مجلة منظمة الصحة العالمية

الهند تسعى لكسر حلقة الدَيْن في الرعاية الصحية

يضطر معظم سكان الهند البالغ تعدادهم نحو 1.2 مليار نسمة إلى الدفع من جيبهم للحصول على العلاج الطبي. تقرير باتراليخا تشاتيرجي حول مخطط يهدف إلى توفير الرعاية الصحية للعائلات التي تعيش تحت خط الفقر، وذلك ضمن سلسلة مقالاتنا المستمرة حول التمويل الصحي.

خلال العام الماضي، اقترضت باراميشواري أرون، وهي خادمة عمرها 28 سنة تعمل بدوامٍ جزئيٍّ في جنوب دلهي، ما يعادل 1000 دولارٍ أمريكيٍّ من أجل دفع تكاليف العلاج الطبي لابنها ذي الست سنواتٍ من العمر. لا يزالون يجهلون ما يعاني ابنها منه وما هي فرص تحسنه على الرغم من هذه النفقات.

تقول أرون: "بدأت هذه المشكلة الطبية تدريجياً عندما عاد ابني فيغنيشوارام من المدرسة في أحد الأيام يشكو من ألمٍ في ساقه، وقد جعلت أمورنا المالية خارج السيطرة". تكسب باراميشواري وزوجها الذي يعمل سائقاً نحو 250 دولاراً أمريكياً في الشهر، أي ما يكفي بالكاد لإطعام عائلةٍ مكونةٍ من أربعة أشخاصٍ في دلهي.

اقترضت باراميشواري أرون ما يعادل 1000 دولاراً أمريكياً لدفع تكاليف العلاج الطبي لابنها البالغ من العمر ست سنوات.
منظمة الصحة العالمية / باتراليخا تشاتيرجي
اقترضت باراميشواري أرون ما يعادل 1000 دولاراً أمريكياً لدفع تكاليف العلاج الطبي لابنها البالغ من العمر ست سنوات.

إن عائلة أرون غير مغطاةٍ بالتأمين الصحي، لذلك فقد أثّرت هذه النفقات غير المتوقعة من أجور الأطباء والاختبارات والأدوية ودخول ابنهم للمستشفى على وضعهم المالي. يوجد عند الزوجين طفل آخر ويسكنون في داكشينبوري، وهي إحدى المستعمرات العديدة التي أُنشِئت في عاصمة الهند في أواخر السبعينات لإعادة توطين المهاجرين الريفيين الذين اضطروا سابقاً إلى السكن على طول أقنية الصرف الصحي المكشوفة وضفاف الأنهار وخطوط السكك الحديدية.

أما على بعد 10 كيلومترات من داكشينبوري، تعيش سونيتا غوبتا البالغة 40 عاماً في كوخ وتلوّح ببطاقتها الذكية. إنها إحدى أغلى ممتلكاتها، لأنها تتيح لها الوصول إلى المخطط الوطني للتأمين الصحي الذي تموله الحكومة وتخصصه للأسر التي تعيش تحت خط الفقر.

تم إطلاق المخطط الوطني للتأمين الصحي من قبل وزارة العمل والتوظيف الهندية في نيسان/أبريل 2008. تقول غوبتا: "احتجت إلى عمليةٍ جراحيةٍ مؤخراً. توجهت إلى عيادةٍ خاصةٍ. تكفّلت البطاقة الذكية بتكلفة الاستشفاء. الآن عدت إلى العمل. ساعدني مخطط التأمين غير النقدي هذا مساعدة عظيمة".

أرون وغوبتا مثالان على التحديات والفرص الناشئة في الهند، حيث لا يحصل غالبية السكان المقدر تعدادهم بـ1.2 مليار نسمة على الرعاية الصحية الجيدة علماً بأنهم ينتشرون في 28 ولايةٍ تتمتع بالحكم الذاتي وسبعة أقاليمٍ ضمن الجمهورية الاتحادية.

إن تكلفة الرعاية الصحية هي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الفقراء في الهند يرزخون تحت ضغط الديون. جاء في تقرير الاتحاد الهندي لغرف التجارة والصناعة في تموز/يوليو من عام 2009: "حالياً لا يملك سوى أقل من 15٪ من السكان في الهند أي نوعٍ من تغطية الرعاية الصحية، سواء التأمين المجتمعي، أم نفقات أرباب العمل، أم التأمين الاجتماعي، أو غيرها".

يقول الدكتور فاراتاراجان دورايراج من قسم تمويل النظم الصحية في منظمة الصحة العالمية: "إن النفقات الصحية الإجمالية في الهند منخفضةً عند حسابها كنسبةٍ مئويةٍ من الناتج القومي الإجمالي". حيث بلغت حسب التقديرات 4٪ في عام 2008، وفقاً لأحدث تقارير الصحة الوطنية. نظراً إلى انخفاض حصة الحكومة من الإنفاق على الصحة، أصبح الإنفاق من الجيب هو المصدر الرئيسي للتمويل الصحي.

