مجلة منظمة الصحة العالمية

فريق عمل التمويل الدولي المبتكر للنظم الصحيّة: ما هو التالي؟

ديفيد مكْوي(أ) ونوريا بريكي(ب)

a. Faculty of Public Health, University College London, London, England.
b. Save the Children UK, 1 St John's Lane, London, EC1M, England.

المراسلة مع نوريا بريكي(e-mail: n.brikci@savethechildren.org.uk).

(Submitted: 18 November 2009 – Revised version received: 27 January 2010 – Accepted: 02 February 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:478-480. doi: 10.2471/BLT.09.074419

المقدمة

أُطلق فريق العمل رفيع المستوى المعني بالتمويل الدولي المبتكر للنظم الصحية في سبتمبر/أيلول 2008 وترأَّسَه غوردون براون، رئيس وزراء المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشّمالية، وروبرت زوليك، رئيس البنك العالمي، وكان هدفه اسْتِعْراف مصادر تمويل مبتكرة وإضافيّة لتقوية النظم الصحيّة في البلدان الـ 49 صاحبة الدخل الأدنى في العالم. قدَم فريق العمل توصياته النهائيّة في سبتمبر/أيلول 2009 إلى جانب ورقتي مجموعة عمل مفصَّلَتين.1،2 نُلخِّص هنا المخرجات والتوصيات الرئيسة لفريق العمل في ثلاثِ مجالات: (1) حساب تكلفة الثغرة التمويليّة؛ و(2) مصادر جديدة ومبتكرة للتمويل؛ و(3) تقديم مساعدة تنموية لعمل صحّي أفضل (الإطار 1). نفحصُ بعد ذلك محدِّداتها ونقترح أعمالاً إضافية لمجتمع الصحَة الدولي.

الإطار 1. ملخّص التوصيات المقترحة من فريق العمل رفيع المستوى المعني بالتمويل الدولي المبتكر للنظم الصحيّة3

مصادر جديدة للتمويل:

  • مَدُّ جباية التكافل الإلزامي على بطاقات الخطوط الجويّة إلى بلدان أكثر (حالياً مطبَّقة في بلدان عديدة ومستخدمة بشكل أولي لتمويل معالجة متلازمة عَوَز المناعة المكتسب عند الأطفال من خلال مبادرة يونيتايد (الاتحاد لمعالجة المحتاجين UNITAID))؛
  • استقصاء قابلية تطبيق فرض الضرائب على التدخين والتداولات النقدية؛
  • تشجيع العطاء الخصوصي الطوعي من خلال: (1) جبايات طوعية على شراء بطاقات الخطوط الجويّة ودقائق الهاتف الجوّال (يُتَوَقَّع أن تحشد 3.2 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2015)؛ و(2) خطّة تدعى "نزع الضريبة" والتي سَتَسِمُ حصَّة من وصولات الضرائب ذات القيمة المُضافة عندما تتَّفق المشاريع المشاركة على إضافة حصَّة من أرباحها (القوة مُقدَّرة هي 220 مليار دولار أمريكي عام 2010)؛
  • تأمين استثمار خصوصي بشكل أكبر في الأنظمة الصحيّة من خلال تأسيس اعتماد(ات) ماليّة لتهوين رؤوس الأموال/الاختِطَار. أيضاً تمَّ التنويه للخروج بالمصادر إلى المقدّمين غير الحكوميين وتشجيع استخدام أكبر لالتزامات السوق المتقدّمة مثل تلك الهادفة لشراء اللقاح كطرق لضمان الاستثمار من العاملين في القطاع الخاص.

