مجلة منظمة الصحة العالمية

الحملة الجديدة الواسعة للعازل الذكري في تايلاند

لاقت حملة العازل الذكري الأولى في تايلاند في مطلع التسعينيات نجاحاً منقطع النظير انعكس بمحاكاتها على نطاق واسع. لكن أوقف التمويل الحكومي للعازل الذكري المجاني في عام 1998. الآن، وبعد مرور 12 عاماً ومع الزيادة المفاجئة في عدوى فيروس عوز المناعة البشري، عاد الموضوع إلى الواجهة. تقرير أبيرادي تريروتكواركول.

"أنا لا أمارس الجنس دون حماية"، هذا ما قالته إحدى العاملات بالجنس، 33 عاماً، وقد قدمت من مكان عملها، منطقة باتايا ريد لايت في مقاطعة شونبوري، إلى بانكوك لحضور حلقةِ نقاشٍ حول العاملين بالجنس عقدها قسم مكافحة الأمراض في تايلاند. إن إصرارها، وقد فضلت الإشارة إليها بالحرف "أ"، على استخدام الزبائن للعازل الذكري ليس لحمايتها فقط، بل لحمايتهم هم أيضاً. والواضح كما يبدو أنّ الأمر قد استغرق سنوات من الحملات التي قام بها موظفو الصحة العمومية في تايلاند لترسيخ هذا الموقف بين العاملين بالجنس.

الدكتور ويوات روجانابيثاياكورن هو أحد هؤلاء الموظفين الصحيين، ويشغل حالياً منصب رئيس المكتب القطري لمنظمة الصحة العالمية في منغوليا، وقد نال مؤخراً إحدى جوائز الأمير ماهيدول المرموقة في تايلاند عن عمله في أواخر الثمانينيات كمدير لمركز تايلاند للوقاية من متلازمة العوز المناعي المكتسب ومكافحتها.

ميتشاي في أحد المطاعم التي توزع العازل الذكري
أبيرادي تريروتكواركول
ميتشاي في أحد المطاعم التي توزع العازل الذكري

ظهرت في تايلاند 100000 حالة جديدة من عدوى فيروس عوز المناعة البشري في العام 1990، وقفز هذا العدد خلال ثلاث سنوات تلت إلى ما يقارب المليون. يتذكر روجانابيثاياكورن، ومن خلال عمله كمدير إشراف على سبعة أقاليم في المنطقة الوسطى والغرب، شعوره المتزايد بالخطر مع مراقبته لانتشار الفيروس من مجتمع إلى آخر. ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لاكتشاف ارتباط 97% من جميع حالات العدوى بفيروس عوز المناعة البشري بالانتقال الجنسي من العاملين بالجنس.

من وحي تجربته مع الحملات السابقة لوقف انتشار الأمراض المنقولة جنسياً بين العاملين بالجنس، كان روجانابيثاياكورن مقتنعاً بأن تعزيز استخدام العازل الذكري هو أفضل أملٍ لاحتواء انتشار فيروس عوز المناعة البشري، إنما لم يكن أمر تشجيع العاملين بالجنس وأصحاب بيوت البغاء على استخدام العازل الذكريّ سهلاً قبل 20 عاماً، فقد "كانت الأغلبية العظمى من رجال تايلاند تفضل الممارسة غير الآمنة"، هذا ما قاله روجانابيثاياكورن.

كان هناك تحدٍّ كبير آخر، فقد رفضت الإدارة الالزامية الاعتراف بوجود صناعة الجنس، ناهيك عن مشاكل من الداخل. ولذا فقد عمل روجانابيثاياكورن وزملاؤه مباشرة مع حكام المقاطعات وسلطات الشرطة، وكذلك مع أصحاب جميع مؤسسات الجنس، على تعزيز رسالة "لا جنس دون عازل ذكري"، وتم توزيع العازل الذكريّ مجاناً على بيوت البغاء وصالات التدليك والعاملين بالجنس مع مطالبة زبائنهم باستخدامها تحت التهديد بإغلاق بيوت البغاء غير الملتزمة.

