مجلة منظمة الصحة العالمية

تغيّر المناخ: الكارثة الزاحفة. مقابلة مع كولين سمرهايس

موافقة كولن سامرهايس

الدكتور كولن سامرهايس هو رئيس جمعية تكنولوجيا ما تحت الماء وزميلٌ فخريٌّ في معهد سكوت للبحوث القطبية في جامعة كامبريدج – إنجلترا. استقال من منصبه، كمديرٍ تنفيذيٍّ للجنة العلمية حول بحوث القطب الجنوبي في المجلس الدولي للعلوم، في إبريل/نيسان من عام 2010. إنه عالم محيطاتٍ وجيولوجيٌّ عمل في المجال الأكاديمي، ومع الحكومة وفي المجال الصناعي ضمن العديد من البلدان. حاصلٌ على درجة البكالوريوس في علوم الجيولوجيا من كلية إمبريال، وعلى درجة الدكتوراه في الكيمياء الجيولوجية التطبيقية من كلية إمبريال، وعلى درجتي الماجستير والدكتوراه في علم الجيولوجيا البحرية من جامعة فيكتوريا في ويلينغتون – نيوزيلندا. يملك العديد من المنشورات، كما شارك في عدد من لجان الإدارة العلمية وطنياً ودولياً، وهو كذلك عضو سابقٌ في اللجنة التوجيهية حول نظام مراقبة المناخ العالمي.

الروابط المحتملة بين تغيّر المناخ والصحة هي من أكثر المواضيع المثيرة للجدل في عصرنا. يتحدث الدكتور كولن سامرهايس في هذه المقابلة عن الطريقة التي يتغيّر فيها مناخ العالم والعواقب المتوقعة على الصحة.

س: غالباً ما يعزو الناس الطقسَ الذي يأتي في غير موسمه إلى تغيّر المناخ. فأرجو أن تشرح الفرق بين كلّ من الطقس والمناخ؟

ج: الطقس هو ما نراه من ساعةٍ إلى ساعة ويوماً بعد يوم، يمكن أن تخبرنا توقعات الطقس عن احتمال سقوط الأمطار لنقل مثلاً بعد ظهر الغد، ولكن لأن الطقس مضطربٌ بطبيعته، غالباً ما لا نستطيع تقديم التوقعات لأكثر من 10 أيامٍ. أما المناخ فهو أمرٌ مختلفٌ، فهو معدّل الطقس الذي نحسبه عادةً على مدى فتراتٍ من 1–30 سنة، وهو قادرٌ على إخبارنا بعض الأمور كالتوقعات حول متوسط درجات الحرارة في فترتي النهار والليل في شهرٍ معين ومتوسط هطول الأمطار في هذا الشهر. ونظراً لعدم اضطراب بعض عناصر النظام المناخي، نعلم جميعنا بأن فصل الشتاء يأتي بعد فصل الصيف (مما يعني أننا نقدم توقعاتٍ حول المناخ). ولكن لا تستطيع التنبؤات المناخية إعلامنا عن إمكانية هطول الأمطار غداً، بل تخبرنا عن احتمال ذلك في شهرٍ ما.

س: ما هي الآثار الرئيسة التي تتوقعها لتغيّر المناخ في جميع أنحاء العالم؟

ج: سيكون هناك رابحون وخاسرون من تغيّر المناخ. نتوقع ازدياد هطول الأمطار في كلٍّ من شرق الصين وكولومبيا والإكوادور، في حين سيزداد الجفاف في مناطق البحر الكاريبي وتشيلي وغرب الصين والبحر المتوسط والبيرو، كل ذلك بحلول عام 2100. توجد توقعاتٌ متباينةٌ حول إفريقيا، من حدوث الجفاف في الشمال والجنوب، والرطوبة الشديدة في أماكن أخرى مثل كينيا. تساعدنا هذه التوقعات على التنبؤ بالمناطق التي ستنقص فيها الزراعة وإمدادات المياه. ستحدث وفرة مياهٍ في المناطق المدارية الرطبة والمناطق على خطوط العرض العالية، ولكن سيتناقص توافر المياه وستزداد ظروف الجفاف في المناطق على خطوط العرض المتوسطة والمناطق شبه القاحلة من خطوط العرض المنخفضة، مما سيعرض مئات الملايين من الناس إلى كَرْبٍ مائي متزايد.

