مجلة منظمة الصحة العالمية

اختبار واقعية الحلم الأمريكي

صُمِّمت التشريعات الأمريكية الحديثة لتوسيع تغطية التأمين الصحي وتغيير طريقة بيعه، إلا أنها لا تعالج المشكلة المستبطنة للنظام الصحي، ألا وهي التكاليف. تقرير من غاري همفريز.

تقول جانيت ويت من اللجنة الوطنية للمحافظة على التأمينات الاجتماعية وميديكير، البرنامج الذي يوفر التأمين للناس بعد الخامسة والستين من عمرهم: «يوجد الكثير من التشويش حول هذا الموضوع.» تحاول ويت شرح معنى تشريعات إصلاح النظام الصحي للرئيس أوباما. لم تكن المهمة سهلة. تقول ويت: «هناك إشاعات كثيرة حولها.» تقع التشريعات نفسها في نحو ألف صفحة وسوف تستغرق سنين حتى توضع في حيز التنفيذ، وسيعتمد أثرها جزئياً على تنفيذها من قبل ولايات منفردة، والكثير من هذه الولايات يعارض التغيير.

يتوسع القانون في التغطية بالتأمينات لتشمل 32 مليوناً من الأمريكان غير المؤمّن عليهم سابقاً. سيتم الدفع مقابل هذا التوسع بزيادة أقساط التأمين وفرض ضرائب جديدة وقطع ميزانية ميديكير. ستُفرض التغطية على جميع الأمريكان تقريباً بحلول سنة 2014 تحت طائلة الغرامة.

سيتسع نطاق الإصلاحات الصحية لتغطي 32 مليون أمريكي غير مؤمن عليهم من قبل
المركز الطبي في دارتموث هيتشكوك
سيتسع نطاق الإصلاحات الصحية لتغطي 32 مليون أمريكي غير مؤمن عليهم من قبل

ابتداءً من سنة 2013 سيدفع الأفراد الذين يزيد دخلهم على 200000 دولار أمريكي والأسر التي يزيد دخلها على 250000 دولار أمريكي أقساط ميديكير أعلى، بينما سيبدأ دافعو الضرائب ذوو الدخل العالي بدفع ضريبة قدرها 3.8% على أنواع الدخل مثل إيرادات الأسهم والفوائد المصرفية. ستضاف كذلك ضريبة قدرها 40% على ما يسمى «عقود كاديلاك»، أي عقود التأمين التي تتجاوز كلفتها السنوية 10200 دولار أمريكي للأفراد أو 27500 دولار أمريكي للعائلات (باستثناء مدفوعات البصريات وطب الأسنان). سيكون المستخدمون المستقلون والعاملون في المنشآت الصغيرة هم المستفيدون الرئيسون من هذه الإصلاحات.

تشمل التغييرات الفورية الأخرى على ميديكير الخدمات الوقائية المجانية مثل تحري سرطان الكولون والبروستات والثدي. سيحصل المواطنون المسنّون الذين وقعوا في ثغرة تمويل ميديكير للأدوية المتاحة بوصفة طبية (والتي يشار إليها باسم «ثقب العوّامة») على حسم قدره 250 دولاراً أمريكياً لمرّة واحدة، وابتداءً من سنة 2011 سيحق لهم الحصول على حسم قدره 50% على الأدوية ذات الاسم التجاري.