لقد كانت النتائج مذهلة، فانخفضت العداوى الجديدة المنقولة جنسياً بين العاملين بالجنس من 13% في إقليم راتشابورى إلى أقل من 1% بعد شهرين من تقديم برنامج "استخدام العازل الذكريّ 100%". ومع نجاح البرنامج الكبير قرر روجانابيثاياكورن توسيع نطاقه ليشمل أقاليم أخرى تحت إشرافه.

إنما، ومقابل هذا النجاح، لا يستطيع تنفيذ البرنامج مواكبة الانتشار السريع للفيروس. لقد قرر روجانابيثاياكورن مقاربة صانعي السياسة في اللجنة الوطنية لمكافحة متلازمة العوز المناعي المكتسب بعد عن اجتذب برنامجه انتباه رئيس اللجنة ومن ثم رئيس الوزراء آنذاك أناند بانياراتشون.

اعتبر بانياراتشون القضية أولوية عاجلة وقدم الدعم لإطلاق البرنامج وطنياً. وبحسب قسم مكافحة الأمراض، ارتفعت نسب استخدام العازل الذكريّ بين العاملين بالجنس خلال ثلاث سنوات من أقل من 25% إلى أكثر من 90%، وانخفضت خلال السنوات العشر، بين عامي 1991 و2001، العداوى الجديدة بفيروس عوز المناعة البشري من 143000 سنوياً إلى أقل من 14000. كان البرنامج ناجحاً إلى حد إجراء حملات مماثلة بدأت في كمبوديا والصين وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وميانمار والفلبين وفيتنام.

ويوات روجانابيثاياكورن كان مديراً لمركز مكافحة الإيدز التايلاندي خلال الثمانينات من القرن الماضي
مؤسسة جوائز الأمير ماهيدول
ويوات روجانابيثاياكورن كان مديراً لمركز مكافحة الإيدز التايلاندي خلال الثمانينات من القرن الماضي

أقدم أيضاً رئيس الوزراء بنياراتشون على خطوة ملهمة أوصى من خلالها ميتشاي فيرافايديا، وهي ناشطة وسياسية لامعة في مجال متلازمة العوز المناعي المكتسب، بإطلاق حملة إعلامية عمومية تضمنت بث رسائل مضادة لمتلازمة العوز المناعي المكتسب كل ساعة عبر 488 محطة إذاعية وست شبكات تلفزيونية. ورافق ذلك كله قفزة نوعية في التمويل، فقد ارتفعت ميزانية النشاطات الوقائية لفيروس عوز المناعة البشري/متلازمة العوز المناعي المكتسب ما يقرب من 20 ضعفاً لتصل إلى 44 مليون دولار في عام 1993.

ولكن الأزمة المالية الآسيوية التي ضربت تايلاند في منتصف عام 1997 أدت في عام 1998 إلى إيقاف الإدارة للتمويل الصحي الخاص بالعلاج المضاد للفيروسات القهقرية وتوزيع العوازل الذكرية. وبحلول عام 2000، أصبح التمويل المحلي للوقاية من فيروس عوز المناعة البشري ومتلازمة العوز المناعي المكتسب أقل بنحو 25% مما كان عليه في عام 1997. وتعثر منذ عام 2000 برنامج احتواء فيروس عوز المناعة البشري ومتلازمة العوز المناعي المكتسب في تايلاند وتم توجيه التمويل إلى العلاج بدلاً من الوقاية. لقد أثار هذا التحول في السياسة قلقاً بالغاً لدى روجانابيثاياكورن.

يقول روجانابيثاياكورن "خصصت وزارة الصحة العمومية في تايلاند قبل عام 1997 مبلغ 50 مليون باهت (1.5 مليون دولار أمريكي) لتوزيع العازل الذكريّ مجاناً على العاملين بالجنس وغيرهم من الفئات المعرضة للاختطار، كالرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال". ويضيف: "تستطيع الدولة مع هذا الاستثمار الصغير نسبياً توفير نحو 73 مليون باهت من تكاليف علاج الأمراض المنقولة جنسياً في العام و100 مليار باهت إضافية من تكاليف علاج فيروس عوز المناعة البشري/متلازمة العوز المناعي المكتسب".