جعل المساعدة النموية من أجل الصحّة تعمل بشكل أفضل:

  • تحميل أمامي أكبر (أيْ، تركيز الدفعات عند بداية أي اتّفاق) وقابلية التنبّؤ بالعون، ربما عن طريق توسيع إلزاميّة "مَرفق التمويل العالمي" للتمنيع.
  • توسيع استخدام التمويل المرتكز إلى النتائج وآليّة "الشِّراء المنخفض" (وهي استخدام منحة تمويل لإنقاص تكلفة القروض عند تحقيق أهداف محدَّدة تتعلَّق بالإنجاز) واستخدام تمويل المعطي المُرْتَكز إلى الإنجاز لقطاع الصحّة.
  • تأسيس برنامج لتمويل النظم الصحيّة المشتركة من أجل الاعتماد المالي العالمي لمكافحة متلازمة العَوَز المناعي المكتسب والسّل والملاريا والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع والبنك العالمي.
  • القيام بمراجعة المساعدة التقنيّة في ضوء البيّنة التي مفادها أنها تستهلك نسبة كبيرة من العون بينما تبدو متدنيّة القيمة مقابل المال.

الثغرات والتحدِيات

حساب التكلفة

تبرز هنا ثلاث قضايا، تتعلَق الأولى بالنماذج المستخدمة لحساب تكاليف توسيع الخدمات الصحيّة الأساسيّة، بما في ذلك افتراضات حول المطلوب لإنجاز هذا التوسّع.1 لم تقدِّم النماذج المختلفة التي استُخْدِمَتْ من قِبَل فريق العمل طرائق بديلة لتحديد التكلفة فحسب، بل وعكَست أيضاً أساليب مختلفة لتقوية النظم الصحيّة ومستويات مختلفة من الطموح.

كان أسلوب منظّمة الصحّة العالميّة المعياري، على سبيل المثال، جريئاً وأيّد التوسّع المتزامن للخدمات المرفقيّة ومجتمعيّة المُرتكَز. بينما كان البنك العالمي وصندوق الأمم المتّحدة للأطفال (اليونيسيف) أقل طموحاً، وأيَّدا توسيع الخدمات مجتمعيّة المُرتكَز ذات التكلفة المنخفضة قبل الشروع بأي تقوية أو توسيع للخدمات مرفقيَة المُرتكَز. فإضافةً إلى الالتباس الناجم عن وجود نماذج مختلفة لتحديد التكلفة، كشف فريق العمل عن فروق أساسيّة في الرأي المتعلق بالمتطلبات الدنيا لتقوية النظم الصحيّة والطريقة الأفضل لتوسيع تغطية الخدمات الصحيّة الأساسيّة.

وترتبط القضيّة الثانية بعدم توافر طريقة تحديد تكلفةٍ معينةٍ لإنتاج "بطاقة تسعير" إجماليّة في بلدٍ ما ويمكن تعميمها على البلدان منخفضة الدخل جميعها. علاوةً على ذلك، فالمناقشة الكاملة والصحيحة حول الطريقة الأفضل لتمويل الخدمات الصحيّة الأساسيّة وتوسيعها لا يمكن أن تتم أخيراً إلا على مستوى البلد فقط. كما أنّ تحديد التكلفة المعنية بمُدخلات النظم الصحيّة مثل "الحَوْكَمة" جديدةٌ وبحاجة للمزيد من الاختبار التجريبي. ولهذا فإن تجزئة المعطيات بحسب كل بلد هي الخطوة الحيويّة التالية.

أما القضية الثالثة فهي التوصية الضمنيّة لفريق العمل بأن تأتي نسبة مهمَّة من التمويل من النفقات الخاصة، بالرغم من الحاجة لتقليل عبء النفقات الصحيّة على الأسر الفقيرة. وهذا يوحي بعدم إعطاء التمويل المستقبلي المطلوب من الحكومات والمانحين حقه في التقدير.