من التغييرات الجديرة بالذكر خفض الإعانات لمخطط ميديكير أدفانتيج، وهو مخطط بدأ العمل به في سنة 1997 لتعزيز استخدام شركات التأمين الخاصة ضمن برنامج ميديكير. يتم تمويل عقود ميديكير أدفانتيج التي تقدمها شركات التأمين الصحي الخاصة جزئياً من قبل ميديكير وجزئياً عن طريق فرض أقساط شهرية إضافية على الأعضاء لتغطي العناصر الإضافية كالأدوية المتاحة بوصفة والرعاية العينية والسنية. يشارك حالياً 24% من مستفيدي ميديكير في مخططات ميديكير أدفانتيج. ولكن مدفوعات ميديكير المتوسطة لشركات التأمين الخاصة بموجب هذا المخطط أعلى بما يقدر بـ9–13% مما يُدفع عن طريق البرنامج التقليدي. سوف تقلل الإصلاحات من هذه الإعانات الزائدة لشركات التأمين الخاصة، وفي الوقت نفسه ستقدم المكافآت لشركات التأمين ذات الحرز الجيد في نظام تقييم الجودة.

ترحب باتريشيا نيمور، رئيسة محاميي السياسات في مركز الدعوة لميديكير في واشنطن العاصمة بهذه التغييرات وتقول: «كانت ميديكير أدفانتيج ظالمة بالنسبة لدافعي الضرائب لأنها كانت تموَّل جزئياً من الأموال العامة، كما كانت ظالمة بالنسبة لكل واحد من مستفيدي ميديكير لأنهم جميعهم كانوا يدفعون أقساطهم، ولكنهم لم يكونوا كلهم مشمولين بميديكير أدفانتيج.»

سوف تسمح العائدات الناجمة عن هذه التغييرات للحكومة بزيادة المشاركة في ميديكيد، البرنامج المخصص للفقراء الذي يخدم الناس ذوي الدخل المنخفض أو أصحاب بعض أنواع العجز. هذا من شأنه أن يزيد التغطية لتشمل 20 مليون شخص إضافي ويزيد الأهلية لميديكيد في بعض الولايات بـ50% أو أكثر.

ولكن الأستاذ راندي إيليس المختص في اقتصاديات الصحة في جامعة بوسطن وواحد من مؤيدي الإصلاحات يحذِّر قائلاً: «الآن زدنا عدد الناس المؤهلين لميديكيد دون أن نغير عدد الأطباء أو الأسرّة.» إلا أن الدكتور روبرت واختر من المركز الطبي بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو يقول أن زيادة التسجيل في ميديكيد لن يؤدي إلى مشكلة بالضرورة؛ فإذا شجعت الإصلاحات الناس على استخدام الرعاية الأولية من المحتمل الاّ يحدث تغير هام في استخدام المشافي.

المركز الطبي في دارتموث هيتشكوك

سيكون التغير في طريقة بيع التأمين الصحي لا يقل دراماتيكيةً عن التوسع في التغطية. ابتداءً من سنة 2014 سيتم بيع التأمين الخصوصي ضمن «بورصات» مرتكزة في الولايات. لن تستطيع شركات التأمين رفض المتقدمين بناء على حالتهم الصحية أو زيادة الأقساط أعلى من المستويات التي تحددها التشريعات. يجب أن تغطي البوليصات التي تباع في البورصات الاستشفاء وعيادة الطبيب والأدوية المتاحة بوصفة ورعاية الأمومة واختبارات وقائية محددة.

كان من أكبر عيوب النظام الأمريكي أن الكثير من الناس، وخاصةً المستخدمون المستقلون والعاملون في المنشآت الصغيرة، لم تكن تأمينات المجموعات الكبيرة متاحةً لهم. يضمن تجميع الاختطار أنّ كل مساهم في مخطط لا يتحمل شخصياً اختطار الاضطرار إلى دفع تكاليف الرعاية الصحية. كلما كبرت تجميعة المشاركين كلما صار التأمين أرخص.

