مجلة منظمة الصحة العالمية

بناء واستبقاء القوى العاملة الصحية المُهمَلة في مجال التخدير: هل هو مصيري من أجل تقوية الأنظمة الصحية من خلال نظام الرعاية الأولية؟

Meena Cherian a, Shelly Choo b, Iain Wilson c, Luc Noel a, Mubashar Sheikh e, Manuel Dayrit d & Steffen Groth a

a. Essential Health Technologies Department, World Health Organization, 20 avenue Appia, 1211 Geneva 27, Switzerland.
b. Johns Hopkins University School of Medicine, Baltimore, United States of America.
c. World Federation of Societies of Anaesthesiologists, London, England.
d. Health Workforce Alliance, World Health Organization, Geneva, Switzerland.
e. Human Resources for Health Department, World Health Organization, Geneva, Switzerland.

المراسلة مع مينا تشيريان (البريد الالكتروني: cherianm@who.int ).

(الموافقة على النشر: 30 أيلول/سبتمبر 2009- استلام النسخة المُدَقَّقة: 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009- القبول: 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2009- النشر على الشبكة: 10 أيار/مايو2010)

<>نشرة منظمة الصحة العالمية I>2010;88:637-639. doi: 10.2471/BLT.09.072371

الخلفية

يؤكّد تقرير الصحة العالمية للعام 2008 ”أنّ وضع الناس في محور تقديم الخدمات“ لا يتعلّق فقط بنماذج تقديم الخدمات من منظور استباقي قصير الأمد، بل أيضاً بالتزام طويل الأمد بالرّعاية الصحيّة.(1) بسبب النقص الحرج بالقوى العاملة الصحيّة، من الضروري الاستثمار في تدريبها واستبقائها واستمراريتها. تُعَدّ مناطق أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مثالاً رئيسياً للتوزّع غير المُتَساوي لكوادر الرّعاية الصحية. تتكبّد شبه القارة 24% من عبء المرض العالمي عند 11% من سكان العالم، لكنّها لا تضمّ سوى 3% من عمّال العالم الصحّيّين.(2) على هذا الصعيد نالت بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمم أخرى اهتماماً من خلال قرار جمعيّة الصحّة العالميّة 59/23 الذي شجّع على التوسّع السريع في إنتاج القوى العاملة الصحية.(3) إن معالجة هذه الحالة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الإصلاحات الأربعة (التغطية الشاملة وجعل الناس في محور تقديم الخدمات والقيادة والسياسات العمومية) وذلك نحو إعادة تركيز عمل الأنظمة الصحيّة من خلال الرعاية الصحيّة الأوليّة.

أهمية القوى العاملة في ميدان التخدير

إنّ مساهمة الحالات الجراحية في العبء العالمي للمرض والأثر المُحتَمل لتوفير الخدمات الجراحية الأساسية في مرافق مستوى الإحالة الأول هو أمرٌ يُبخس تقديره على نطاق واسع. يُقَدَّر أنّ 11% من سنوات الحياة المُعَدَّلة بالعجز على الصعيد العالمي (أو السنوات الضائعة من الحيوات الصحيحة) تنجم عن حالات من المرجح جدّاً أنها تتطلب الجراحة.(2) يُمكن للرعاية الجراحية الكافية باعتبارها استراتيجيةَ رعايةٍ أوّليةٍ أن تعالج وتُخَفّف من هذا العبء بشكل كبير.(4) بدأت تظهر بيّنات متزايدة تشير إلى أنّ بقيا اللأمّ والرضيع تتناسبان طرداً مع عدد العمّال الصحيّين الذين يوفّرون الرعاية التوليدية التي تشمل التخدير.(5-6)

