مجلة منظمة الصحة العالمية

هل من دورٍ لرسوم المستخدم؟ أفكارٌ حول إصلاح النظام الصحي في أرمينيا

Matthew Jowett a & Elizabeth Danielyan b

a. World Health Organization Regional Office for Europe, Marc Aureli 22–36, Barcelona, E-8006, Spain.
b. World Health Organization Country Office, Yerevan, Republic of Armenia.

المراسلة مع ( Matthew Jowett e-mail: mjo@euro.who.int).

(Submitted: 01 December 2009 – Revised version received: 28 January 2010 – Accepted: 02 February 2010 – Published online: 19 April 2010.)

مجلة منظمة الصحة العالمية 2010;88:472-473. doi: 10.2471/BLT.09.074765

المقدمة

رسوم الاستخدام للمرضى منتشرةٌ في الأنظمة الصحية في جميع أنحاء العالم، ويتزايد الجدل حول أهميتها كجزء من سياسة التمويل الصحي. تناقش هذه الورقة خطة أرمينيا الحالية لفرض رسوم المستخدم المريض رسمياً على خدمات المستشفيات، لما لهذا التدبير من قدرة على تحسين الإتاحة المالية للخدمات الصحية، خاصةً إذا ما تم تنفيذه بعنايةٍ كجزءٍ من حزمةٍ أوسع من الإصلاحات.

المشكلة

تشكل المدفوعات الشخصية نحو 40% من إجمالي الإنفاق الصحي في أرمينيا، ولا تشكل رسوم المريض الرسمية سوى 10% منها، بينما تذهب النسبة المتبقية، 90%، إلى المدفوعات النقدية غير الرسمية للعاملين الصحيين ومدفوعات كلٍّ من الاختبارات التشخيصية والمستلزمات الطبية والأدوية. تحدث كافة هذه المدفوعات غير الرسمية تقريباً في المستشفيات، يختلف المبلغ المدفوع بنحوٍ كبيرٍ بين الإدارات والمرافق والممارسين الخاصين. مثلاً، قد تتراوح تكلفة العلاج في قسم الجراحة العامة في مستشفىً ما في العاصمة يريفان بين 100–200 ألف درام (ما يعادل 260–530 دولاراً أمريكياً)، بينما يكون العلاج في الأقسام الأخرى بشكلٍ عامٍ أقل ليبلغ نحو 10–50 ألف درام، علماً أنّ دخل الفرد في أرمينيا قد بلغ 3350 دولاراً أمريكياً في عام 2008. وبعكس خدمات المستشفيات، فقد تم الإعلان عن مجانية خدمات الرعاية الصحية الأولية في نقطة غيتاء الخدمة بعد إصلاحات عام 2006 وأظهرت التقييمات انخفاض المدفوعات غير الرسمية إلى حدّ إهمالها.

ترغب الحكومة بوضع مسألة هذه المدفوعات غير الرسمية المُكلِفة في جدول أعمالها لعدة أسباب غير الآثار الضائرة للمدفوعات غير الرسمية على كلٍّ من سلوك التماس العلاج والحماية المالية للمرضى. أولاً، كونها أحد أعراض استشراء الفساد في المجتمع، وهي قضيةٌ تتلقى تغطيةً إعلاميةً واسعةً؛ ثانياً، تطالب السلطات الضريبية بإضفاء طابعٍ رسميٍّ على هذه المدفوعات، كي تخضع لجمع الضريبة، حيث تعتبر معظم المستشفيات كشركاتٍ ذات دوافع ربحيةٍ وبالتالي من الممكن إخضاعها لنظام الضرائب المشتركة.

