مجلة منظمة الصحة العالمية

استخدام حقوق الإنسان في الصحة الجنسية والإنجابية: تحسين الأطر القانونية والتنظيمية

Jane Cottingham a, Eszter Kismodi b, Adriane Martin Hilber c, Ornella Lincetto d, Marcus Stahlhofer e & Sofia Gruskin f

a. Independent consultant, 2 rue Jacques Grosselin, 1227 Carouge, Switzerland.
b. Department of Reproductive Health and Research, World Health Organization, Geneva, Switzerland.
c. Institute of Social and Preventive Medicine, University of Bern, Bern, Switzerland.
d. Viet Nam country office, World Health Organization, Ha Noi, Viet Nam.
e. Department of Child and Adolescent Health and Development, World Health Organization, Geneva, Switzerland.
f. Program on International Health and Human Rights, Harvard School of Public Health, Boston, United States of America.

المراسلة مع جين كوتينغهام (البريد الإلكتروني: cottinghamjc@gmail.com)

(تقديم البحث: 21 كانون الثاني/يناير2009 – استلام النسخة المدقَّقة: 18 تشرين الأول/أكتوبر 2009 – القبول: 18 تشرين الثاني/نوفمبر2009 – النشر على الإنترنت: 3 حزيران/يونيو2010)

نشرة منظمة الصحة العالمية، 2010، 88: 551-555 doi: 10.2471/BLT.09.063412

المقدمة

لفتَ التقرير الصحي العالمي لعام 2008 الانتباه إلى أهمية السياسات في تحقيق أغراض الرعاية الصحية الأولية، بما فيها تلك الضرورية لجعل النظم الصحية تعمل بالشكل الأنسب وتلك التي تتجاوز القطاع الصحي إنما تساهم في الصحة.(1) وهذا التأكيد محطّ ترحيب، وخصوصاً إدراج السياسة خارج اختصاص القطاع الصحي. يتبنّى التقرير مقاربةً شاملةً "للسياسة" – إنها لا تُدرجُ السياسة فحسب، بل القانون والتنظيم والتدخلات وحتى الممارسة أيضاً. ورغم عدم استخدام مصطلح حقوق الإنسان، فالاهتمام بحقوق الإنسان يشغل حيزاً كبيراً مما تم تقديمه على شكل إبراز أشكال عدم المساواة والأساليب المقترحة للتصدي لها.

يتزايد الحيز الذي تأخذه حقوق الإنسان من لغة العديد من المنظمات الدولية والحكومات والمنظمات غير الحكومية ومجموعات المجتمع المدني المهتمة بالصحة الجنسية والإنجابية ومقارباتها، وهناك حالياً قبولٌ واسع النطاق بالدور المحوري لحقوق الإنسان في تحقيق المرامي والأهداف الواردة في إعلان الألفية، وكذلك كمبادئ توجيهية في استراتيجية منظمة الصحة العالمية لعام 2004 حول الصحة الإنجابية.(2) إنما تأخر الاعتراف إلى وقتٍ قريب بعددٍ من حقوق الإنسان التي تشكل معاً "الحقوق الإنجابية". والتأكيد الأول للمجتمع الدولي بأنّ التمتع بالصحة الإنجابية يستند إلى هذه الحقوق ورد خلال المؤتمر الدولي للسكان والتنمية عام 1994:

"الصحة الإنجابية... تعني أن يتمكن الناس من التمتع بحياةٍ جنسيةٍ مُرْضيةٍ وآمنةٍ مع إمكانية الإنجاب وحرية اتخاذ القرار برغبتهم به وتحديد زمانه وتواتره. ... ومع أخذ التعريف المذكور أعلاه بالاعتبار، فالحقوق الإنجابية تشمل بعضاً من حقوق الإنسان المعترف بها أصلاً في القوانين الوطنية والوثائق الدولية حول حقوق الإنسان ووثائق اتفاقاتٍ أخرى. تستند هذه الحقوق إلى الاعتراف بالحق الأساسي لجميع الأزواج والأفراد في أن يقرروا بحريةٍ ومسؤوليةٍ كلاً من تواتر إنجاب أطفالهم وتوقيته وأن يملكوا المعلومات والوسائل المناسبة ليقوموا بذلك، وحقهم في بلوغ أعلى مستوى ممكنٍ من الصحة الجنسية والإنجابية. يشمل هذا أيضاً حقهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنجاب بدون تمييزٍ أو إكراهٍ أو عنف."(3) (التأكيد مُضاف)