يعتمد تقديم الرعاية الجراحية (بما في ذلك التوليد والرّضوح) بشكلٍ كبيرٍ على توفّر واستبقاء قوى عاملة صحيّة مُدَرَّبة في ميدان التخدير. ورد في التقرير الصادر عن تحقيق المملكة المتحدة الخاصّ في وفاة ما حول الجراحة لعام 1987 حدوث وفاة واحدة لكل 185000 عملية تخدير؛ بينما في زامبيا (مشفى تعليم جامعي)، كانت النسبة وفاةً لكلّ 1925. كان معدّل وفيات التخدير المُمكن تجنّبها في ملاوي (مشفى مركزي) يعادل وفاةً لكلّ 504؛ وفي نيجيريا (مشفى تعليمي) في العمليات القيصرية، حدثت وفاةٌ لكلّ 387 عملية تخدير؛ وفي توغو (مشفى تعليمي)، وفاة لكلّ 133؛ وفي زمبابوي (مشفى مقاطعة)، حدثت وفاة لكلّ 482.(7) كان الكثير من هذه الوفيات غير الضرورية ناتجاً عن مشاكل المسلك الهوائي ونقْصُ حَجْمِ الدَّم عند مرضى شباب أصحّاء.(7)

على الرغم من المفهوم العامّ الذي يفترض أنّ الحاجة لخدمات التخدير تنحصر فقط عند مستوى مرافق الرعاية الصحية الثانوية والثالثية، فإنّ توفّر الخدمات الأساسية في مرافق مستوى الإحالة الأول يمكن أن يُسهِم بشكل هامّ في إنقاص الوفيات والعجز. على مستوى المقاطعة والمنطقة، يُتَوَقَّع من الطاقم الصحّي أن يوفّر طيفاً من الخدمات التخديرية (موضعية، كيتامين وريدي، تخدير نخاعي وعامّ) لتدبير المضاعفات المُتَعلِّقة بالحمل والإجهاض غير الآمن والإصابات (حوادث السّير والعنف العائليّ والحروق والسقوط والاغتصاب) ومضاعفات تشويه أعضاء الأنثى التناسلية والشّذوذات الخلقيّة إضافةً إلى الحالات الجراحية الأخرى. في سبيل التقديم الآمن للتخدير في حالات الطوارئ والعمليات الجراحية، تُعَدّ الاستثمارات من أجل تحقيق التدريب المناسب مطلوبةً. يمتد دور التخدير إلى ما وراء غرفة العمليات، فهو ضروريٌّ في المراقبة التالية للعمل الجراحي، وفي وحدات الرعاية المُرَكَّزة، من أجل الحالات الطبية المُرافقة، إضافةً إلى توفير التفريج عن الألم (خاصّةً عند الأطفال والنساء وقت المخاض). إنّ قوى عاملة مُدَرّبةً على تقنيات التخدير الرئيسية على مستوى الرعاية الصحية الأولية يمكنها أيضاً أن تُنعش المرضى الحرجين أو أولئك المُصابين برضح وخيم وتعمل على استقرار حالتهم، قبل تحويلهم إلى مرفقٍ أكثر تخصّصاً. إنّ خدمات التخدير المطلوبة في مرافق مستوى الإحالة الأول يمكن أن يقدّمها عموماً مُخَدِّر مُدَرَّب غير طبيب.

الوضع الحالي

يتميّز أطبّاء التخدير بندرتهم في الكثير من البلدان النامية وبعدم توفّرهم في المرافق الصحيّة في مستوى الإحالة الأول. فبينما يوجد في بعض البلدان النامية كالهند عدد كبير من أطباء التخدير في المدن، إلا أنّهم نادرون عموماً أو غير موجودين في المناطق الريفية والنائية. في أفغانستان (عدد سكانها 32 مليون)، لا يوجد سوى 9 أطبّاء تخدير، و8 فقط في بوتان (عدد السكان أقلّ من 700000)،(5) و13 (باستثناء المُغتربين) في أوغندا (عدد سكانها 27 مليون).(8) وللمقارنة، ففي المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية يوجد 12000 طبيب تخدير لعدد سكّان يبلغ 64 مليوناً.(9) في بعض البلدان، تُملأ الفجوة من خلال المُخَدِّرين غير الأطبّاء كما في أوغندا، التي يوجد فيها 330 مُخَدِّراً غير طبيب، على الرغم من أنّ هذا يبقى غير كافٍ لتلبية الاحتياجات المحلّية.(8)

