مجلة منظمة الصحة العالمية

الأمهات والأطفال أولاً: خطوة أولية ملائمة نحو التغطية الشاملة

Rob Yates a

a. Department for International Development, 1 Palace Street, London, SW1E 5HE, England.

المراسلة مع (Rob Yates e-mail: rob-yates@dfid.gov.uk).

(Submitted: 08 November 2009 – Revised version received: 05 February 2010 – Accepted: 09 February 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:474-475. doi: 10.2471/BLT.09.074401

يتنامى الاتفاق على أنّ إنجاز التغطية الصحية الشاملة هو مرمىً هامٌّ لجميع الأمم وملائمٌ لها وقابلٌ للتطبيق فيها. وفي ظل صرخة استنهاض الهمم "الكل من أجل التغطية الشاملة"، يشرح غاريت وزملاؤه في ورقته المنشورة في مجلة لانسيت بأن تحقيق التغطية الشاملة سيكون ذا أهمية حيوية إذا ما أردنا الوصول إلى مرامي الصحة واستئصال الفقر وحقوق الإنسان.1

ومنذ قرار جمعية الصحة العالمية رقم WHA58.33 لعام 2005،2 قادت منظمة الصحة العالمية جهوداً دولية لتحقيق التغطية الشاملة والتي تم تعريفها بتأمين "إتاحة الخدمات التعزيزية والوقائية والعلاجية والتأهيلية الملائمة ميسورة التكلفة للجميع". وقد حرصت منظمة الصحة العالمية خصوصاً على تركيز الاهتمام على ما قد يبدو العامل الأهم في تحديد مستويات التغطية، ألا وهو التمويل الصحي.

عندما يضع صانعو السياسة سياسةَ التمويل الصحي، يتعاملون في كثير من الأحيان مع العدالة كأولوية أخيرة، والنتيجة هي معدلات تغطية غير عادلة وفروق واسعة في الحصائل الصحية بين مجموعات الدخل في العديد من البلدان.3 فإذا كان علينا تحقيق مرامي التنمية الألفية الصحية التي أوصت منظمة الأمم المتحدة بإنجازها بحلول عام 2015، فمن الواجب زيادة معدلات التغطية بسرعة وعدالة. ولعل أفضل طريقة للقيام بذلك هي استهداف المجموعات الأقل تغطية والأكثر احتياجاً أولاً، مع التركيز خصوصاً على النساء والأطفال أولاً باعتبار أنّ تلك المرامي تستهدف وفيات الأطفال والأمهات على وجه التحديد.

لقد أعطى المجتمع الدولي في الأشهر الأخيرة أولوية أكبر لتحسين صحة النساء والأطفال، وتجسّد هذا الجهد في اتفاق صحة الأم والوليد والطفل4 الذي اعتمد على خمس ركائز هي: (1) القيادة السياسية وإشراك المجتمع؛ و(2) النظم الصحية الفعالة؛ و(3) إزالة الحوائل أمام الإتاحة؛ و(4) العاملين الصحيين المهرة والمحفّزين؛ و(5) المساءلة.

توافقت فعلياً جميع الوكالات الصحية الكبرى على هذا الاتفاق الذي تضمَّنَ توصية سياسية ستسهم، فيما لو طُبّقت بالشكل الصحيح، في تسريع تغطية الرعاية الصحية الفعالة لبلايين النساء والأطفال. وتحت بند ركيزة "إزالة الحوائل"، أوصى الاتفاق بوجوب دراسة البلدان لتقديم الخدمات الصحية المجانية للنساء والأطفال عند نقطة الاستخدام. يمثل هذا البيان حلاً وسطاً وضع بين الوكالات القيادية بعد عقود من الجدل حول ما إذا كان ينبغي للبلدان أن تفرض رسوماً على مستخدم الخدمات الصحية. ويمكن تتبع تطور هذه الاتفاق من خلال سلسلة من المشاورات التي استضافتها منظمة إنقاذ الطفولة5 وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) والمفوضية الأوروبية. وشملت هذه الأحداث ممثلين من الوكالات الثنائية ومتعددة الأطراف والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني. كانت التوصية السياسية النهائية في كل مرة هي ذاتها: عند الإلغاء التدريجي للرسوم، فالنساء والأطفال سيستفيدون أولاً. وقد تم التشجيع على هذا الموقف المشترك واعتماده في مناقشات اتفاق صحة الأم والوليد والطفل.

