حان الوقت لوضع حمى إيبولا في السياق
صَوّرت وسائل الإعلام الفيروسات التي تُسبِّبُ الحُمَّيات النَّزفِيَّة للجمهور كمفترسات رهيبة تهدّد وجود البشر عالمياً. تقول البروفيسور ميليسا ليش: هناك الكثير الذي يجب تعلّمه عن تضافر المعارف المحلّية والعلمية في التعامل مع تلك العوامل المرضية الفتّاكة.
تشغل البروفيسور ميليسا ليش منصب مدير مركز السبل التقنية والبيئية والاجتماعية للاستدامة ، وقد مُنحت زمالة معهد دراسات التطوير في سوسكس بإنكلترا. حازت البروفيسور ليش على درجة الماجستير في الجغرافية من جامعة كامبردج، وعلى درجة دكتوراه الفلسفة في الأنثربولوجيا الاجتماعية من جامعة لندن. وتتكلّم أربع لغات أفريقية أيضاً؛ وهي ماندينكا وكيسي (غينيا)، وميندي وكريو (سيراليون). انخرطت البروفيسور ليش خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية مباشرة في العمل الميداني المتعلّق بالجغرافيا الأثنية، وفي البحث باستخدام المقاربات التاريخية والبيئية والعلمية والتقنية. وقد ألقى عملها الأخير الضوء على سياسة العلم والمعرفة في العمليات السياسية المرتبطة بالبيئة والصحّة، وخصوصاً التلقيح وتجارب البحوث الطبية والوبائيات.
سؤال: كيف كانت النظرة الدولية لفيروس إيبولا في أوائل إلى منتصف التسعينيات؟
جواب: صُوّرَ فيروس إيبولا في أوائل إلى منتصف التسعينيات على أنّه تهديد عالمي ومفترس رهيب، يظهر في المناطق الاستوائية من أفريقيا، وينتشر إلى بقيّة أنحاء العالم المترابطة والمتفاعلة بسرعة؛ لذا تَطلّبت حالات العدوى بفيروس إيبولا التبليغ الدولي والرَدّ العاجل. وأثارت الكتب والأفلام مثل "الطاعون القادم " للوري غاريت و"المنطقة الساخنة " لريتشارد بريستن وفيلم "الفاشية " من بطولة دوستين هوفمان جميعها الخوف من حمى إيبولا النزفية لدى الجمهور في الغرب.
وقد صوَّرت بعض تلك الإصدارات فيروس إيبولا على نحو لافت للانتباه كما لو أنَّه عامل ممرض نشيط مستفحل قابل للانتشار عن طريق الهواء أَو التماس، وليس ثمة معالجة ناجعة له إلى أن يكتشف علماء "التقنية المتطورة" لقاحاً أَو علاجاً آخر، وإلا فإنّ كل مصاب سوف يلقى حتفه. وكان أحد المكوّنات الرئيسة في تلك القصص الإحساس بالبطولة العلمية لدى أفراد نذروا أنفسهم لاكتشاف الفيروس وتمييزه وإلحاق الهزيمة به، وغالباً ما تمثّلت الردود الإنسانية على فاشيات الأمراض الفيروسية بالرعب والعنف والمنافسة. وقد أخبرني موظفو منظمة الصحة العالمية أن الخشية من تحوّل فاشية 1995 في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى "وباء ينتشر إلى بقيّة أنحاء العالم" كانت أحد العوامل التي أوجدت زخماً سياسياً أدّى إلى مراجعة تعليمات الصحة الدولية في عام 2005.
سؤال: كيف يُنظر إلى حمّى إيبولا الآن؟
جواب: تُعدّ حمَّى إيبولا الآن مرضاً محليّاً قاتلاً، يتطلّب نوعاً من الرَدّ الشامل والسريع المستند إلى إستراتيجيات الصحة العمومية المعيارية لمنع الانتقال والسيطرة على الفاشيات في مصدرها.
سؤال: لماذا تجتذب حمى إيبولا الكثير من الانتباه، في حين أنّ حمَّى لاسا تقتل عدداً أكبر من البشر؟
جواب: تنتمي حمّى إيبولا وحمّى لاسا إلى مجموعة أكبر من الحمّيات النزفية الفيروسية، وتُعدّان من الناحية الوبائية الحميتان الأكثر أهمية في البيئة الأفريقية المدارية. إننا نتعامل في حالة حمّى إيبولا مع مرض فتّاك، قاتل بسرعة، تسبّبه فيروسات خيطية، ويُؤدّي إلى الوفاة في 50-90 % من الحالاتِ المشخّصة سريرياً، ولم يتيسّر حتى الآن مضاد فيروسي أو لقاح ضد حمّى إيبولا النزفية التي تُعدّ مرضاً لا شفاء منه. ولكن عندما ننظر إلى الفاشيات الأفريقية نلحظ أنّه على الرغم من تواترها المتزايد فإنّ العدد الإجمالي للوفيّات قليل نسبياً، وقد حفّزت المخاوف الشديدة وإشاعة إمكانية الانتشار العالمي لفيروس إيبولا الصحّة الدولية وبعض أطراف الصحة الوطنية والمسؤولين الحكوميين لوضع سياسات تستند إلى تلك الرؤية. وأسهمت وسائل الإعلام في أثناء ذلك بزيادة اهتمام الجمهور ودعم التخلّص من هذا المرض. وفي هذا المقام عُدّت حمّى إيبولا النزفية ضرباً من المرض" الاستثنائي" أو "الحالة ذات الأولوية".