من أهم إنجازات هذا المؤتمر اعترافه بمسؤولية الحكومات عن ترجمة الالتزامات الدولية ضمن القوانين والسياسات الوطنية التي تعزز الصحة الجنسية والإنجابية. ولذا، وكما جاء في التقرير الصحي العالمي لعام 2008، لا بد من التعامل بجديةٍ مع السياسات والقوانين التي تشكل عائقاً أمام توافر خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وإتاحتها وقبولها ونوعيتها (بالنسبة لجميع السكان أو لفئاتٍ معينةٍ فقط).(1)

منذ عام 1994، تم إدراج حقوق الإنسان بطرائق مختلفةٍ ضمن الأساليب المستخدمة أسلوب الصحة الجنسية والإنجابية، فضلاً عن مسائلٍ صحيةٍ أخرى بما فيها توفير الأدوية الأساسية،(4) وفيروس العوز المناعي البشري/الأيدز ،(5) وصحة الطفل.(6، 7) تعمل بعض المنظمات، كمركز الحقوق الإنجابية، على تنفيذ بعثاتٍ تتقصّى الحقائق والمقاضاة الاستراتيجية، مع التركيز على انتهاكات حقوق الإنسان، مثل التعقيم القسري للغجريات في سلوفاكيا، والمعدلات المرتفعة لوفيات الأمهات بسبب الإجهاض غير الآمن في المكسيك.(8) بينما تعمل منظمات أخرى على وضع ما يسمى "الأسلوب المستند إلى الحقوق" واستخدامها خلال رسم البرامج الخاصة بالصحة الجنسية والإنجابية. وقامت بعض المنظمات، كوكالات الأمم المتحدة مثل صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)(9) وصندوق الأمم المتحدة للسكان،(10) والمنظمات غير الحكومية مثل كير،(11) وصندوق إنقاذ الطفولة،(12) عموماً بالتركيز على ثلاثة مبادئ رئيسية: مشاركة المجتمعات المتضررة؛ وضمان عدم حدوث تمييزٍ خلال تصميم البرامج وتنفيذها؛ ووجود آليّاتٍ للمساءلة. بدأت بعض المنظمات بالاستشهاد بهذه المبادئ، فيما استخدم بعضها الآخر حقوق الإنسان بوصفها الإطار المفاهيمي لعملها، كما وضع آخرون قائمةً من الإجراءات المرتبطة بقواعد ومعايير محددة. لقد أدى هذا التنوع إلى تفسيراتٍ متنوعةٍ حول ما تعنيه هذه الارتباطات في الواقع العملي، فضلاً عن تساؤلاتٍ حول القيمة العملية لحقوق الإنسان في تحسين صحة السكان.

استجابةً لهذا كله، قام قسم الصحة الإنجابية والبحوث في منظمة الصحة العالمية وبرنامج الصحة الدوليّة وحقوق الإنسان في مدرسة هارفارد للصحة العامة بإنشاء أداةٍ عمليةٍ تستخدم مفاهيم حقوق الإنسان وطرائقها لتقوية الجهود الحكومية المرتبطة بالصحة الجنسية والإنجابية.(13)

أداة حقوق الإنسان

نقطة بدايتنا هي التزام معظم الدول، إن لم يكن كلها، بتعزيز وحماية حقوق الإنسان من خلال مصادقتها على صكوك حقوق الإنسان الدولية و/أو الإقليمية. افترضنا وجود الحوائل القانونية والسياسية والتنظيمية في وجه تحسين الصحة الجنسية والإنجابية داخل القطاع الصحي وخارجه، على الرغم من الجهود التي تبذلها الدول في هذا المجال وفقاً لالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان. وللتغلب على هذه الحوائل، نحتاج أولاً إلى التعرف عليها، ثم تقديم التحليل الدقيق والتعديلات المناسبة.