إنّ روجانابيثاياكورن مقتنع بأن إيجاد المال هو ببساطةٍ مسألة تبديل الأولويات، فتكاليف إنشاء كيلومتر واحد من طريق جديد في تايلاند تعادل تقريباً التكاليف اللازمة لبرنامج العازل الذكريّ المجاني، موحياً بأنّ انقاص كيلومتر أو اثنين من الطرق سيمنع الملايين من حالات الإصابة بعدوى فيروس عوز المناعة البشري، ويستطرد: "إنّ وقاية كل شخص من التعاقد مع الفيروس يمكن أن تقلل من تكاليف علاجية قد تصل إلى ملايين باهت."

يثير التحول في تخصيص ميزانية وزارة الصحة من الوقاية من فيروس عوز المناعة البشري إلى العلاج قلق بيتشري سيرينيروند، مديرة المركز الوطني لتدبير متلازمة العوز المناعي البشري، ومع ذلك فهي تقرّ بأن هذا الأمر يعكس جزئياً السعات والمسؤوليات المتبدلة في نظام الرعاية الصحية: في الماضي "كان الدعم النفسي هو الخيار الوحيد للمصابين بعدوى فيروس عوز المناعة البشري بسبب التكلفة العالية للعلاج المضاد للفيروس القهقري وعدم استطاعتهم الحصول على العلاج مجانياً عبر نظام الرعاية الصحية الوطني."

في العام 2004، قام عدة نشطاء في مجال متلازمة عوز المناعة البشري، بمن فيهم نيميت تينودوم مدير مؤسسة إتاحة خدمات متلازمة العوز المناعي المكتسب، بالضغط على الحكومة لتوفير العلاج المجاني باستخدام أدوية مضادة للفيروسات القهقرية منتجة محلياً اسمها GPO-VIR، وهي توليفة جنيسة ثابتة الجرعات من ستافودين ولاميفودين ونيفيرابين، والتي تكلف نحو 1200 باهت في الشهر. ومنذ ذلك الحين أدرج العلاج بهذا الدواء في إطار مخطط التغطية الشاملة لتايلاند.

بيتشري سيرينيروند مديرة المركز الوطني لتدبير متلازمة العوز المناعي البشري
أبيرادي تريروتكواركول
بيتشري سيرينيروند مديرة المركز الوطني لتدبير متلازمة العوز المناعي البشري

إلا إنّ أحد الآثار غير المتوقعة لإدخال GPO-VIR هو أن بعض الأشخاص بدأوا بالنظر إلى متلازمة العوز المناعي المكتسب كمرض قابل للعلاج إن لم يكن للشفاء أيضاً. تقول سيرينيروند "لقد تراخت المواقف تجاه السلوك الجنسي عالي الاختطار وتزامن هذا مع تراجع حملة الوقاية."

تعتقد سيرينيروند أن عدم استمرار حملة الوقاية كان سبب الفشل في تحقيق مرمى السنوات الخمس الحالي للاستراتيجية الوطنية لمكافحة متلازمة العوز المناعي المكتسب القاضي بخفض معدل الإصابة الجديدة بعدوى فيروس عوز المناعة البشري إلى 5000 سنوياً بحلول عام 2011. إنّ الإصابات الجديدة المقدرة تحدث بمعدل 11753 حالة في السنة، وفي كانون الثاني/يناير 2010 بلغ عدد الأشخاص الذين يحملون فيروس عوز المناعة البشري/متلازمة العوز المناعي المكتسب في تايلند 364052 وفقاً لمكتب الوبائيات في تايلاند.

لقد تجدد التركيز على الوقاية من فيروس عوز المناعة البشري منذ انتخاب رئيس الوزراء ابهيسيت فيجاجيفا في ديسمبر/كانون الأول عام 2008، وقد نُسبت إلى إدارة ابهيسيت إعادة تركيز الاهتمام على متلازمة العوز المناعي المكتسب والمساهمة في إحياء حملة الوقاية عن طريق البدء ثانية بتوزيع العازل الذكريّ مجاناً بعد مرور عقدٍ على إهمال البرنامج وإبقاءه مركوناً على الرف. هذا وتقوم اللجنة الوطنية لمكافحة متلازمة العوز المناعي المكتسب الآن بصياغة خطة متسارعة للوقاية من فيروس عوز المناعة البشري، إنما تعبّر سيرينيروند عن خشيتها من أن تكون المبادرة "صغيرة جداً ومتأخرة جدًا."

