أقل في كيب تاون بسبب استخدام طريقة الترميز التأويلي. إضافةً إلى تكثيف جهود الوقاية في السنوات الأخيرة في المناطق عالية التعرض للسلّ مثل خايليتشا، مما أدى إلى تحسيناتٍ كبيرةٍ في معدلات الشفاء التي يمكن أن تكون قد ساهمت في تخفيض معدلات الوفيات.

على الرغم من انخفاض معدلات الوفيات بجرائم القتل في كيب تاون بين عامي 2001 و2004، فقد ازدادت في الفترة اللاحقة، ولا تزال واحدةً من أعلى المعدلات في العالم (59.8 لكل 100000).28 بلغت معدلات الوفيات بجرائم القتل بين الذكور في كيب تاون في عام 2006 نحو 8 أضعاف المتوسط العالمي (109 لكل 100000 مقابل 13.9 لكل 100000)، أما معدلات الإناث فكانت 3 أضعاف المتوسط العالمي (12.5 لكل 100000 مقابل 4.2 لكل 100000).29 أظهرت بيانات نظام الترصد الوطني لوفيات الإصابات أن معدلات جرائم القتل المقيَّسة حسب العمر في كيب تاون كانت أعلى أيضاً من المدن الأخرى في جنوب أفريقيا.30

غالباً ما تحدث جرائم القتل بين البالغين الشباب. كانت المعدلات بين الذكور 2–4 لكل 100000 في مرحلة الطفولة، ثم ترتفع نحو ذروتها بسرعة لتصل إلى نحو 260 لكل 100000 في الفئة العمرية 15–24 سنة، ثم تتراجع المعدلات بثباتٍ مع تقدم العمر. لوحظ طراز عمري مماثلٌ بين الإناث لكن مع ذروةٍ أقلّ (24 لكل 100000)، كما وقعت الذروة بعد 10 سنواتٍ لاحقةٍ، أي ما بين 25 و34 سنة. اتصفت ناحية خايليتشا بأعلى معدلات جرائم القتل، حيث كان معدل الذكور (242.4 لكل 100000) 17 ضعف المتوسط العالمي، وبالنسبة للإناث (36.6 لكل 100000) نحو 9 أضعاف المتوسط العالمي. بالإجمال، تكشف البيانات المتوفرة لدينا عن استخدام الأسلحة النارية في نحو 40% من جرائم القتل في منطقة مدينة كيب تاون.

خلافاً لمعدلات جرائم القتل، ظلّت الوفيات الناجمة عن حوادث المرور ثابتةً بوضوحٍ في كيب تاون بين عامي 2001 و2006، حيث تراوحت بين 25–29 حالة وفاةٍ لكل 100000. مع ذلك، فإن معدلات الحوادث على الطرق المرورية بين الذكور في كيب تاون هي أعلى بنسبة 30% من المتوسط العالمي للذكور (45 لكل 100000 في مقابل 32 لكل 100000).29 وبذلك تبقى الوقاية من وقوع الإصابات، وخاصةً الإصابات العنيفة، أولويةً ملحةً في المقاطعة والتي تتطلب تنسيقاً ما بين القطاعات وعلى مختلف المستويات.31

سلّطت هذه الفروق الواسعة في مستويات الوفيات في أنحاء المدينة الضوءَ على أهمية جمع المعلومات على مستوى المناطق الصحية. حيث تتحمل ناحية خايليتشا عبئاً أكبر بكثيرٍ من الوفيات المبكرة لجميع فئات الأسباب الثلاث بالمقارنة مع غيرها من المناطق علماً بأنها منطقةٌ كبيرةٌ وفقيرةٌ في ضواحي كيب تاون. تمت ملاحظة هذا الاختلاف بوضوحٍ في الفئات التالية: الظروف ما قبل الانتقالية وفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز والإصابات، كما كانت معدلات الأمراض غير السارية أعلى أيضاً في خايليتشا، مما يؤكّد نتيجةً سابقةً قالت بانتشار الأمراض غير السارية في أوساط الفقراء في المناطق الحضرية من جنوب أفريقيا.32 بين كافة الأمراض القلبية الوعائية، كانت معدلات داء القلب الإقفاري فقط منخفضةً في خايليتشا. في حين كانت معدلات وفيات كلٍّ من فرط ضغط الدم والسكتة الدماغية والسكري في خايليتشا من بين أعلى المعدلات، مما يوحي بأن هذه الفئة السكانية ما زالت في مرحلةٍ مبكرةٍ من التحول الوبائي للأمراض القلبية الوعائية مقارنةً مع سكان المناطق الأخرى. أيضاً ارتفعت معدلات الوفاة بسبب الظروف المرتبطة بالتبغ مثل سرطان الرئة و الدَّاءُ الرِّئَوِيُّ المُسِدُّ المُزْمِن بين الذكور في خايليتشا مقارنةً مع المناطق الجنوبية والشمالية والغربية.