المنهجية

تستخدم هذه الأداة وسيلة جمع المعطيات صُمّمت لتجميع المتعلق منها بالقوانين واللوائح والسياسات من ناحيةٍ، والنظم الصحية والنتائج الصحية من جهةٍ أخرى. تأتي المعطيات من مصادر سهلة الوصول وموثوقةٍ، ولا يتم جمع المعطيات الجديدة. يولى اهتمامٌ خاصٌ بتصنيفها بحسب عددٍ من الخصائص مثل الجنس والعرق والعمر والتعليم والحالة الاجتماعية، للمساعدة في التعرّف على الفئات المعرضة للخطر.

تم التحليل من خلال دراسة المعطيات القانونية/السياسية ومعطيات الصحة العمومية جنباً إلى جنبٍ مع التزامات البلد حول حقوق الإنسان. تتكون هذه الأخيرة من المعاهدات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي تمت المصادقة عليها، والتعليقات العامة ذات الصلة بتلك المعاهدات والملاحظات الختامية الخاصة بكل دولة والصادرة عن الهيئات المسؤولة عن مراقبة تنفيذ المعاهدة، فضلاً عن الدساتير الوطنية للدول وقوانينها حول حقوق الإنسان. غالباً ما يكشف التحليل عن التناقضات والثغرات التي تحتاج إلى مقاربةٍ، فعلى سبيل المثال، وبالرغم من مصادقة دولةٍ ما على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي تتضمن التزامها بالقضاء على العنف ضد المرأة، سنجد غياب الإطار المناسب قانونياً/سياسياً لتحقيق استجابةٍ سريعةٍ في هذا المجال. قد يترافق هذا مع نقص المعطيات التي تبين حجم المشكلة والتحليل حول طبيعة مجموعات النساء الأكثر تضرراً بشكلٍ مباشرٍ. بدون إصدار التحليل الناتج عن هذه الأداة، لن نستطيع في الغالب تحديد هذه الأنواع من الفجوات علمياً، كما سيفتقر عملنا إلى الناحية القانونية التي ينبغي مقاربتها بشكلٍ فعالٍ. يقدم التحليل المتكامل الذي أُنجِز حول مجموعةٍ كبيرةٍ من المواضيع المدرجة في إطار الصحة الإنجابية والجنسية صورةً شاملةً عن الجهود التي تبذلها الدولة لتحسين الصحة الجنسية والإنجابية، فضلاً عن تحليل وضع حقوق الإنسان في القوانين واللوائح والسياسات الوطنية، والحوائل الموجودة.

أجريت التحليلات من قبل الباحثين الوطنيين الذين عينتهم وزارة الصحة بدعمٍ من وكالاتٍ دوليةٍ كمنظمة الصحة العالمية. يتطلب استخدام الأداة فريقاً وطنياً قوياً متسلحاً بالمهارات والمعرفة اللازمة حول حقوق الإنسان (مع التركيز على حقوق المرأة) والصحة العمومية على حدٍ سواء. يجب أن يشارك في هذه العملية أيضاً مجموعةٌ واسعةٌ من المعنيّين العاملين في هذا المجال بما في ذلك القطاعات الحكومية المختلفة كالتعليم والمالية والعدل والتخطيط والدين والنقل وشؤون المرأة، فضلاً عن ممثلي المنظمات غير الحكومية ومؤسسات حقوق الإنسان والمؤسسات الأكاديمية والشراكات ثنائية الطرف ومتعددة الأطراف والعاملين الصحيين والمجتمع المدني. ويجب أن يكون هؤلاء الناس على استعدادٍ لمناقشة التوصيات المقترحة للتغيير والتي تم تحديدها من خلال التحليل، والقيام بعد ذلك بالإجراءات التي من شأنها أن تؤدي إلى تنفيذ مثل هذا التغيير. ومن المتوقع أن يساهم جمع هذه المجموعة الواسعة من الجهات الفاعلة في تحسين فهم الحوائل التي تحول دون إيتاء الخدمات الفعالة وعلى تحديد الحلول الممكنة التي تعكس الأولويات المحلية. يجب أن تنتج عن هذه العملية ملكيةٌ واسعة النطاق للأعمال النهائية.(14)