ومن وجهة نظر ميتشاي فيرافايديا، الحاصل أيضاً على جائزة الأمير ماهيدول عن عمله في الوقاية من متلازمة العوز المناعي المكتسب في عام 2009، فمعركة احتواء انتشار فيروس عوز المناعة البشري الآن لا تختلف عما كانت عليه في أواخر الثمانينيات، والفرق الوحيد هو أنه لا بد من إشراك جيلٍ جديدٍ من الشباب.

ذهب فيرافايديا خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية بعيداً في جهوده لرفع مستوى الوعي بأهمية استخدام العازل الذكريّ، وبطرق مثيرة للجدل غالباً. فقد قام، على سبيل المثال، بالترويج لمسابقات نفخ العازل الذكريّ بين المعلمين والطلاب، وأرسل سيارة التثقيف الجنسي الجوالة حول المدارس وشجّع شكلاً من أشكال تثقيف الأقران ساعد فيه طلاب الجامعات على تعليم طلاب المدارس الثانوية حول استخدام العازل الذكريّ.

يقول فيرافايديا "تايلاند نائمة على عجلة القيادة" مشيراً إلى أنه على الرغم من سنوات حملات التوعية، لم يتسع نطاق استخدام العازل الذكريّ كما ينبغي. وهذا ما يؤكده مكتب الوبائيات الذي أبلغ عبر دراسة أجريت عام 2007 على طلبة الصف الحادي عشر بأن أقل من 50% من الطلاب الذكور يستخدم العازل الذكريّ عند ممارسة الجنس للمرة الأولى في حين أن 43% فقط من الطالبات يقمن بالتأكيد على استخدام شركائهن للعازل الذكريّ. ولا يتجاوز المراهقون النشيطون جنسياً الذين يستخدمون العازل الذكريّ حالياً نسبة 20-40%.

استجابةً لهذه المشكلة، حاول القسم إحياء الاستراتيجية الوطنية للوقاية من متلازمة العوز المناعي المكتسب، فقد أطلقت في العام 2007 سلسلة من الحملات الإعلانية التلفزيونية التي تستخدم شعار "فخور لأني أحمل العازل الذكريّ". أظهرت الحملة التي هدفت إلى تشجيع استخدام العازل الذكريّ بين المراهقين فتاة في سن المراهقة تخبر صديقها الجديد بتعدد الشركاء في حياتها وحياة صديقها السابق على حد سواء وانتهت الرسالة بأن استخدام العازل الذكريّ أمر واجب ومحمود. لكن الحملة انتقدت بشدة من قبل مجموعات أسرية واجتماعية محافظة مشيرة لكونها تقوض القيم الثقافية في تايلاند وتشجع على الاختلاط. وسحب الإعلان لأسباب تتعلق بالميزانية ظاهرياً رغم حصول تايلند على 98 مليون دولار بتمويل من الصندوق العالمي لمكافحة متلازمة العوز المناعي المكتسب والسل والملاريا ورغم دعم إدارة ابهيسيت القوي لسياسات الاستراتيجية الوطنية لمكافحة متلازمة العوز المناعي المكتسب.

يعتقد فيرافايديا أن مثل هذا "التفكير ضيق الأفق" يضع الشباب تحت الاختطار وهو ملتزم بمواصلة نشر الأفكار عن العازل الذكريّ والمخاطر التي يقي منها. يقول "أريد أن أبعث برسالة مفادها أنّ العازل الذكريّ شائعٌ في مجتمع اليوم وأنه ينبغي أن يصبح واجباً على الشباب التزوّد بالعازل الذكريّ لحماية أنفسهم وشركائهم". ويقول مشجعاً الآباء والأمهات على توسيع أفق تفكيرهم: "نحن في حاجة إلى البحث عن سبل تسمح لأطفالنا بمعرفة أن العازل الذكريّ هو جزء من الحياة اليومية كما هو الحال مع الملح والفلفل". "فالوقاية هي العلاج الأكثر فعالية".

شارك