لوحظ فعلياً التزام رفيع المستوى بهذا الموقف، ففي 23 سبتمبر/أيلول 2009، وخلال اجتماع خاص في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أيد كلٌّ من رئيس الوزراء البريطاني والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية ورئيس البنك الدولي علناً مفهومَ الخدمات المجانية عند نقطة الإيتاء. كما أعلن رؤساء خمس دول منخفضة الدخل (غانا وليبيريا وملاوي ونيبال وسيراليون) عزمهم على مَدّ الخدمات العامة المجانية في بلدانهم، وقد أوضحت المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في كلمتها أهمية اتفاق صحة الأم والوليد والطفل وأبرزت رسوم الاستخدام كأكبر حائل أمام التغطية الشاملة. بالإضافة لذلك، فقد أوصى فريق عمل شكلته الحكومة اليابانية في عام 2008 بإلغاء البلدان النامية لرسوم المستخدم مبتدئين بالخدمات ذات الصلة بمرامي التنمية الألفية 4 و5 و6.

تكتسب هذه التوصية السياسية قوة جذبٍ لأنها على ما يبدو تتصدى لعدة قضايا أساسية، سياسية واقتصادية ومرتبطة بالصحة. وهي على وجه الخصوص حلٌّ وسطٌ مناسبٌ للأسباب التالية:

  • هناك بيّنةٌ بحثية ساحقة على أنّ المدفوعات الشخصية (رسوم الاستخدام) هي آليات تمويل صحي غير فعالة وغير عادلة.7
  • في الوقت الذي تبدو فيه العديد من الحكومات مترددة في إزالة رسوم الاستخدام المفروضة على سكانها بالكامل إلا أنها تبدو بمعظمها حريصة على إعفاء مجموعات الاحتياج العالي.
  • بينما يبدو أنّ محاولات إعفاء الناس من الرسوم استناداً إلى معايير اقتصادية تميل للفشل، يبدو جلياً أنّ النساء والأطفال مجموعتان قابلتان للاستعراف بسهولة.
  • توجد سوابق تاريخية لوضع النساء والأطفال كأولويات تستهدفها تغطية الرعاية الصحية في العالم المتقدم والنامي، وهناك بعض الخدمات التي تُقدّمُ عادة مجاناً (كالتمنيع والاستنصاح قبل الولادة).
  • لم يلقَ تنفيذ هذه الإصلاحات معارضةً من الرجال الذين يميلون للمزيد من السيطرة على دخل الأسرة وبالتالي إتاحة أقضل للبدائل الخاصة. لذلك ليس ثمة سبب للاعتقاد بأنه سيكون لهذه السياسة أثراً ضائراً على صحة الرجل.
  • ستهتم بهذا الاستهداف البلدان التي تسعى لتحقيق المرميَيْن الرابع (خفض وفيات الأطفال) والخامس (معدل وفيات الأمهات) من مرامي التنمية الألفية.
  • يميل وصول النساء والأطفال للموارد المالية ليكون قليلاً، ولذا سيكون لإعفائهم من الرسوم أثره الكبير على استخدامهم للخدمات.
  • يُمكن أن تستمر الدول التي توفر الرعاية المجانية للنساء والأطفال بفرض رسوم على مجموعات أقلّ أولوية.
  • ضمان توافر الخيار المجاني لا يعني بالضرورة أن على جميع مقدمي الرعاية عدم فرض الرسوم. يمكن في الواقع أن يكون توجيه الأشخاص ذوي القدرة الأكبر على الدفع إلى القطاع الخاص أكثر كفاءة. وهذا من شأنه جعل معدل وقوع الفائدة في تمويل الصحة العمومية عادلاً أكثر.
  • إن تقديم الخدمات المجانية في نقطة الإيتاء متوافق مع جميع آليات التمويل الأخرى التي تعتمد على طرائق الدفع المسبق كتمويل الضرائب والتأمين الصحي الاجتماعي والتأمين الخاص والمجتمعي على سبيل المثال.
  • يمكن أن تقرر البلدان بأنفسها الخدمات الصحية التي ستقدمها مجاناً وذلك تبعاً لأولوياتها والموارد المتاحة لها. ينبغي أن تشمل هذه الخدمات تدخلات أثبتت أنها فعالة تكلفة كتلك التي وردت في اتفاق صحة الأم والوليد والطفل.
  • أطلقت بالفعل عدة بلدان منخفضة الدخل خدمات صحية مجانية تستهدف النساء والأطفال، وتم تحديد المزيد منها لتنفيذه لاحقاً. شهدت بوروندي منذ إلغاء الرسوم في عام 2006 زيادة بثلاثة أمثال في مشاورات العيادات الخارجية من الأطفال وازدادت الولادات في وحدات صحية بنسبة 146%. وأطلقت سيراليون مجاناً خدمات رعاية صحية للنساء الحوامل والمرضعات والأطفال في أبريل/نيسان 2010.
  • أثبت إطلاق الخدمات الصحية المجانية بأنه سياسة اجتماعية ذات شعبية كبيرة في العديد من البلدان وظهر بالتالي كتدخل جذاب للقادة السياسيين.