وبالرغم من كون ربط حقوق الإنسان مع الصحة العمومية ظاهرةً جديدةً نسبياً، فهناك بعض الخبراء الذين يستطيعون العمل في وقتٍ واحدٍ في اثنين من هذه التخصصات واسعة النطاق. لذا يعتبر التدريب المصمم بعنايةٍ جزءاً من عملية بناء القدرات في الدول التي لا تتوافر فيها مثل هذه الخبرة بعد.

التجارب الميدانية

انصب التركيز المبدئي للأداة على صحة الأم والوليد، بسبب الوضوح الجيد لحقوق الإنسان المتصلة بها واستئناف العمل بمبادرةٍ مجددةٍ مكررةٍ حول الأمومة الآمنة في وقتٍ مبكرٍ من الألفية الجديدة.(13) وجرى توسيع التركيز لاحقاً لتغطية خدمات الصحة الجنسية والإنجابية على نطاقٍ أوسع. ولتحديد وثاقة الصلة عالمياً، تم اختبار أداة صحة الأمهات والوليد في ثلاث دول من مناطق مختلفةٍ بين عامي 2003 و2006 وهي البرازيل وأندونيسيا وموزامبيق، مع إجراء اختبارٍ ميدانيٍّ أوليٍّ في سويسرا في عام 2002. تم أيضا استخدام الأداة على المستوى تحت الوطني في البرازيل وأندونيسيا، مع الأخذ بالاعتبار النظم السياسية الاتحادية واللامركزية والنظم الصحية. ومنذ فترةٍ وجيزةٍ تم اختبار أداة الصحة الجنسية والإنجابية في جمهورية مولدوفا، وجرى اختبار نسخةٍ تُركّز على صحة المراهقين الجنسية والإنجابية في سيريلانكا في 2008-2009، وما زالت التجربة مستمرةً في طاجيكستان. في ملاوي، تم استخدام صيغةٍ معدلةٍ من الأداة مع الأسلوب الاستراتيجي لمنظمة الصحة العالمية في عام 2004 حول الصحة الإنجابية.14 لقد قامت منظمة الصحة العالمية بإطلاق التجارب في جميع هذه الدول فيما ساهم عددٌ من الشركاء الدوليين الآخرين، بمن فيهم صندوق الأمم المتحدة للسكان واليونيسف وآيباس وجي تي زد (الوكالة الألمانية للتعاون التقني) في تقديم الدعم التقني و/أو المالي.

الدروس المستفادة

لقد برهنت التجارب الميدانية على قدرة الأداة في المساهمة النوعية في تعزيز الصحة، ونسلط الضوء هنا على بعض أمثلةٍ عن نجاحها ضمن خمسة مجالاتٍ حاسمةٍ فيما يتصل بسياسة الصحة الجنسية والإنجابية والتخطيط لها.