إنّ الافتقار إلى التدريب التخديري في كلّيات الطب والتمريض وحوافز التدريب القليلة والعدد المحدود للوظائف، كلّ ذلك يُثني العديد عن دخول هذا الاختصاص. تُسهم أيضاً الهجرة الدولية وخاصّةً في بلدان جنوب آسيا بشكل كبير في هذا العدد القليل. في سريلانكا، يُقَدَّر أن ّ ما يزيد على 30% من أطبّاء التخدير انتقلوا لممارسة مهنتهم في بلدان أخرى.(5) وفي بلدان أخرى كالهند، تمنع الأنظمة والسياسات غير الأطبّاء من تقديم خدمات التخدير كثيرة الاحتياج.

ما الذي يمكن عمله؟

إدراك الحاجة

إنّ إدراك الحاجة إلى خدمات التخدير في كلّ مستويات الرعاية الصحية والاعتراف بإسهامها المحتمل في إنقاص معدّلات الإماتة والمراضة يشكّل خطوةً أولى مهمّة لضمان التزامٍ سياسيّ واستثمارات محلّية من أجل جعل هذه الخدمات مُتوفّرةً وبشكل عادل. يتطلّب هذا جمعاً للمعطيات من أجل تقدير عبء الأمراض الجراحية، إضافةً لعدد وصنف مُقَدّمي التخدير، وأثر وفعالية التكلفة لخدمات الجراحة والتخدير في ظروفٍِ متنوّعة.(10)

السياسات والتشريع

يتطلّب توفير خدمات التخدير في بلدانٍ عديدة دعماً من جهة سياساتٍ تشريعات تسمح بتقديم الخدمات الانتقائية من قبل مُخَدّرين غير أطبّاء، وآلياتٍ لتحقيق المرامي الإنمائية للألفية للأمم المتحدة. يجب أن تتضمّن السياسات المُطوَّرة من قبل وزراء الصحة والتعليم دعماً من الجمعيات المهنيّة والأكاديمية، وأن تُنسَج بطريقةٍ تلبّي الاحتياجات المحلّية. إنّ تنفيذ هذه السياسات الرّامية لاستبقاء قوى عاملة صحيّة تخديرية في المناطق الريفية والنائية يتطلّب تنسيقاً على أعلى المستويات بين سلطات الصحة المحلّية وبرامج التعليم ومُقَدِّمي خدمات التخدير.

التعليم والتدريب

من المطلوب استخدام أسلوب مُتعدّد القطاعات لمستويات الرعاية المُختلفة من أجل معالجة مشكلة التدريب الناقص والأعداد غير الكافية من مُقَدِّمي الصحة في مجال التخدير. يجب أن تهدف الاستراتيجيات قصيرة المدى إلى تحسين كمية مُقَدّمي المستوى المُتَوسِّط وجودتهم من أجل إتاحةٍ عادلةٍ للرعاية الصحية الأولية في سبيل تقوية الأنظمة الصحية. إنّ نقل أو ندب المهام في مجال خدمات التخدير لمُقَدّمي تخديرٍ غير أطباء سوف يتطلّب تنفيذ برامج تدريب مُقَرّرة. بدأت بلدانٌ كثيرةٌ كبنغلادش وبوتان والهند ونيبال وسريلانكا بتنفيذ برامج نقل المهام لزيادة قدراتها على توفير التخدير والخدمات المُنقِذة للحياة، وقد نتج عن ذلك زيادة في عدد العمليات الجراحية المُجراة (نيبال).(5)

يجب أن تهدف برامج كهذه إلى توفير مهارات التخدير الأساسية اللازمة في حالات الطوارئ والعمليات الجراحية الأساسية المطلوبة في مرافق مستوى الإحالة الأول، مع تدريبٍ مُكَثَّفٍ بشكل أكبر للمُخَدّرين غير الأطباء المُعَيّنين في مرافق المستوى الثانوي، التي لا يوجد فيها غالباً أيّ أطباء تخدير. سوف يقوم أيضاً أولئك المُخَدّرون المُدَرَّبون غير الأطباء بدعم أطباء التخدير في المرافق الثانوية والثالثية حيثما تكون أعدادهم غير كافيةٍ. من الضروري أن تكون مناهج وأدوات التدريب المناسبة مُصَمَّمةً ومُكَيَّفةً من أجل الاستخدام المحلّي. إنّ دعم والتزام الجمعيات المهنيّة اللصيق يُعَدّ أساسياً لنجاح برامج كهذه.