سونيتا جوبتا أتيح لها المخطط الوطني للتأمين الصحي الذي تموله الحكومة.
منظمة الصحة العالمية / باتراليخا تشاتيرجي
سونيتا جوبتا أتيح لها المخطط الوطني للتأمين الصحي الذي تموله الحكومة.

يتصف نظام التمويل الصحي في الهند بأنه أكثر تعقيداً من غيره في البلدان النامية الأخرى. يضيف دورايراج: "لا يندرج هذا النظام تحت تعريف النظم القائمة على الضرائب أو القائمة على التأمين. إنه لا يزال يتطور. لا يوجد على سبيل المثال توثيقٌ جيدٌ لتدفق الأموال من كلٍّ من المجتمعات والمُحسِنُين والأسر. يمكن إلى حدٍ بعيد معرفة حجم الإنفاق الحكومي وتدفقه، بينما تستند التقديرات حول الإنفاق الخاص على استجابة الأسر خلال المسوح. مع ذلك، فإن الحصة المقدرة لما تنفقه الأسرة من جيبها ضمن إجمالي الإنفاق على الصحة هي إحدى أعلى المعدلات في العالم، مع إنفاقٍ يبلغ أكثر من 40 مليار دولارٍ أمريكيٍّ".

يوجد بعض المخططات الممولة مركزياً، ولكن الرعاية الصحية العمومية تقع إلى حدٍ كبيرٍ على عاتق حكومات الولايات، ويختلف التمويل من ولايةٍ إلى أخرى. يقول رافي دوغال، وهو مدربٌ رئيسي ومحللٌ صحيٌّ يعمل مع الشراكة الدولية للميزانية ، والتي تهدف إلى الحد من الفقر وتحسين جودة الحكم في جميع أنحاء العالم: "يشكّل عمال القطاع الاقتصادي المنظم في الهند أقلّ من 10٪ من مجموع القوى العاملة". ويضيف: "تتصف مخططات التأمين في الشركات بصغرها، رغم أنّها تبدو ضخمةً من حيث الأرقام بسبب ضخامة حجم الهند".

إضافةً لذلك، يوجد في الهند عدة مخططات للتأمين الصحي المجتمعي والتي تروج لها المنظمات غير الحكومية، ولكن دوغال يرى بأنها تدابيرٌ مؤقتةٌ ويدافع عن تحقيق الرعاية الصحية الشاملة.

يقول دوغال: "يتمثل التحدي الأكبر في تحويل هذا النظام غير المقنن وغير المنظم إلى مظلةٍ واحدة لإتاحة الخدمات للجميع". ويضيف: "لن يكون من السهل كبح جماح هذا النظام بسبب اعتياد العديد من مشغلي المخططات على عدم التقنين. لكن في جميع أنحاء العالم، يكمن الحل الوحيد لتنظيم النظام الصحي بأكمله في بلدٍ واحدٍ في العمل ضمن إطار آلية الدافع الوحيد الذي يقنن هذا النظام، حيث يتم تجميع كافة الموارد لدى سلطةٍ واحدةٍ، مثل التأمين الصحي الوطني في كندا أو في الخدمة الصحية الوطنية في المملكة المتحدة. كما توجهت كل من البرازيل وتايلند أيضاً نحو هذا الحل".

في الهند تشكل مسألة تمويل العيادات الخارجية لخدمة الفقراء مصدر قلقٍ رئيسيٍّ. تجبر القيود المالية الكثيرين على الامتناع عن الرعاية ما قبل الولادة أو تأجيل علاج الأمراض البسيطة. رداً على ذلك، قامت البعثة الوطنية للصحة الريفية التابعة للحكومة الاتحادية باستخدام الحوالات النقدية المشروطة من أجل إعطاء بعض المال للأسر في مقابل قيامهم بإجراءاتٍ محددةٍ، مثل الحضور المنتظم إلى المدارس والعيادات الصحية، والمشاركة في حملات التمنيع.

مع استمرار النقاش حول ماهية النموذج الأفضل لتمويل الرعاية الصحية في الهند، يتوسع العمل في بعض المبادرات مثل المخطط الوطني للتأمين الصحي. يقول أنيل سواروب المدير العام لرفاهة العمال في الوزارة الاتحادية للعمل والتوظيف: "تقدم الحكومة الوطنية نحو 75٪ من تمويل هذا المشروع، بينما يأتي الباقي من حكومات الولايات". ويتابع قوله: "يعمل المخطط الوطني للتأمين الصحي بشكلٍ جيدٍ. على سبيل المثال يوجد 80٪ من المنتفعين المسجلين في منطقة جارهوا من ولاية جهارخاند. يلعب القطاع الخاص دوراً حاسماً في المخطط الوطني للتأمين الصحي. في بعض الأماكن، مثل ولاية كيرالا، ساهم هذا المخطط في زيادة أرباح المستشفيات الحكومية، فيما تستخدم بعض المؤسسات هذه الأموال لتعزيز بنيتها التحتية".