فهم التزامات الدول

تستند منهجية الأداة على معايير حقوق الإنسان المقبولة دولياً، ولذا فهي تساعد الجهات المعنية على معرفة التزامات دولهم فيما يتعلق بالصحة الجنسية والإنجابية. فعلى سبيل المثال، أدى استخدام الأداة في أندونيسيا إلى التوصية بتعديل قانون السكان الذي يطالب المرأة بتقديم إذن زوجها للحصول على وسائل منع الحمل إذ وُجد أنّ هذا القانون يتعارض مع القانون الوطني لحقوق الإنسان والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان بشأن حقوق الأفراد في أن يقرروا ما إذا أرادوا إنجاب الأطفال ومتى وكم مرة، دون رقابةٍ أو إكراهٍ من قبل الحكومة أو شركاء آخرين.(13) وفي حين يمكن مناقشة هذه القضايا في أوقاتٍ أخرى وبطرائق مختلفة، فقد أكّدت الاختبارات الميدانية على أن استخدام الأداة أرسى أسلوباً يرتكز أكثر على ما يُسمى بحقوق الإنسان. قدمت المناقشات في اجتماعات المعنيّين شرحاً حول كيفية ارتباط المبادئ القانونية وحقوق الإنسان مع القضايا الصحية الاستراتيجية قيد المناقشة. لقد أشارت تقييمات جميع الدول بأن استخدام هذه الأداة لم يسفر فقط عن ارتفاع الوعي بحقوق الإنسان بين المعنيّين، بل أدى أيضاً إلى وضع توصياتٍ بشأن المواضيع الأكثر إثارةً للجدل.(16) وقد ساعدت الإشارة إلى معايير حقوق الإنسان على فتح النقاش حول بعض المواضيع التي يُتوقع اتخاذ مواقف متصلبة منها مثل العاملات في الجنس والإجهاض وإتاحة المعلومات والخدمات للمراهقين.

الفئات المعرضة للخطر

هناك اعتراف منذ زمن بعيد بوجود تناقضاتٍ في الحالة الصحية بين الفئات السكانية المختلفة داخل الدول وفيما بينها، وتعمل مبادراتٌ، من قبيل تقرير اللجنة المعنية بالمحددات الاجتماعية للصحة، على توضيح حالة الاستثمارات في السياسات والتدخلات الموجهة نحو معالجة عدم المساواة في توزيع القوة والمال والموارد بحيث يمكن للجميع الحصول على الموارد والاستفادة من المجموعة ذاتها من الخدمات جيدة النوعية وفقاً للاحتياجات والتفضيلات، بغض النظر عن الجنس أو مستوى الدخل أو الحالة الاجتماعية أو الإقامة.(17) ومع ذلك، لا تراعي القوانين والسياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية احتياجات الفئات المعرضة للخطر والمهمشة إلا في عددٍ قليلٍ من الآليات، إن وجدت أصلاً. أوضحت الاختبارات الميدانية أنه رغم قدرة المعنيّين على التعرف بسهولةٍ على الفئات المعرّضة للخطر (كالمراهقين في البرازيل وأندونيسيا وموزامبيق، وعمال المزارع في سريلانكا، وسكان الجبال في طاجيكستان، وسكان الريف في جميع الدول)، فإنه من الصعب للغاية العثور على معطيات حول الحالة الصحية لهذه الفئات. كما لفتت هذه الأداة الانتباه أيضاً إلى (نقص) استجابة الإطار القانوني والسياسي لمقاربة احتياجات الفئات التي تم تحديدها، وما إذا كانت القوانين ذاتها قد تنطوي على تمييزٍ. بالتالي تشجّع الأداة المعنيّين على تقديم توصياتٍ لمعالجة الأمور التالية: أولاً، النقص في المعطيات، وثانياً، الحوائل التي قد تضعها القوانين أو السياسات بوجه وصول مختلف الفئات إلى المعلومات والخدمات. في البرازيل، أدى هذا الاعتراف إلى التوصية بزيادة خدمات الرعاية قبل الولادة الموجهة للمرأة السوداء ذات الدخل المنخفض، وللنساء اللواتي يعشن في المناطق الريفية والمناطق الأكثر فقراً في ولايات البلاد،(18) بينما برزت في إندونيسيا الحاجة للعمل على معالجة نقص المعطيات حول العنف ضد المرأة، وخاصة لدى بعض الفئات.(15)