تعتقد ليندا بلومبرغ، خبيرة السياسات الصحية في المعهد الحضري في واشنطن، أن «القانون الجديد سيحسن الإتاحة للناس الذين لم تتيسر لهم الاستفادة من النظام، وخاصة لأولئك الذين لا تتاح لهم تغطية المجموعات»، مع أنه لا يحقق رغبة بعض الناس في «الخيار العمومي» (أي برنامج تأمينات صحية تديره الحكومة). لم يكن عند الكثيرين إمكانية الوصول سوى إلى عقود التأمين المسعّرة كمجموعات صغيرة أو بناء على الاختطار الشخصي، وهي إما أغلى من عقود تأمين المجموعات الكبيرة أو تقدم منافع محدودة. كما أن هؤلاء الناس يتعرضون لخطر زيادة الأقساط أو إلغاء التغطية في حال تدهورت صحتهم (أي أنه إذا تم تشخيص مرض عند شخص في سنة 2010 فإنه قد يفقد حقه في التغطية أو يضطر إلى دفع أقساط أعلى من أجل حالته في سنة 2011).

يقول جوزيف كوتزين، اختصاصي في تمويل الصحة في منظمة الصحة العالمية: «أساس مفهوم تجميع الاختطار هو وجود مجموعة كبيرة من الناس ذوي الاختطارات المختلفة بحيث يسمح التجميع بالدعم المالي المتبادل من الأصحاء إلى المرضى. وسوق الأفراد والمجموعات الصغيرة في الولايات المتحدة بشكله الحالي يعمل بعكس هذا المبدأ تماماً.»

إذن، لماذا سوف يستغرق الأمر أربع سنوات أخرى؟ تذكر بلومبرغ حجم المهمة وتعقيدها، وكذلك الأسباب الأقل وضوحاً والمتعلقة بالدورة المالية العقدية في الكونغرس، وتقول: «في حال تأجيل الإصلاحات حتى 2014 لن تضطر إلى استعراض التكاليف للسنوات العشر الكاملة.» أي أن التأجيل يجعل الخطة تبدو أرخص مما هي عليه.

بعض الأشياء تتغير فوراً. مثلاً، لم تعد شركات التأمين قادرة على رفض تغطية الأطفال أو أن ترفض تغطية الأطفال المصابين بمرض مسبق أو تضع حدوداً على التغطية مدى الحياة. سيبقى البالغون المعالون حتى السادسة والعشرين من عمرهم مغطين ببوليصة والديهم في حال لم تُعرَض عليهم التغطية الصحية في مكان العمل. تستطيع الشركات الصغيرة (يعمل فيها 25 عاملاً أو أقل براتب متوسط حتى 50000 دولاراً أمريكياً) الحصول على تسهيلات ضريبية تعوض ما يصل إلى 35% من أقساط التأمين هذه السنة، وسترتفع إلى 50% في 2014.

في الأول من يوليو/تموز سيتوفر 5 مليارات من الأموال الفيدرالية من أجل تجميعة التأمين عالية الاختطار. هذه طريقة لتوفير التغطية للمحتاجين أكثر من غيرهم، والمستثنين حالياً لأنهم لا يستطيعون دفع الأقساط المرتفعة جداً.

التجميعة عالية الاختطار لها أهمية بالغة بالنسبة للأشخاص الذين عمرهم أصغر من المطلوب للتأهل لميديكير ووضعهم المادي أفضل من المطلوب للتأهل لميديكيد، مثل كارول كلابسته، وهي امرأة عمرها 58 سنة تسكن في منطقة ريفية من ولاية ويسكونسين. لديها مشكلة درقية، وهي من الحالات «الموجودة مسبقاً» التي ترفض شركات التأمين الخصوصية تغطيتها. كانت كارول حتى السنة الماضية مغطاة ببوليصة زوجها المعماري جيمس الممولة من قبل رب عمله. بعد أن فقد جيمس عمله استمرت تغطية عائلة كلابسته بموجب مخطط يسمح للعاملين بالبقاء تحت التأمين لمدة 18 شهراً بعد فقد العمل في حال قبلوا بدفع قيمتها الكاملة. ولكن هذا المخطط سينتهي قريباً فلا تترك لكارول كلابسته خياراً سوى التغطية الشخصية، وهي أغلى بكثير.