يجب أن تتوجّه الاستراتيجيات بعيدة المدى نحو خلق مرافق لتدريب أطباء التخدير على القيام بالتدريب والتعليم، إضافةً إلى تدريبهم على تقديم خدمات التخدير الاختصاصيّة في مجالات جراحة الأطفال والقلب والجراحة العصبية والبولية والتجميلية وجراحة زرع الأعضاء. ستساعد هذه المُقاربات على تفادي ظاهرة المرضى الباحثين عن التدخّلات الجراحية خارج البلد، والتي تُعَدّ مُتاحةً حالياً لعددٍ قليلٍ جدّاً من المرضى.

تُقدّم عتيدة أدوات برامج منظمة الصحة العالمية للتدبير المُدمَج للطوارئ والرعاية الجراحية الأساسية توصياتٍ وإرشاداتٍ حول السياسات والجودة والسلامة والتدريب والرصد والتقييم.(2) قُدِّمت هذه العتيدة للتنفيذ من خلال وزارات الصحة والجهات المُتَعاونة مع المبادرة العالمية للطوارئ والرعاية الجراحية الأساسية، في 35 بلداً.(2) وتتضمّن هذه العتيدة مقاربةً مُتعدّدة القطاعات وتؤكّد على التفاعلات مع مكوّنات أخرى في النّظم الصحية بما في ذلك تقديم الخدمات وتقنيّات الصحة وأنظمة المعلومات الصحية والقوى العاملة الصحية.

سياسات الاستبقاء

إن استمرارية خدمات التخدير عالية الجودة في مرافق مستوى الإحالة الأول تُعَدّ مُمكنةً فقط في حال دُرِّب مُقَدّمو التخدير بشكل مناسب وحُفِّزوا لتدريب كادرٍ صحي آخر على مهارات التخدير. إذا تمّ تأمين البيئة الملائمة، بمعنى وجود تدريب جيّد الموارد والبنية، ومواقع مُؤسّسة في المرافق الصحية بمعدّات تخدير كافية، وتطوير مهنيّ مستمر، وتعويض مالي كلّ ذلك بشكل ٍملائم ومماثل لغيره من الاختصاصات الطبية، فسوف يفضّل حينذاك الكثير من العمّال أن يبقوا ضمن منطقتهم على أن يهاجروا منها. إضافةً لذلك، يجب أن تدعم السياسات القوى العاملة في مجال التخدير في المناطق النائية والريفية بالتقنيات الضرورية لتحديث معارفهم ومهاراتهم.

الاستنتاج

كخلاصة، ليس هناك إدراكٌ كافٍ لمدى الحاجة إلى خدمات الجراحة والتخدير على كلّ مستويات النظام الصحي ولا لقدرتها على إنقاص الوفيات والمراضة. كنتيجة، هنالك افتقارٌ جدّيّ إلى الخدمات العادلة التوزّع في البلدان النامية، وخاصةً في المناطق النائية والريفية. إنّ خلق الوعي عبر توثيقٍ أفضل لعبء المرض، أي الموت والعجز اللذان يمكن الوقاية منهما عبر توفّر خدمات الجراحة والتخدير، سوف يكون خطوةً مهمةً لتوليد التزامٍ سياسي واستثمارات محلّية في تعليم وتدريب واستبقاء القوى العاملة الصحية. من الضروري أن يُتبَع ذلك بسياسات ملائمة وتشريع وتأسيس برامج تدريب فعالة ومُبتكرة تعالج الحاجة الفورية والاحتياجات بعيدة المدى للأنظمة الصحية على حد سواء.


تضارب المصالح :

لم يصرح بشىء.

المراجع

شارك