مشاركة قطاعاتٍ أخرى

في معظم الدول التي جرى فيها الاختبار الميداني، لم يسبق لوزارة الصحة التعاون مع القطاعات الأخرى. ومع ذلك، فلم تظهر الاختبارات الميدانية وجود رغبةٍ بالعمل مع مختلف القطاعات الحكومية فحسب، بل أظهرت إمكانية إقامة هذه الشراكة تماماً. لقد شارك ممثلون من وزاراتٍ متنوعةٍ في مجموعة المعنيّين في جميع الدول، واعتمد مدى مشاركتهم على التزام قادة هذه العملية وقدراتهم القيادية، وبخاصة وزارة الصحة. مثلاً، ساعدت مشاركة وزارات العدل والتعليم والمالية والدين في توسيع فهم الحوائل المعيقة لتقديم الخدمات الفعالة وخلق توافقٍ في الآراء بشأن الإجراءات المقترحة وملكيتها. لقد ألقى هذا الضوءَ على القضايا التي لا تظهر عادةً خلال التقييم النمطي حول أوضاع الصحة الجنسية والإنجابية، فعلى سبيل المثال، أكدت النتائج في إندونيسيا وموزامبيق على الاستمرار في طرد الفتيات الحوامل من المدرسة في أحيانٍ كثيرة، وهو أمرٌ مسموحٌ به في القوانين المحلية رغم الالتزام بضمان تعميم إتاحة التعليم في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها هاتان الدولتان وفي قانونيهما الوطنيين.(15، 19) في إندونيسيا، قدم الاجتماع الأخير للمعنيّين توصياته لوزارة التربية بمنع المدارس المحلية من طرد الفتيات الحوامل وتحسين مراقبة تنفيذ القانون وضمان إتاحة التعليم، بما في ذلك التخطيط لضمان التعليم المستمر للفتيات الحوامل.(15) وعلى نحوٍ مماثلٍ، أبرز استخدام الأداة في سريلانكا بعض الممارسات المتحفظة لقسم الشرطة التي تعتبر عاملاً يزيد من صدمة الأطفال ضحايا الاعتداء الجنسي.

مشاركة المجتمع المدني

كثيراً ما يتكرر النقاش حول موضوع قدرة عملية التنمية على ضمان مشاركة المجتمع المدني ولكن نادراً ما يمكن تحقيقها. شدّدت جميع الفرق القطرية على قيمة الأداة في الجمع بين وزارات الحكومة والمنظمات غير الحكومية مثل جمعيات تنظيم الأسرة ولجان حقوق الإنسان، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني الأكثر فاعليةً.(16) ساعدت منظمات المجتمع المدني، وبخاصةٍ مجموعات المرأة، على ضمان تقديم الأولوية لاحتياجات وحقوق الفتيات والنساء الضعفاء، وعلى الاعتراف بالحوائل التي قد لا تراها الجهات الحكومية فوراً ومواجهتها. مثلاً، ساهمت مشاركة منظمات حقوق المرأة في موزامبيق بإتاحة الفرصة لمناقشة واقتراح حلولٍ للحوائل المستديمة التي تعوق علمية تقديم الرعاية الصحية المناسبة للنساء ضحايا العنف.(19) وفي هذا الصدد، قدمت منظمة الصحة العالمية منصةً محايدةً ظاهرياً لاجتماع مختلف المعنيّين، ولا سيما في الدول التي لم تنتشر فيها ممارسة المشاركة بين القطاع الحكومي وغير الحكومي بعد. ومن مزايا هذا النوع من المشاركة، قالت المنظمات غير الحكومية إنّ التقرير القطري الناتج عن العملية قدّمَ لها أداة دفاعٍ مهمة بخاصةٍ بعد إقراره من قبل الحكومة، وقادَ إلى تحسين علاقاتها مع مختلف الوزارات والوكالات المانحة. أما في إندونيسيا فقد تشاورت الحكومة على نطاقٍ واسعٍ خلال المناقشات البرلمانية حول مشروع القانون الصحي الجديد مع تلك المنظمات غير الحكومية التي كانت جزءاّ من هذه العملية، وهو تطورٌ لم يحدث سابقاً.(16)