والآن يأمل الزوجان كلابسته مثل ملايين الآخرين مثلهم بالدخول في التجميعة عالية الاختطار التي ستسمح لهم بالبقاء حتى سنة 2014، وهذا هو بالضبط الغرض منها. ولكن بلومبرغ تحذر من أن بعض الناس سيصابون بخيبة أمل: «هناك سوء فهم حول مدى محدودية [التجميعة عالية الاختطار].» وتشير إلى المطلب أن يكون الناس غير مؤمن عليهم مدة ستة أشهر قبل تقديم الطلب، وهي قاعدة مصممة لمنع الناس من ترك التغطية الأغلى. بكلمات أخرى، تم تصميم التجميعة عالية الاختطار لمساعدة الناس الذين لا تغطية لهم. تقر بلومبرغ أن النظام «ليس مثالياً لكنه أفضل من لا شيء.»

عبر روبرت زيركلباخ المتكلم باسم «خطط التأمين الصحي في أمريكا»، وهي لوبي شركات التأمين، عن قلقه حول ما يعتبره غياب شروط لخفض تكاليف الرعاية الصحية في قانون الإصلاحات. وفق معطيات منظمة التعاون و التنمية في الميدان الاقتصادي تصرف الولايات المتحدة الأمريكية 7920 دولاراً أمريكياً لكل فرد على الرعاية الصحية. هذا أكثر من أي بلد آخر، ويقارب ضعفين ونصف من متوسط مصاريف البلدان الأخرى ذات الدخل المرتفع. تنجم التكاليف المرتفعة للرعاية الصحية عن نظام يُدفع فيه الأطباء أجوراً أعلى على تقديم حجم أكبر من الخدمات، ولا توجد حوافز للمستهلكين على تحديد المصروف ما دامت شركات التأمين تسدد فواتيرهم.

وفق مكتب الميزانية في الكونغرس، ستكلف إصلاحات الرعاية الصحية 938 مليار دولار أمريكي خلال عشر سنوات، ولكن زيادة الضرائب والرسوم ومليارات الدولارات من قطع مدفوعات ميديكير ستقلّص عجز الميزانية الفيدرالية بـ143 مليار دولار أمريكي خلال عشر سنوات. فيما عدا ذلك، لا يعالَج موضوع ارتفاع التكاليف الطبية تقريباً. توجد خطط تأسيس مجلس لمراقبة نفقات ميديكير، لكن من غير المرجح أن يبدأ المجلس بكبحها قبل مرور عدة سنوات.

يشكل منظور تضخم التكاليف مشكلة لعدة أسباب؛ كما يشير زيركلباخ، زيادة التكاليف تؤدي إلى زيادة أقساط التأمين، ويقول: «إذا استمرت التكاليف في نموها السريع فلن يكون التأمين ميسور الكلفة.» بكلمات أخرى، إذا اضطرت شركات التأمين الخاصة إلى دفع مبالغ كبيرة لمقدمي الرعاية، فإنهم سيضطرون إلى زيادة الأقساط بما يتوافق مع ذلك. توجد شروط لتدخل الحكومة في حال لم يستطع الناس الدفع مقابل التأمين، ولكن الغرامات على رفض شراء التأمين (95 دولاراً أمريكياً في السنوات الأولى) تعتبر منخفضة جداً ولا تشجع على المشاركة. وتناقش بعض الشركات الأمريكية ترك عقود تأمين عامليهم وتفضّل دفع الغرامات.

وبدون مشاركة يدخل النظام في مشكلة. يقول زيركلباخ: «يوجد توافق عام بأن إصلاحات السوق لكي تكون فعالة يجب أن تجعل الجميع يشاركون في نظام الرعاية الصحية، وإلا ستحصل على نظام ينتظر الناس فيه حتى يمرضون ليشتروا التأمين، مما يزيد التكاليف على الجميع.»

شارك