يهدف المخطط إلى حماية الأسر التي تعيش تحت خط الفقر من الالتزامات الناشئة عن العلاج في المستشفى. يحق للمنتفعين التعويض حتى 30000 روبيةٍ (640 دولاراً أمريكياً) لتغطية معظم الأمراض التي تتطلب العلاج في المستشفى. تمتد التغطية إلى خمسةِ أفرادٍ لكل أسرة، بما في ذلك سيد العائلة والزوجة وحتى ثلاثةٍ من الذين يعيلونهم. يتسجل المنتفعون مقابل دفع أقل من دولارٍ أمريكيٍّ واحدٍ، ثم تقوم الحكومة المركزية وحكومات الولايات بدفع قسط التأمين لشركة التأمين التي تختارها حكومة الولاية.

تملك الأسر المشاركة القدرة على الاختيار بين المستشفيات العامة والخاصة. تحصل كل عائلةٍ منتفعةٍ على بطاقةٍ ذكيةٍ يتم فيها تخزين بصمات الأعضاء وصورهم الفوتوغرافية. بعد تحديد شركة التأمين، يجب أن تقوم بالتشارك مع مقدمي الرعاية الصحية من القطاعين العام والخاص بناءاً على معاير محددة. تُلزَم هذه المستشفيات بتثبيت الأجهزة والبرامج اللازمة للتعامل مع إجراءات البطاقة الذكية. حيث يقدم هذا المخطط حافزاً لعمل جميع المعنيين بالأمر.

“يقول سواروب: "تم حتى الآن إجراء ثلاثة تقييماتٍ للمخطط الوطني للتأمين الصحي، وذلك في ولايات كيرالا، ودلهي، ومنطقة واحدة من ولاية أوتار براديش. وصل مستوى رضا المنتفعين في ولاية كيرالا إلى 90٪ (جيد إلى ممتاز)، وفي دلهي إلى 86٪ (جيد إلى ممتاز)، في حين وصل في منطقة جاونبور من ولاية أوتار براديش إلى 70٪. نقوم بجمع الارتجاع من الميدان ونستخدمه في تحسين تصميم المخطط".

قام المخطط الوطني للتأمين الصحي بتوزيع أكثر من 15 مليون بطاقةٍ ذكيةٍ في 26 ولايةٍ، مغطياً أكثر من 55 مليون نسمةٍ. ولكن مع توسع هذا المخطط فإنه يواجه تحديات على عدة جبهاتٍ.

يتابع سواروب بقوله: "يتوجب علينا بناء القدرات على جميع المستويات – كالمستشفى والبيروقراطية وشركات التأمين – من أجل تنفيذ المخطط بشكلٍ فعالٍ. ثانياً، يوجد حاجةٌ لمزيدٍ من الوعي حول المخطط بين الجمهور. ثالثاً، نحتاج إلى تحسين جودة الخدمات في المستشفيات. لن يتحقق النجاح الكبير إلا بزيادة الاشتراك في كل المستويات".

يؤكد آرون ناير، الباحث في المركز الوطني لموارد النظم الصحية المتمركز في دلهي، على الحاجة إلى معالجة مشكلة فجوة المعلومات بين المرضى والمستشفيات. لا يدرك الكثير من المرضى مستحقاتهم بشكلٍ تامٍ، ويمكن استغلالهم في حال غياب الدلائل الإرشادية حول العلاج المعياري.

يوافق اش كاين، وهو المنسق الميداني للمخطط الوطني للتأمين الصحي في حي غوبتا من منطقة تيغري، بقوله: "كثيرٌ من المرضى لا يعرفون القراءة والكتابة أو هم شبه أميون. إنهم لا يعرفون كافة المنافع المقدمة لهم بموجب المخطط، ولا يعرفون حقوقهم. أحياناً تقوم المستشفيات باستغلال جهلهم".

تقول غوبتا: "لم أضطر إلى الدفع مقابل عملية الرحم، لكن تمت مطالبتي بتكلفة اختبارات التشخيص". إنها ليست متأكدةً ما إذا كانت مثل هذه الاختبارات مغطاة ضمن هذا المخطط، ولم تستلم أية إيصالاتٍ على أية حال.

بالرغم من هذه المشاكل، يقدم المخطط بعض الأمل لفقراء الهند في الحصول على الرعاية الصحية بأسعارٍ معقولةٍ. يقول ناير: "يمثل المخطط الوطني للتأمين الصحي أول جهدٍ متكاملٍ من قبل الحكومة المركزية وحكومات الولايات لتوفير الحماية الصحية والاجتماعية للقطاع غير الرسمي"، وأضاف: "إنها خطوةٌ كبيرةٌ نحو الأمام".

مع ذلك، تكمن المسألة الرئيسية في الاستدامة. يقول دورايراج من منظمة الصحة العالمية: "سيبقى مخطط التأمين الصحي الوطني إجراءاً انتقالياً ما لم يتم ضمان استدامته على المدى الطويل، وارتباطه مع وجود خطط التغطية الشاملة". ثم يتابع: "في الوقت الحاضر، من غير الواضح تأثير المخطط على الحماية الصحية والاجتماعية وعلاقاته مع خطط التغطية الشاملة لأنها ما زالت في طور التطوير. بذات الوقت، لا يمكننا الشك في أثره المحتمل".

شارك