تمويل مبتكر؟

هناك العديد من المشاكل المتعلقة بالمصادر المحبَّذة للتمويل الجديد والمبتكر، والمقصود هنا هو فقدان هذه المصادر للمطمح وتوجّهها نحو الأسلوب الطوعي والخيري (بدلاً من ذاك المرتكز على الحقوق) وطبيعة الجِبايات المقترحة المرتكزة على الاستهلاك إلى حد كبير.2

لقد أُهملت فرصة ربط توليد العوائد ببرنامج العمل العالمي لإعادة التوزيع والبيئي. ففريق العمل لم يوصِ لا بضرائب متعلِقة بالكربون والرفاه وجريان رؤوس الأموال لإنقاص تدفّق رؤوس الأموال غير المشروعة من البلدان منخفضة الدخل، ولا برفع العائد المنزلي للموارد الطبيعيّة والبضائع الأوليّة الخاصة بالبلدان الفقيرة. بدلاً من ذلك، كان التركيز مُنصبّاً كثيراً على المداولات التجاريّة منخفضة القيمة للمستهلكين الاعتياديين.

بالكاد دُعِمَتْ فكرة فرض ضريبة على التداول النقديّ رغم قدرتها الكامنة على حشد نحو 33 مليار دولار أمريكي سنوياً (حتى ولو كانت بمعدّل يصغر حتى 0.005%).4 أصبح جُبْن فريق العمل ظاهراً أكثر الآن في ضوء العزم السياسي الحالي لمجموعة العشرين (مجموعة من 20 من البلدان الصناعيّة وذات الأسواق الناشئة) على فرض ضريبة أعلى على التداول النقديّ وضرائب إضافيّة على المداولة التمويليّة والتي يمكن استخدامها أيضاً لتنظيم نظام التمويل العالمي.5

كان اقتراح توسيع الاستثمار الخاص (الساعي للربح) من خلال استخدام التمويلات العموميّة لتهوين الاخْتِطار نذيراً. تعاني البلدان منخفضة الدخل من نقص الاستثمار في الخدمات العموميّة مع نظام صحي غير مُنظَّم ومَسُوّق تجاريّاً. ولهذا ستجعل هذه التوصية المشكلة أسوأ.

أخيراً، لقد أهمل فريق العمل برنامج العمل الخاص بتوسيع أساس الموارد المنزلية للبلدان منخفض الدخل التي يمكن للعديد منها أن يزيد حجم التمويل العمومي المنزلي بإنقاص هروب رؤوس الأموال وتعزيز سياسة ضريبيّة أكثر فعّالية وتحسين أنظمة تحصيل الضرائب فيها. سيكون لمثل برنامج العمل هذا منفعة مُضَافة بالاهتمام أكثر بالتحدّيات الواسعة للتنمية الاقتصادية وتحسين الحَوكمة الديموقراطية المسؤولة. إنَّ السبب الكامن وراء عدم إدراج فريق العمل للتمويل المنزلي ضمن الأمور التي عالجها غير واضح.

مساعدة أكثر فعَّاليَّة

لقد قُوِّضَتْ توصيات جعل المساعدة التنموية أكثر فعّاليّة وكفاءة بأوجهٍ من التناقض وعدم الاتساق. لقد تضمَّن واحدٌ من تقارير مجموعة العمل تقييم البيَّنة المتعلّقة بجدليات متعدّدة حول تطوير النظم الصحيّة بما في ذلك: (1) المزج المرغوب بين التمويل العمومي والخاص؛ و(2) الرغبة بتوسيع القطّاع "الهادف للربح"؛ و(3) مواءمة توسيع التأمين الصحي مجتمعي المُرتكَز؛ و(4) هل من الواجب دمج البرامج العموديّة مَرَضِيَّة المُرتكَز في تطوير النظم الصحيّة الشاملة وكيف؟1

بالرغم من تفويضه بهذا التحليل، يَبدو أنّ فريق العمل قد تغاضى عن البيّنة بالتّوصية بتوسيع تمويل الاستثمار الخصوصي (لأجل الربح). وبشكل مشابه، فالتعزيز المتحمّس للتمويل المرتكز على النتائج لا يتوافق مع البيّنة الأكثر التباساً حول الفعّاليّة والكفاءة الخاصة بالتمويل المستند إلى الإنجاز.6