مبررات المدفوعات غير الرسمية

تشكل المدفوعات غير الرسمية جزءاً من حلقةٍ مفرغةٍ بسبب العدد الكبير من الأطباء ذوي الأجور المنخفضة المتمركزين في يريفان والذين يسعون إلى تحقيق دخلٍ إضافيٍّ من المرضى، وتتفاقم حدة المشكلة بانخفاض استخدام المرضى للخدمات حيث بلغ معدل قبول المرضى الداخليين في عام 2007 نحو 8.85 لكل 100 نسمة (نصف المتوسط الأوروبي)، كما لم يطلب الرعاية سوى 30% من المصابين بجروح أو أمراض. يرجع السبب في انخفاض معدل الاستخدام جزئياً إلى عدم معرفة المرضى بشأن المبالغ التي سيطلب منهم دفعها، فضلاً عن وجود مشاكل في "العثور على المال من أجل المعالجة"، جاء في المسوحات الوطنية بأن 65% من النساء أكدوا مواجهتهم لمشاكل متعلقة بالوصول إلى الرعاية.1

لقد انتشرت المدفوعات غير الرسمية بشكل واسع بسبب مشاكل أعمق في النظام الصحي، وإضفاء الطابع الرسمي على المدفوعات المشتركة لوحده لن يقضي على المدفوعات غير الرسمية لكن قد يلعب دوراً مهماً في الحد منها.

الإنفاق الحكومي المنخفض

بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي السابق في عام 1991، دخلت أرمينيا فترةً انهيارٍ اقتصاديٍّ مع انخفاضٍ الناتج المحلي الإجمالي بنسبة أكثر من 50% بين عامي 1990 و1993؛ وقد شكّل الانخفاض بنسبة 42% في عام 1992 "أشد معدلِ انخفاضٍ سنويٍّ تسجله أية دولةٍ من دول الاتحاد السوفيتي السابق".2 نتيجةً لذلك، انخفض الإنفاق الصحي الإجمالي من 152 دولاراً أمريكياً للفرد في عام 1990 إلى 27 دولاراً أمريكياً في عام 1995، ليرتفع إلى 119 دولاراً أمريكياً في عام 2007. والأهم من ذلك أنّ الإنفاق الحكومي لا يزال متدنياً جداً، بنسبة 1.50% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008،3 وهو أحد أدنى المستويات في العالم. وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في مخصصات الحكومة للقطاع الصحي في السنوات الأخيرة، فإن الضرائب العامة في الاقتصاد منخفضةٌ جداً، نتيجةً لذلك، لا تموّل الميزانية الصحية سوى حزمةٍ واسعةٍ من المنافع الأساسية التي تغطي ما يقارب نصف السكان. أساساً هناك تباين شديد بين الوعود بالخدمات المجانية والموارد المالية المتاحة. سيؤدي هذا، على سبيل المثال، إلى نقص الإمدادات مما يدفع المرضى في النهاية ليدفعوا نفقاتهم بأنفسهم.

خدمات باهظة للمستشفيات

تهيمن المستشفيات على نظام إيتاء الخدمات في أرمينيا، وهو الحال في معظم الجمهوريات السوفيتية السابقة، فبعد الاستقلال في عام 1991، ازدادت سريعاً أسعار الوقود والإمدادات الطبية وغيرها من المُدخلات الهامة، في حين تراجع كلٌّ من دعم الاتحاد الروسي وإيرادات الضرائب المحلية، مما سبب صعوبةً في الاستدامة المالية لنظام المستشفيات الثقيلة. بدأ التقليص الواسع في البنية التحتية خلال التسعينيات مع التركيز جوهرياً على المستشفيات الريفية. ونتيجةً لذلك، لا تزال القدرات مركزةً بشدةٍ في يريفان التي تستضيف 32% من خدمات المرضى الداخليين و 52% من أسرة المستشفيات، علماً أن النسبة الحالية لعدد الأسرة في المستشفيات هو 407 سرير لكل 100000 نسمة، وهي نسبةٌ أقل من المتوسط الأوروبي. وبالرغم من الإصلاحات الإيجابية في مجال الرعاية الصحية الأولية على مدى السنوات الأربع الماضية، ما زال الكثير من الناس يزورون المستشفيات للحصول على الرعاية المباشرة منها.