أمّا حمى لاسا فهي مرض نزفي آخر لكنه متوطّن على نحو أكثر بكثير في العديد من مناطق غرب أفريقيا، وتحدث العدوى عن طريق التعرّض المباشر لمفرغات الجرذان المصابة، أو ينتقل على نحوٍ أقل من شخص إلى آخر عن طريق سوائل الجسم، ويبلغ معدّل إماتة الحالات في حمى لاسا قرابة 1% فقط، ولكنَّ المرض يودي بحياة عدد أكبر من الأشخاص مقارنةً بحمى إيبولا لأنَّ وقوعاته أعلى بكثير؛ إذ يُقدّر وجود 300000 عدوى و5000 وفاة سنوياً.
سؤال: ما طبيعة المعضلات التي تمثّلها تلك الأنواع من الأمراض؟
جواب: قاد هذا التباين بعض المعلقين إلى اقتراح أنَّ حمى إيبولا ربما ليست إلاَّ "مبالغة كبيرة حول لا شيء"، فهي مرضٌ مدمّر محليّاً، ولكنَّ أهميته الدولية محدودة. أمّا حمى لاسا فتبدو أنها مشكلة غير معلن عنها، وعدد الوفيات والمصابين بالعدوى مرتفع على نحو لا يتناسب مع بعدها الدولي ومدى اهتمام وسائل الإعلام الغربية بها؛ فحمى لاسا تتطلّب المزيد من التزام الفرق الصحية المستدام وإجراءات المكافحة بوصفها مرضاً أكثر توطّناً.
سؤال: ثمّة أدلّة عن حدوث حمى إيبولا في بعض المجتمعات لمئات السنين، فما طبيعة التقاليد المحلّية المستخدمة في مواجهة فاشيات الحمّى النزفيّة؟
جواب: غالباً ما يُصوَّر السكان المحليون الذين يعيشون في المناطق التي يتفشّى فيها المرض في وسائل الإعلام على أنّهم جهلة ومنغمسين في تقليدٍ مضلّل وممارسات أثنيّة خطرة. لا ريب أنَّ بعضاً من تلك الممارسات خطرة كالبقاء بقرب فرد مصاب من العائلة للعناية به، والتماس مع المتوفى في الجنائز، وتطبيق علاجات بعض المعالجين التقليديين التي تتضمّن بَضع جلد المريض بسكاكين غير معقمة، وتطبيق الدم على الجلد.
لقد رثا الموظفون الطبيون الذين قابلتهم في سيراليون لحال تقاليد المجتمع التي تحضّ على أكل الجرذان، وخصوصاً أثناء الأعياد حيث يحدث ذلك على نطاق واسع، ويُعدّ السبب الرئيس لفاشيات حمّى لاسا، وثمّة اعتقاد أنَّ الاجهاضات (الناجمة عن الإصابة بحمّى لاسا) تحدث بسبب السحر، الأمر الذي قد يؤخّر تقديم المعالجة. وعلى أيّ حال يوجد بعض الممارسات المفيدة تبعاً للسياق والثقافة المحلّية أيضاً؛ فالسكان المحليّون لديهم المعرفة والمنطق والممارسات الأثنية التي يمكن مناقشتها، ويتعيّن تضمينها في استجابات مواجهة الفاشيات.
?سؤال: هل من أمثلة على الممارسات المفيدة؟
جواب: أحد الأمثلة على المقاربة المحلّية لتلك الأمراض وردت في عمل بيري هوليت المتخصّص في الأنثربولوجيا، فقد درس كيفية تعامل شعب أشولي في أوغندا مع غيمو (كلمة تعني مرض وبائي)؛ فالبروتوكولات الاجتماعية للوقاية من المرض ومكافحته تتضمّن عزل المريض في منزل يبعد على الأقل 100 مترٍ عن المنازل الأخرى, ويقدّم الناجون بعد الإصابة بالوباء الطعام والرعاية للمريض، ويجري تمييز البيوت التي يوجد فيها مرضى بعمودين من عشب الفيل، ويُحدُّ من الحركة العامة، ويُنصح الناس بالبقاء داخل منازلهم وعدم التنقّل بين القرى، وأخيراً؛ يُستَبقى المرضى الذين زالت أعراضهم في العزل دورة قمرية كاملة قبل السماح لهم بالتنقّل في القرية بحرّية.