س: كيف يؤثر تغيّر المناخ على إمدادات المياه؟

ج: تقوم أنهار الجليد الأرضية في جبال الهيمالايا بتخزين المياه ليتم لاحقاً الإفراج عنها بشكلٍ منتظمٍ على مدار السنة مما يناسب بعض البلدان مثل الهند وباكستان. يحدث نفس الأمر في جبال الأنديز، التي تزوّد المياه إلى عددٍ من الدول مثل البيرو. إذا تراجعت أنهار الجليد الأرضية بمقدارٍ كبيرٍ، فستتعرض غالباً آلية الإفراج عن المياه للخطر. قد يتسبب الاحتباس الحراري العالمي أيضاً بحدوث بعض المشاكل في المدن الساحلية وذلك حسب مدى ارتفاع مستويات البحر، وقد ترتبط هذه المشاكل بإمدادات المياه وبآلية التخلص من مياه الصرف الصحي.

س: متى نتوقع رؤية تأثيرٍ ملحوظٍ على الصحة بسبب تغيّر المناخ؟

ج: قد ينتج عن الاحتباس الحراري العالمي ارتفاعٌ بطيءٌ جداً في درجات الحرارة على مدى السنوات الثلاثين القادمة. لا يجب أن نتوقع حدوث تغيّرٍ فوريٍّ في العوامل الصحية. هذا ما أسميه بالكارثة الزاحفة. سيتسبب الارتفاع غير المرئي في مستوى سطح البحر بمقدار 1.5 سنتمتر تقريباً في السنة بارتفاع 1.5 متر بحلول عام 2100. هذه لا تماثل كارثة تسونامي: إنه تغيّرٌ بطيءٌ لكنه كافٍ لشغل حيز اهتمام المهندسين في كثيرٍ من أنحاء العالم. لكن عندما يعيش 146 مليون شخص على ارتفاع أقل من مترٍ واحدٍ من مستوى سطح البحر، فإن عدم اتخاذ أية خطوات حول تغيّر المناخ على مدى مئة السنة القادمة سيترك أثراً كبيراً على حياة الكثيرين.

س: كيف سيؤثر هذا على صحة الناس بالتحديد؟

ج: بالإضافة لازدياد معدلات المراضة والوفيات الذي تسببه الظواهر الجوية الشديدة كموجات الحر والجفاف والفيضانات، من المرجح أن يساهم تغيّر المناخ في زيادة عبء أمراض سوء التغذية والإسهال والعداوى. كما يُحتمَل ارتفاع وتيرة أمراض القلب والجهاز التنفسي بسبب التغيّرات في نوعية الهواء، وفي توزّع بعض نواقل المرض. قد يسبب هذا كله عبئاً كبيراً على الخدمات الصحية.

س: ما الذي يُتوقع حدوثه في حالة الملاريا؟

ج: يعتقد العلماء بإمكانية حدوث انكماشٍ وتوسعٍ في وقوع الملاريا على حدٍ سواء، مع تغيّر مواسم سراية العدوى. كشفت حالات الملاريا الموثقة في كولومبيا عن ارتفاع احتمال حدوث الوباء بسبب ازدياد هطول الأمطار الناجم عن حادثات النينو. لذا تترافق التوقعات بازدياد الرطوبة في كولومبيا مع ازدياد احتمال وقوع المزيد من حالات الملاريا هناك في المستقبل.

س: ما هو الأثر المتوقع لتغيّر المناخ على بيئات المحيطات؟

ج: ستؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة تبييض المرجان مما سيؤثر على معيشة الصيادين العاملين حول الشعاب المرجانية. سيؤدي ارتفاع مستويات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون إلى جعل المحيطات أكثر حامضيةً، مما يُضرّ العوالق ويُعرض للخطر كامل السلسلة الغذائية لجميع المخلوقات التي تعتمد على الغذاء القادم من المحيطات، بمن فيهم البشر.

س: ما هي بعض المخاطر الصحية غير المباشرة التي يسببها تغيّر المناخ؟

ج: لا يتم الحديث عنها في الغالب، ولكن يتوقع حدوث الحرب نتيجة تغيّر المناخ، ومن المعروف بأن الحرب تؤثر على الصحة. سيترك الاحتباس الحراري العالمي عدداً من الرابحين والخاسرين فيما يتعلق بإمدادات المياه. سيزداد احتمال اندلاع القتال على الموارد المائية في تلك المناطق التي ستصبح أكثر جفافاً. ويقال بأن بعض الصراعات في دارفور اليوم مرتبطةٌ بالجفاف المستمر وبالتنافس على موارد المياه.