ولكل هذه الأسباب فمن المنطقي أن تُقْدم البلدان فقيرة التغطية بالرعاية الصحية على توفير مجموعة من الخدمات الصحية الأساسية مجاناً في نقطة الإيتاء للنساء والأطفال. تناسب هذه السياسة خصوصاً معظمَ البلدان ذات الدخل المنخفضة والمتوسط الأدنى التي لا تزال تفرض رسوماً على المستخدم، وعددها 98 بلداً.

ولكن، وحتى تصبح مثل هذه السياسة ناجحة، سيصبح حتمياً استبدال دخل الرسوم بآليات تمويل أخرى والعثور على تمويل إضافي لزيادة توافر الخدمات وجودتها. يجب أن يقرّ الزعماء السياسيون بأن الخدمات الصحية المجانية لا وجود لها – هناك شخص ما سيدفع، واذا لم يقوموا بتأمين موارد إضافية من أجل الصحة سينظر السكان إلى تصريحاتهم على أنها مجرد خداعٍ سياسي.

يجب ألا يكون تقديم خدمات الصحة العمومية مجاناً لمجموعات كبيرة من السكان في البلدان النامية باهظ التكلفة بالضرورة. لقد أطلق العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض (مثل نيبال وأوغندا وزامبيا) الخدمات العامة مجاناً مع إنفاق على الصحة العمومية يقارب 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وكما أظهرت البلدان متوسطة الدخل، مثل سريلانكا، فإنه يمكن عند استخدام التمويل العمومي بكفاءة تحقيق التغطية الشاملة مع مستويات تمويل عمومي تساوي 23 دولاراً أمريكياً للفرد الواحد. يوجد في كثير من البلدان النامية مجالات كثيرة لتحسين كفاءة التمويل العمومي القائم.8

وبالإضافة للعثور على تمويل عمومي محلي إضافي، لا بد من زيادة تدفقات المعونة لنظم الرعاية الصحية. ولذا فمن المهم جداً ترسيخ هذه السياسة القائمة على إعطاء أولويات للرعاية الصحية المجانية للنساء والأطفال في اتفاق صحة الأم والوليد والطفل الإجمالي. وفضلاً عن معالجة الحوائل المالية وإزالتها، لا بد من التأكيد على أهمية تعزيز النظم الصحية. ومن خلال التعامل المتواقت مع قيود جانبَيْ العرض والطلب وحده سيكون النساء والأطفال قادرين حقيقةً على الاستفادة من تغطية الرعاية الصحية الفعالة.

ومع اقتراب موعد انعقاد قمة الأمم المتحدة لمرامي التنمية الألفية الإنمائية، سيكون 2010 عاماً هاماً للغاية فيما لو تسارع تقدم العالم نحو تحقيق المرامي الموضوعة لعام 2015. ومع ابتعاد مرامي التنمية الألفية المرتبطة بالصحة عن مسارها فمن الضروري أن يوفر المجتمع الدولي مشورة سياسية مترابطة منطقياً ويوفر موارد إضافية لمساعدة البلدان على تحقيق التغطية الشاملة. وسيكون مفيداً في هذا الصدد اتفاق زعماء العالم على جدول زمني لتحقيق التغطية الشاملة يتوافق مع الجدول الزمني لمرامي التنمية الألفية.

سيشرح التقرير الصحي العالمي لعام 2010 كيف يمكن أن تؤثر إصلاحات التمويل الصحي كثيراً في الوصول إلى التغطية الشاملة. ولكن سبق وأوصانا اتفاق صحة الأم والوليد والطفل بسياسة عملية كخطوة أولى نحو هذا المرمى. نحن فعلاً نستطيع ضمان التغطية الفعالة لنساء العالم وأطفاله إذا تمكنا من جمع أموال إضافية وتخصيصها وإدارتها جيداً وإزالة الحوائل المالية. وتقديم الخدمات مجاناً للنساء والأطفال في نقطة الإيتاء هو أمر منطقي من وجهة النظر التقانية والأخلاقية والسياسية. علاوة على ذلك، سنستطيع من خلال التوجيه التدريجي للتغطية الشاملة بهذه الطريقة اتباعَ الممارسة الشائعة في إنقاذ الأرواح والمتبعة في أوضاع الطوارئ حيث يعتبر مفهوم "النساء والأطفال أولاً" استجابةً ملائمةً للموارد المحدودة لإنقاذ للحياة.


تضارب المصالح:

لم يصرّح بأيٍّ منها.

المراجع

شارك