الأطباء الذين يتقاضون أجوراً زهيدةً

يؤثر تركّز المستشفيات في يريفان سلبيّاً على توزّع الموارد البشرية الصحية، فرغم وجود نسبة معقولة من الأطباء في البلاد، 344 طبيباً لكل 100000 نسمة والمتوسط الأوربي هو 340 لكل 100000 نسمة، يستقر 68.3% منهم في العاصمة. تعتبر أجور الطبيب منخفضةً، حيث تُقدَر وسطياً بنحو 134 دولاراً أمريكياً في الشهر في عام 2006، أي ما يعادل 88% من متوسط الأجور الوطني، والسبب هو توافر عددٍ كبيرٍ من الأطباء مع انخفاضٍ نسبيٍّ في المرضى المراجعين.4 إنّ قوى السوق ليست هي التفسير الوحيد؛ فقد كانت أجور الأطباء المنخفضة أحد سمات الاتحاد السوفيتي، حيث كان القطاع الصحي جزءاً من مجالٍ "غير منتجٍ"، وذا أولويةٍ منخفضةٍ بكل وضوح. لقد أدى استمرار هذا الموقف إلى مطالبة العديد من الأطباء بالمدفوعات غير الرسمية لزيادة دخلهم. في كثير من الحالات تكون هذه المبالغ ضروريةً لكسب أجور المعيشة، ولكن في أحيانٍ أخرى تمثّل هذه المدفوعات استغلالاً تاماً.

خطط الإصلاح الحالية

من غير المجدي الاستمرار في السياسة الحالية المتمثلة بالوعود بتقديم حزمةٍ سخيّةٍ من المنافع في نقطة إيتاء الخدمة، بينما لا تزال المدفوعات غير الرسمية أمراً أساسياً في خدمات المستشفيات. تحتاج أية محاولةٍ لمعالجة هذه المشكلة إلى التعرف على المشاكل المخفية التي نوقشت سابقاً بهدف الحصول على أية فرصةٍ للنجاح. في قيرغيزستان، ركّزت الإصلاحات على جعل مدفوعات المريض أكثر شفافيةً وعلى تحسين كفاءة التخصيصات عن طريق تخفيض التكاليف الثابتة في المستشفيات. بالنتيجة تحسّنت الحماية المالية للمرضى بشكلٍ ملحوظٍ، على الرغم من أن المدفوعات غير الرسمية شكّلت نسبة 26–34% من مجموع النفقات الصحية.5

تعتمد تدابير الإصلاح التي تدرسها الحكومة الأرمينية على تحسين المواءمة بين الوعود والموارد المتاحة، وزيادة الشفافية والرقابة على مدفوعات المريض. بالخلاصة فهي تهدف إلى: (أ) زيادة المبلغ المدفوع عن الخدمات المقدمة في المستشفيات في إطار حزمة المنافع الأساسية من قبل الوكالة الوطنية للصحة حيث من المفترض أن يؤدي ذلك إلى زيادة رواتب المهن الطبية، بالرغم من استمرار النقاش حول قدرة هذه الطريقة على إجبار المرافق الخاصة على تخصيص قدرٍ أكبر من الإيرادات؛ و(ب) الحد من نطاق الخدمات المدرجة في حزمة المنافع الأساسية التي تمولها الدولة؛ و(ت) الحد من عدد السكان المؤهلين للرعاية المجانية؛ و(ث) تقديم نظامٍ سهل الفهم للدفع المشترك مقابل الحصول على خدمات المستشفيات ضمن حزمة المنافع الأساسية.

لكن ما زال هناك بعض الأمور الغائبة عن جدول الأعمال هذا، كالتدابير الرامية إلى تخفيض هيمنة خدمات المستشفيات، وخاصة في يريفان. حيث يصعب تلمّس أية استفادةٍ من تدابير إضفاء الطابع الرسمي على دفعات المريض طالما ما زالت العائدات الكبيرة للمستشفى هي محور الاهتمام الأساسي، عندها سيكون للسياسات الحكومية تأثيراً محدوداً. أخيراً، سيلعب تنظيم المدفوعات المشتركة دوراً حاسماً في نجاح هذه السياسات. لا بد من توعية المرضى بحقوقهم وتشجيعهم على تقديم الشكاوى، ويجب فرض عقوبات على الممارسين العامين الذين يستمرون في طلب المدفوعات غير الرسمية. بدون هذه التدابير، قد تعتبر المتشفيات هذه المدفوعات الرسمية ببساطةٍ كأنها فرصةً للحصول على إيراداتٍ إضافيةٍ.