يوجد بعض المخاوف بشأن جودة البيانات المستخدمة في هذه الدراسة. كشفت دراسةٌ حديثةٌ حول إشهاد أسباب الوفاة عن وجود أخطاءٍ هامةٍ قد تؤثر على تحديد السبب الكامن وراء أي وفاة،33 خاصة عدم تحديد السبب الكامن، مما يسبب إسناد الوفيات لأسبابٍ غير محددةٍ. في عام 2006، نُسبَت 6.0% من وفيات منطقة مدينة كيب تاون لأسبابٍ غير محددةٍ. كان هذا فعلياً أقلّ من النسبة الملاحظة في البيانات الوطنية لعام 2005 والتي بلغت 12.0%،34 وأعلى قليلاً من الهدف الدولي المتمثل بنسبة 5.0%.19 إلا أن هذه البيانات لم تكن مفيدةً لذا قمنا بإعادة توزيعها إلى أسبابٍ محددةٍ لأغراض هذه الدراسة. لم تؤثر إعادة التوزيع هذه على النتائج حيث لم تمثّل حالات الوفاة غير المحددة سوى نسبةً مئويةً صغيرةً نسبياً من المجموع كما أنّها وقعت في جميع الفئات العمرية.

قد تشير هذه النسبة المنخفضة نسبياً في الوفيات المنسوبة إلى أسبابٍ غير محددةٍ في كيب تاون بالإضافة إلى المستوى العالي نسبياً من اكتمال البيانات إلى إتاحة خدماتٍ صحيّةٍ أفضلّ في كيب تاون بالمقارنة مع مناطق أخرى. قد يعود الاكتمال في تسجيل الوفيات أيضاً إلى نظام تثليث بيانات الوفيات بالاعتماد على مصادر مختلفة، في حين قد يعني عدم الاكتمال في سجلات وفيات الأطفال نقصاً بالإبلاغ عن الإسهال والعدوى التنفسية السفلية، مما قد يؤثر على البيانات حول الأسباب الرئيسة للوفيات المبكرة، لا سيما في خايليتشا. وفي كل الأحوال، هناك حاجةٌ إلى تحسين نوعية إشهاد أسباب الوفاة لتعزيز معوليّة الإحصائيات حول أسباب الوفاة. حالياً تجري مقاربة هذه الحاجة من خلال مبادرةٍ تعاونيةٍ لإضفاء الطابع المؤسسي على تدريب إشهاد الوفاة في مدارس الطب وتدريب المستشفيات وغيرها من المرافق الطبية. بالإضافة إلى ذلك، يجري تعزيز نظام الترصد ليسمح بنقل البيانات حول أسباب الوفاة إلكترونياً من المشارح. سيوفر ذلك معلوماتٍ كاملةً عن طريقة الوفاة في حالة الإصابات المميتة، والتي عادةً ما تكون مفقودة في شهادات الوفاة. رغم الاستفادة من استخدام قائمةٍ مختصرةٍ للترميز في المراحل الأولى من نظام الترصد، فإن هذا النهج ليس وضعاً مثالياً، لذا يتم حالياً تحديث النظام نحو استخدام الترميز الآلي المشتق من المراجعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض، وذلك تماشياً مع المعايير الدولية.