سؤال: ما العواقب عندما لا تأخذ الفرق الدولية الاعتقادات الأثنية المحلّية في الحسبان؟
جواب: أثبتت الاستجابات المعيارية من الأعلى إلى الأدنى وإجراءات المكافحة في بعض الأحيان أنّها غير مستدامه، وتُواجَه بمقاومة السكان المحليين، فقد تثير المخاوف المحلّية أو الشعور بالظلم عندما تُقيَّد حركة الناس، أو لا يتمكّنون من دفن موتاهم بحسب الأعراف؛ ومثال ذلك ما حدث في الغابون عام 2001 حيث واجهت الفرق الطبية الأمريكية والأوروبيّة مقاومة مسلّحة من السكان المحليين أجبرتها على الرحيل. وقد حدث ذلك لأنَّ القرويين تذكّروا إجراءات المكافحة المزعجة بشدّة التي استخدمتها الفرق في فاشيةٍ أبكر عام 1995-1996، وكان أشدها إزعاجاً منعهم من القيام بممارسات الدفن المألوفة، وقد حُجب المرضى والمتوفون وراء أقمشة مشمّعة في وحدات العزل، وأثار ذلك شكوك الناس أنَّ أجزاءً من أجساد أقربائهم قد سُرقت، وتفاقم مع انعدام الثقة بالفرق الدولية التي "تهبط بالمظلات" من الخارج. ونحتاج لتفادي مثل تلك الحالات في المستقبل إلى بناء مقاربات تشاركية شاملة تجمع بين المعرفتين المحلّية والعلمية.
سؤال: هل لديكم أمثلة على فاشيات أُدمجت فيها الممارسات التقليدية بنجاح مع المقاربات علمية المرتكز؟
جواب: أحد الأمثلة على ذلك فاشية حمّى إيبولا عام 1999-2000 في أوغندا التي أُدمج فيها النموذج والممارسات الأثنية لشعب أشولي. ومن الأمثلة الأخرى الفاشية التي حدثت في جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2001، ولكن يبدو على العموم أن منظمة الصحة العالمية والعديد من الوكالات تتبنّى أكثر تلك السياسة؛ فمثلاً يُحاوَل الآن روتينياً تضمين الممارسات الأثنية المحلّية في جميع الاستجابات ضد الفاشيات.
سؤال: ما المحرّكات الأطول أمداً لهذه الأمراض
جواب: نحتاج إلى الربط بين العديد من الأسباب والتأثيرات المختلفة، وبعضها يتعلّق بالمحرّكات البيئية والاجتماعية الاقتصادية، فقد تسهم إزالة الغابات لأغراض الزراعة والحصول على الأخشاب واستهلاك لحوم الحيوانات البرية وتجارتها في حدوث الحميّات النزفية؛ لأنَّ تلك النشاطات تجعل السكان أكثر قرباً من المستودعات الفيروسية الحيوانية الغابية والنواقل الثانوية. ويؤدي التبدّل المناخي دوراً يؤثّر في الحركية على تخوم الغابات. ويؤدّي الفقر والجور المعزّزان بالصراع أحياناً إلى مشكلات أيضاً كإضعاف الأنظمة الصحية والمستشفيات المزدحمة، ومن المعروف جيداً أنَّ المستشفيات الفقيرة تُعدُّ المضخِّم الرئيس لحمّى إيبولا، في حين تقدّم المخيّمات المبنية على نحو سيئ والمزدحمة بشدّة بوجود مجتمعات معدمة ومتأثّرة بالصراع الشروط المثالية للتعرّض لحمى لاسا.
سؤال: كيف يمكننا استخدام الخوف المتأصّل من حمى إيبولا على نحو إيجابي لتطوير استجابة فعّالة ضد الأمراض الأخرى
جواب: لقد أثارت حمّى إيبولا النزفيّة المشاعر لأنَّها مخيفة جداً، ولكن يوجد طرق يمكن من خلالها تسخير الموارد والخبرات لمعالجة الأولويات الصحية؛ مثل الحضّ على الممارسات المأمونة لدى التعامل مع مفرزات الجسم بهدف الوقاية من الأمراض المعدية على العموم. ويجب علينا أن نكون حذرين أيضاً كي لا تصرف فاشيات الأمراض الانتباه عن تقديم استجابة متكاملة لمعالجة المشكلات الصحية؛ فالناس الذين يعيشون في المناطق التي تجذب انتباه المجتمع الدولي فجأة بسبب فاشية حمى إيبولا قد يعانون من العدوى بفيروس العوز المناعي البشري والملاريا والإسهال والمشكلات الصحية الأخرى التي تُعدّ أكثر أهمية من منظور شؤون حياتهم اليومية.
أجريت المقابلة مع البروفيسور ميليسا ليش على هامش استضافتها كمتحدّث زائر في سلسلة الحلقات الدراسية لمنظمة الصحة العالمية عن تاريخ الصحة العالمية، وتتيسّر الحلقات الدراسية تلك على رابط الإنترنت: http://www.who.int/global_health_histories/seminars/en/