رسوم الخدمة الرسمية

تختلف نقطة الانطلاق في أرمينيا كثيراً عن معظم البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته مع الحماية المالية الضعيفة كنتيجة للتأثير المشترك للانهيار الاقتصادي وعدم كفاية التمويل الحكومي لحزمة المنافع الأساسية والاعتماد الكبير على خدمات المستشفيات والعدد الكبير من المهنيين الطبيين الذين يتقاضون أجوراً زهيدةً، وكلها تفاقمت بسبب انخفاض استخدام المريض الخدمات.

ربما يؤدي تقديم نظامٍ يسهل فهمه حول رسوم المريض إلى إزالة عدم يقينية المرضى في التصدي لالتزاماتهم المالية. يمكن لتمويل الدولة أن يستهدف المرضى ذوي الأولوية بنحوٍ أكثر فعاليةً، ويحسّن الحماية المالية، في حال إجراء إصلاحاتٍ لمواءمة التمويل الحكومي المتاح مع وعودٍ واقعيةٍ حول الرعاية المجانية، فضلاً عن تحقيق المزيد من الكفاءة في إيتاء الخدمات. أظهرت البحوث من قيرغيزستان بعض النجاح في استبدال المدفوعات غير الرسمية بأخرى رسمية من خلال الإصلاحات التي ركّزت على مركزية تجميع الأموال، وعلى مدفوعات مزودي الخدمة الصحية القائمة على مدى إنتاجهم، وعلى توفير مزيدٍ من الاستقلال الذاتي، وعلى نظامٍ شفافٍ للمدفوعات المشتركة الرسمية.5 أما في طاجيكستان فتنفيذ حزمة المنافع الأساسية دون إجراء إصلاحاتٍ مكمّلةٍ لم يؤدي إلى انخفاض مستويات المدفوعات غير الرسمية.6

الاستنتاج

لن يحسّن الاستمرار في التصريح بعدم قانونية رسوم المستفيدين من خدمات حزمة المنافع الأساسية في المستشفيات من أوضاع الأرمن، وكثيرٌ منهم لا يسعى لعلاج الإصابة أو المرض على حدٍ سواء نظراً لنقص المعرفة بشأن المبالغ المطلوب دفعها لقاء الخدمة وعدم قدرتهم على الدفع. سياسياً، هناك رغبةٌ قويةٌ لإضفاء الطابع الرسمي على المدفوعات إنما التوجّه نحو إجراء تخفيضاتٍ كبيرةٍ في مجال خدمات حزمة المنافع الأساسية أو في حجم المجموعات المؤهلة لا يزال ضعيفاً.

تبين التجربة عدم وجود تدبيرٍ واحدٍ قادرٍ على تحسين الحماية المالية في ظل مثل هذه الظروف. زادت الحكومة في أرمينيا إلى حدٍ كبيرٍ من مخصصات قطاع الصحة لكنها لا تزال غير قادرةٍ على تلبية الوعود الحالية حول الرعاية المجانية، ولا يمكن أن تبدأ الحكومة باستعادة سيطرة أكبر وتقديم التدابير لخفض مدفوعات المريض، وبالتالي تحسين الحماية المالية، إلا بإضفاء المزيد من الشفافية على مدفوعات المريض والمزيد من المواءمة بين الوعود والتمويل المتاح والتصدي لأوجه القصور الأوسع في إيتاء الخدمة.


تضارب المصالح:

لم يُعلَن عن أيٌّ منها.

المراجع

شارك