التوصيات

قام المعنيّون بتحديد الوزارات أو الهيئات الأخرى المسؤولة عن تنفيذ التوصيات، وتعرضت وزارات الحكومة، والاتحادات المهنية في بعض الحالات، للمساءلة، لمراجعة المعايير الأخلاقية لضمان حمايةٍ كافيةٍ من الخصوصية والسرية في خدمات تنظيم الأسرة، على سبيل المثال. إنّ وضع هذه التوصيات والمسؤوليات العمومية أضفى عليها بعض الوزن والشرعية، فقد استخدمت التوصيات في موزامبيق في تطوير حزمة الرعاية الصحية المتكاملة للأمومة والولدان والأطفال؛ ويترافق تطبيق سريلانكا للأداة من قبل وزارة الصحة مع تصميم خدمات المراهقين وجعلها متاحةً وسهلة المنال؛ وفي جمهوريتي مولدوفا وطاجيكستان يجري استخدام الأداة كجزءٍ من جهود وزارة الصحة لتنسيق قوانينها بشأن قضايا الصحة الجنسية والإنجابية. كما ترتبط أيضاً في طاجيكستان مع عملية تقديم التقارير للجنة حقوق الطفل. وفي إندونيسيا، تشكّل الاستنتاجات التي تم التوصل إليها في نهاية هذه العملية جزءاً من تنفيذ استراتيجية صحة الأمهات، حيث قامت وزارة الصحة فوراً بتنفيذ أحد الإجراءات من خلال إصدار رسالةٍ إلى منظمات المهنيين الصحيين تتعلق بالحاجة الملحة لزيادة جهود أعضائها في مجال وقف عمليات ختان الإناث، والتصدي لتسويغها طبياً.(20)

أدى استخدام الأداة في النظام الصحي الفيدرالي اللامركزي في البرازيل إلى توصياتٍ بشأن الحاجة إلى تثقيف وإعلام الحكومات والاتحادات المهنية في الدولة (وليس الفيدرالية) حول تعهدات حقوق الإنسان.(18) على الرغم من ذلك، وكما هو الحال مع عملياتٍ أخرى، يعتمد مدى التزام الوزارات وغيرها بالإجراءات المقترحة على عوامل كثيرةٍ، وعلى الإرادة السياسية خصوصاً.

المضي قدماً

حتى لو قام المعنيّون بتعريف وترتيب أولويات العمل وتحديد المسؤوليات، ليس هناك ما يضمن إنجاز تلك الأعمال، فهذا يعتمد على مدى الالتزام الحقيقي من المعنيّين الرئيسين، وربما يتطلب مزيداً من الدعم، التقني والمالي، من وكالات التنمية الدولية أو الجهات المانحة. ستقوم منظمة الصحة العالمية بنشر جميع المواد على شبكة الإنترنت بحلول نهاية عام 2010، والهدف من ذلك هو أن تقوم الدول باستخدام الأداة نفسها دون مبادرةٍ من منظمة الصحة العالمية أو الوكالات الأخرى، بالرغم من أنها قد تحتاج إلى المساعدة.

لا نريد أن تكون الأداة وسيلةً وحيدةً لتحديد طريقة تقديم الخدمات أو أعمال المجتمعات. ولذلك، فهي خطوةٌ في عمليةٍ تشمل طرائق أخرى مصممةً على سبيل المثال لتقييم بيئتي تقديم الخدمات والممارسة. نحن نبحث الآن سبل الجمع بين استخدام الأداة مع الأسلوب الاستراتيجي لمنظمة الصحة العالمية حول تعزيز سياسات وبرامج الصحة الجنسية والإنجابية التي تم وضعها لدراسة نوعية الرعاية في مجال خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.(14)