إلا إنّه يجب الترحيب بالتوصية بخلق منصة تمويلٍ مشتركةٍ لتقوية النظم الصحيّة عبر الصندوق العالمي لمكافحة متلازمة العَوَز المناعي المكتسب والسّل والملاريا والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع GAVI والبنك العالمي، آخذين بالاعتبار ما تعاني منه حالياً المساعدة التنموية للصحة من التَّشتت وعدم التوجّه، وإن كانت هذه الوكالات تمتلك، في أحسن الأحوال، سجل متابعة مختلط لتقوية النظم الصحيّة.7 ولهذا فإن نقص وضوح آلية عمل منصة التمويل المشتركة هذه على أرض الواقع هو أحد المُحدِّدات التي تتطلب المزيد من الانتباه.

ماذا بعد؟

يبدو من الصعب، مع مدى تحدّيات الصحّة العالميّة، الهروب من استنتاج أنّ فريق العمل انتهى لأن يكون خيبة أمل كبيرة، فهو لم يحقّق غرضه الأولي في زيادة تمويل هام وجديد يمكن التنبّؤ به من أجل الصحّة العالميّة. وفي أثناء ذلك، وفي الخلفيّة، تستمر البلدان عالية الدخل بالتقصير عن القيام بمسؤولياتها بتخصيص 0.7% من الدخل الوطني الإجمالي للمساعدة التنموية.

وفي هذا السياق، فإن التمويل المبتكر هو سحابة دخان قوية للتغطية على نكث المانحين بالتزاماتهم (كما هي الحالة تماماً مع إيطاليا)، كما وأنه صرفٌ للانتباه عن الحاجة لخلق اتّفاق عالمي جديد لانتقال أكثر منهجيّة للموارد إلى البلدان منخفضة الدخل. والمُخيِّب كان تجنّب فريق العمل البناء على عمل هيئة منظمة الصحّة العالميّة الخاصة بالمحدِّدات الاجتماعية للصحَّة أو القيام بمساهمة هامة تخصّ المحدِّدات البنيويّة الدفينة للأنظمة الصحيّة ناقصة الموارد.

يجب أن يُهمل مجتمع الصحّة العالمي، بما في ذلك منظمة الصحّة العالميّة، العديد من توصيات التمويل الصادرة عن فريق العمل (باستثناء التنويه فاتر الحماسة بضرائب التداول النقديّ) والتركيز بدلاً عن ذلك على أفعال أخرى بإمكانها تقديم بيئة أفضل سياسيّاً واقتصاديّاً للنظم الصحيّة في البلدان منخفضة الدخل. يشتمل هذا على توسيع قاعدة التمويل المنزلي للتنمية وإنقاص فَقْد رؤوس الأموال والموارد من البلدان منخفضة الدخل وتأسيس مبادئ وآليات لانتقال أكثر منهجية للموارد من البلدان عالية الدخل إلى البلدان منخفضة الدخل.

إنّ عمل فريق العمل المتعلِّق بتحديد التكلفة كان أكثر قيمة ويحتاج للتطوير. ويجب، تحديداً، توفير المعطيات النوعيّة الخاصة بالبلد واستخدامها لدعم المناقشات النوعية الخاصة بالبلد حول النظم الصحيّة وسياسة التمويل. يمكن أن يكون نموذج منظمة الصحّة العالميّة المعياري لتحديد التكلفة نقطة بداية جيّدة.

أخيراً، وعلى الرغم من أن فريق العمل قد ساعد بدفع البنك العالمي والصندوق العالمي والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع للعمل بأسلوب أكثر تكاملاً، ما زال هناك حاجة لتأسيس مبادئ وأوضاع أوضح فيما يتعلَّق بسياسة النظم الصحيّة. يجب أن يتم التصدي لهذا الانفصال بين البيّنة والتوصيات المؤيّدة للسوق التي قدَّمها فريق العمل بينما يتم التعبير عن رؤية معياريّة أوضح حول المكوّنات الرئيسة لنظام صحي عادل وشامل وذي كفاءة ومسؤول.


تضارب المصالح:

لم يُصرَّح بأيٍّ منها.

المراجع

شارك