يكمن التحدي في الحاجة إلى بياناتٍ سكانيةٍ دقيقةٍ من أجل إنشاء نظامٍ فعالٍ لترصد الوفيات وتقييم النزعات في معدلات الوفيات ضمن مناطق صغيرة. حيث لا تتوافر في جنوب أفريقيا تقديراتٌ سكانيةٌ رسميةٌ متماسكةٌ مقسمةٌ حسب المناطق. استخدمنا تقديراتٍ مستندة إلى نموذج ASSA، والتي تم حسابها لتعدادات عامي 1996 و2001. قد لا نستطيع إدراج معلومات الهجرة بشكلٍ كاملٍ، مما يسبب الأخطاء في الأرقام السكانية والتي بدورها تؤثر على نزعات الوفيات. مع ذلك، من غير المرجح وجود تأثيرٍ كبيرٍ لمثل هذا الخطأ حيث لم تُظهر المعدلات نزعات منتظمةً في جميع أسباب الوفيات.

رغم المحددات، فإن نظام الترصد المحلي الروتيني للوفيات في كيب تاون يوفّر ثروةً من المعلومات عن الحالة الصحيّة للسكان والتي تفيد في تحديد المشاكل الصحيّة ذات الأولوية والفئات سريعة التأثر وفي تخطيط التدخلات الهادفة وتنفيذها. على سبيل المثال، جاء في بيانات عام 2006 بأن الأمراض غير السارية تمثل 55.8% من الوفيات، غالبيتهم من أمراض السرطان والأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية والسكري. من منظور الخدمة الصحيّة، يمكن تخفيض معدلات وفيات الأمراض غير السارية من خلال تعزيز الصحة وتحسين تدبير عوامل الخطر في مستوى الرعاية الأولية، مما له تداعيات هامة على نظم الرعاية الصحيّة الأولية الموجودة، والتي تهدف أساساً إلى تدبير الأمراض المعدية الحادة.35

رغم الحاجة إلى مداخلاتٍ واسعة النطاق، لكن المداخلات المجتمعية أساسيةً، مثل الترويج لإتباع نظامٍ غذائي صحيّ وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، والتي تهدف إلى الحد من عوامل خطر الأمراض المزمنة على مستوى السكان.36 ينبغي بالخاصة تعزيز جهود مكافحة التبغ للحد من المعدلات العالية للتدخين بين الرجال من كافة الفئات الإثنية والنساء من غير العرق الأبيض.37 لا بدّ أيضاً من التنسيق بين القطاعات. تحتاج مديرية الصحة إلى إشراك قطاعات أخرى مثل التعليم والإسكان والنقل والسلامة والأمن ومراقبة حركة المرور، في مقاربة المشاكل متعددة العوامل مثل عدوى فيروس نقص المناعة البشري والسل وجرائم القتل وإصابات حوادث المرور، والتي تمثل معاً نحو 44% من الوفيات المبكرة في منطقة مدينة كيب تاون.

من الهام جداً نشر المعلومات حول الوفيات لكافة الجهات المعنية. لذلك تم نشر خلاصات النتائج الرئيسة وتوزيعها، كما تم تقديم العروض لأصحاب القرار السياسي الصحيّ ومديري البرامج على مختلف المستويات. سيكون من المثالي ربط نظام ترصد الوفيات مع النظام الإحصائي الوطني. لكن يجب القيام بذلك دون تخلي موظفي الصحة المحليين عن ملكية هذه المعلومات التي يحتاجون إلى استخدامها في تخصيص الموارد.

من الضروري تحديد أولويات المداخلات الصحيّة في أماكنٍ محدودةِ الموارد. قد يساعد رصد الوفيات على المستوى المحلي في تحديد الأسباب الرئيسة للوفاة المبكرة وفي تعريف المجموعات السكانية الفرعية التي تعاني من أعلى مستويات الوفيات المبكرة، كما قد يوفّر بياناتٍ مفيدةً لمراقبة فعالية البرامج والمداخلات. لقد أثبتت تجربة كيب تاون أنه يمكن تنفيذ نظم رصد الوفيات وتعزيزها عبر جهدٍ تعاونيٍّ منسقٍ، وأن هذه النظم توفر معلوماتٍ مفيدةً لعمليتي التخطيط الصحيّ وصنع السياسات، ولا سيما في المجتمعات الحضرية الفقيرة.


تضارب المصالح :

لم يُعلَن أيٌّ منها.

المراجع

شارك