الاستنتاج

توفر الأداة، أي كلٍّ من الوسيلة والعملية، منهجاً لرسم خرائط بيئتي البلد القانونية والتنظيمية وعلاقتهما بالصحة الجنسية والإنجابية، وذلك باستخدام تحليل حقوق الإنسان. كما إنها توفر نقطةً مرجعيةً مفيدةً لصانعي السياسات الوطنية والجهات الفاعلة كي تفكّر في سياساتها وبرامجها، ومبادئها التوجيهية وغيرها من الأعمال من خلال تسليط الضوء عليها في وثيقةٍ واحدةٍ موحدةٍ. يساهم استخدام الأداة في فهم الدول لالتزامات حقوق الإنسان ويخلق أسلوباً منهجياً لدراسة حالة الفئات الضعيفة. كما يشركُ القطاعات غير الصحية مما يعزز عمليةً حقيقيةً لمشاركة المجتمع المدني وتطوير التوصيات مع تحديدٍ واضحٍ للمسؤولية.

لقد بدأت الحكومات بطلب المساعدة في تحسين أطرها القانونية والتنظيمية لضمان استمرار جهودها في مجال الصحة الجنسية والإنجابية. وباستخدامها حقوق الإنسان للمساعدة في تحديد التغييرات المطلوبة، تعرض الأداة خطوةً هامةً في العملية الرامية إلى تعزيز وحماية حقوق الناس، وتحسين النتائج الصحية، وتقديم أدلةٍ على القيمة المضافة التي يمكن أن تقدمها حقوق الإنسان في مجال الصحة.


الشكر

نوجه الشكر للمساهمة الواسعة من الأشخاص الذين نفذوا الاختبار الميداني لأداة حقوق الإنسان في كلّ من البرازيل: ماريا خوسيه دي أوليفييرا أراوجو، وماريا بياتريس جالي بيفيلاكوا، وآنا باولا دي أندرادي ليما فيانا، وخوسيه سويلدو غوديز دي كيروز، وآنا باولا بورتيلا، وآنا كريستينا د أندريتا تاناكا، ومارسيو أوغوستو موتا فييرا؛ وإندونيسيا: تريسناواتي غانداويدجاجا، ولورا غوارينتي، وأتاشيندارتيني هابوسجاه، وإيدي هاسمي، وهرميانتي جونيزارمان، وريتا سيرينا كوليبونسو، وسابريناه سادلي، ونينوك سومارياني ويديانتورو؛ وموزامبيق: زيمينا اندرادي، وأريستيدس بالوي، وأليسيا كاربونيل، ودالمازيا كوسا، وآنا داي، وماريا دا لوز فاز، وليليا جاميسي؛ وجمهورية مولدوفا: ف بودروغ، وفيكتوريا سيبوتارو، وراديكا كومندانت، وايون دودون، وف موشين، وم تاروس؛ وسريلانكا: ديلا دي سيلفا، وهاريندرا دي سيلفا، ومادو ديساناياكي،ود س ايتاناياكي، وسافيتري غوونسيكار، ونينا هاكاميز، وف كاروناراتني، وعائشة لوكيوبالاسوريا، وتايلوما موناسينغي، وديبثي بيريرا، وبريثيكا ساكالاسوريا، ولاكشمين سيناناياك، وإندراني سيغاثاداسا؛ وطاجيكستان: ر ألييفا، وأو ت أمينوف، وأ كولييف، وس م كوربانوف، وب محمودوف، و ه ياماكوي. نشكر أيضاً كل من كارين نيومان وميندي جين روزمان وأعضاء الفريق الاستشاري للمساواة بين الجنسين وحقوق الصحة والبحوث الإنجابية بمنظمة الصحة العالمية.

التمويل:

تم تلقي الدعم المالي من منظمة الصحة العالمية ومؤسسة فورد في إندونيسيا، وصندوق الأمم المتحدة للسكان واليونيسف في إندونيسيا، وصندوق الأمم المتحدة للسكان وآيباس في البرازيل.

تضارب المصالح:

لم يصرح بشىء.

المراجع

شارك