س: هل سيكون لتغيّر المناخ أية آثارٍ إيجابيةٍ على الصحة؟

ج: تفتقر التوقعات العلمية حول تغيّر المناخ إلى اليقين. لكننا نعرف بعض الأشياء، فخلال فصول الشتاء الباردة، تزداد معدلات وفيات الأمهات حتى بين السكان الذين يعيشون في منازل دافئة. يمكن أن تنخفض وفيات فصل الشتاء هذه إذا تغيّر التوزع الطبيعي للمناخ وانخفض ضغط البرد على السكان. من ناحية أخرى، سيتعرض عددٌ أكبر من السكان لضغط الحرارة.

س: إذن ماذا بمقدورنا أن نفعل للحد من الآثار السلبية لتغيّر المناخ؟

ج: للتخفيف من الآثار على الصحة، من المهم رسم خطط الوقاية عوضاً عن العلاج، وتشجيع كلٍّ من التنمية المحسَّنة والإصحاح الجيد وإمدادات المياه النظيفة، والانتقال إلى اقتصادٍ منخفض الكربون.

س: ما الذي تتطلبه إدارة الآثار الناجمة عن تغيّر المناخ في مناطق معينة؟

ج: نحن بحاجةٍ إلى نظام رصدٍ قادرٍ على تحديد التهديدات، من أجل تطوير آليات تقييم التغيّرات في تلك التهديدات، إضافةً إلى الآثار المتوقعة على السكان. سيمكننا تمييز التغيّرات من مراقبة التقدم المحرز ومن اتخاذ خطواتٍ وقائيةٍ مناسبةٍ أو تدابير مخففة.

س: هل تمكن أي شخصٍ من تطوير نظام المراقبة هذا؟

ج: خير مثالٍ على ذلك هو مجلس القطب الشمالي، وهو هيئةٌ حكوميةٌ دوليةٌ قامت في عام 2005 بتنفيذ تقييمٍ حول تأثير المناخ في القطب الشمالي. هدفَ التقييم إلى معرفة التغيّرات في صحة السكان من رعاة قطعان الرنة وشعب الإسكيمو، وكذلك على الحيوانات مثل الدببة القطبية. يعاني القطب الشمالي من تركّز الملوثات الناتجة عن صناعاتٍ مختلفةٍ. تتراكم هذه الملوثات العضوية الثابتة في أجسام البشر والحيوانات، مما يسبب مستوياتٍ دمويةً عاليةً لبعض المعادن ومستوى دموي أعلى لثنائيات الفينيل متعددة الكلور (PCBs) بالمقارنة مع أولئك الذين يعيشون في أوروبا الغربية. هذا ويعمل المجلس على وضع سجلٍ حول نتائج تغيّر المناخ مع أوصافٍ مختلفةٍ لتقفي أثر التغيّرات ولاتخاذ القرارات الملائمة بشأن التعديلات المناسبة، ويمكن اعتبار ما يحدث في القطب الشمالي على أنّه بدايةٌ جيدةٌ.

س: من منظورٍ دوليٍّ، هل يتم رصد تغيّر المناخ مع أخذ الرعاية الصحية في الاعتبار؟

ج: كلا. هناك انفصالٌ بين وكالات الأرصاد الجوية التي تقيس تغيّر المناخ والوكالات المسؤولة عن الرعاية الصحية. نحتاج إلى تعاونٍ كاملٍ بين هذين المجتمعين في كلّ بلدٍ، وإلا فلن نعرف ما يجب قياسه بالضبط أو لن نكتشف أصلاً وجود صلةٍ بين تغيّر المناخ والصحة. حتى يتم وضع مثل هذه الآلية لجمع المعطيات الصحيحة، قد يستمر تأثير تغيّر المناخ على الصحة لكننا لن نتمكن من رؤية ذلك.

تمت مقابلة كولن سامرهايس في أثناء مشاركته كمتحدثٍ ضيفٍ في سلسلة ندواتٍ حول تاريخ الصحة العالمية أقامتها منظمة الصحة العالمية. للوصول إلى الندوات على شبكة الانترنت يمكن مراجعة الموقع التالي: http://www.who.int/global_health_histories/seminars

شارك