مجلة منظمة الصحة العالمية

طرقٌ وعرةٌ لرعاية أفضل

تعيدُ أفغانستان بناء نظامها الصحي من الصفر تقريباً، يكتب جوليوس كافنديش عن هذا، ضمن سلسلتنا المستمرة عن التمويل الصحي، كمثالٍ على نظامٍ تقوم استدامته في معظمها على دعم المانحين.

قطع محمد قاسم، وهو رجل جليل من جنوب أفغانستان، بعض أكثر المناطق خطورة على وجه الأرض بحثاً عن علاج لمشكلة البواسير لديه. يشرح وهو جالسٌ على سريره في مستشفى في كابول، العاصمة الأفغانية، كيف سافر عبر الطرق الترابية المزروعة بألغام محلية ليقابل أطباء قادرين على معالجة حالته. يقول "إنها مشكلة كبيرة بالنسبة لي". ويضيف "لم يُشف العديد من الأشخاص المصابين بهذه المشكلة، وهم يعانون الآن من ألمٍ كبيرٍ، وأنا أسعى لإيجاد حل لها قبل أن تسوؤ إلى ذلك الحد."

يقول قاسم: من عيادةٍ إلى عيادة والأطباء يصفون حبوباً لا تأثير لها أو تركته يشعر بسوء الحالة أكثر. لقد ذهب من بيته في غيريشك إلى الجنوب باتجاه عاصمة مقاطعة لاشكار غاه، ومن هناك قطع رحلةً بريةً صعبةً مسافتها 500 كيلومتر إلى كابول وعاد مرة أخرى. وهو الآن للمرة الثانية في كابول وعلى وشك الخضوع لعملية جراحية بعد أن فشلت الأدوية المختلفة في تخفيف ألمه. يقول "لقد تناولت الكثير من الحبوب" "وأنا أحاول الآن الانتباه لنظامي الغذائي فقط." ويقدّر أنّه أنفق نحو 200 دولار أمريكي على الأقراص وأجور الأطباء والنقل، وهذا يعادل أجر ثلاثة أشهر.

منظمة الصحة العالمية / كريس بلاك
لا يمكن الوصول إلى أجزاء كثيرة من إقليم بدخشان في شمال شرق أفغانستان إلا سيراً على الأقدام ويمكن أن يستغرق الوصول إلى الرعاية الصحية عدة أيام.

قد تبدو المسافات التي قطعها قاسم كبيرةً، ولكن العديد من الأفغان يجوبون بلادهم المدمّرة جيئة وذهاباً لالتماس العناية الطبية. لقد كان هناك في المستشفى ذاتها في كابول رجلٌ من ضواحي شمال محافظة تاخار استغرقت رحلته يوماً ونصف ليقطع جبال الهندو كوش طلباً للعلاج الجراحي لتقويم العظام.

وأمضى مريضٌ آخر الشهرَ الماضي في التنقل بين كابول ومنزله في إقليم غزني - بمحاذاة أحد أخطر الطرق السريعة في البلاد- لإجراء عملٍ جراحي وتلقي المزيد من الرعاية بعد حدوث المضاعفات. لقد سخِر أحد الأشخاص من مدينة قندهار الجنوبية خلال مقابلة بالمستشفى الإقليمي فوصفه بالمكان الذي تذهب إليه "إذا أردت أن تموت"؛ ويُقال أنّ نحو 60% من المرضى في مدينة كويتا الباكستانية هم من الأفغان الذين يفضلون السفر الى الخارج عن التعامل مع مرافق الرعاية الصحية في بلادهم.

أسّست الحكومة الأفغانية والجهات المانحة منذ الإطاحة بنظام طالبان في عام 2001 والتدفق التالي لأموال المساعدات نظاماً وطنياً للرعاية الصحية من الصفر تقريباً. تعاقدت الحكومة مع المنظمات غير الحكومية لتوفير مضمومة أساسية من الخدمات في المناطق التي لا يمكن تغطيتها، وهذا ما سمح للحكومة، وعلى نحو أدق لوزارة الصحة، بالتركيز على الدور القيادي الذي يتضمن وضع السياسات والاستراتيجيات والتنسيق وإدارة العقود والرصد والتقييم.

يقول خبراء الرعاية الصحية أنّ التمويل، رغم عيوبه، وإيتاء خدمات الرعاية الصحية في أفغانستان قد حققا خطوات ملحوظة خلال السنوات القليلة الماضية. وتوفّر مؤسسةُ ميرلين غير الحكومية الخدمات الصحية للسكان الذين يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها مثل إقليم بدخشان في شمال شرق أفغانستان. لقد "كانت المكاسب... رائعة" بحسب ماسكال، المدير الإقليمي لميرلين، الذي يضيف: "بعض الأشخاص الذي وصلنا إليهم لم يروا الطبيب من قبل". ورغم أن بعض الحالات الطبية الخطيرة تتطلب علاجاً غير متوافر إلا أن وجود عيادات مجتمعية أساسية يساعد على الحد من مصروفات الجيب المرتبطة بشكاوى بسيطة.

يعترف الدكتور عبد الولي غيور من وزارة الصحة العمومية بأنّ شعب أفغانستان، ورغم المكاسب الهائلة، "يسير باتجاه الأسوأ، أكثر من أي بلد آخر في المنطقة، فيما يتعلق بالصحة وبكل المقاييس". ويدّعي أيضاً وجود ازديادٍ كبيرٍ في الخدمات المقدمة للسكان على مدى السنوات الست الماضية مع نتائج باهرة. يقول غيور "ينبغي الآن إيلاء الاهتمام لتحسين جودة المضومة الأساسية من الخدمات الصحية وتحسين المستشفيات ونظم الإحالة والشروع في إقامة شراكات مع مانحي القطاع الخصوصي في قطاع المستشفيات للتأكد من معالجة المشاكل الصحية، وسوف يتطلب ذلك جهوداً داعمة من جميع الشركاء".

يأتي تمويل نظام الرعاية الصحية من ثلاثة مصادر رئيسة: التمويل الخارجي من الجهات المانحة، والتمويل العمومي من الحكومة، ومصروفات الجيب من المرضى. أما التأمين الصحي المجتمعي فغير معروف في أفغانستان: لم تكن تجارب 2004-2006 واعدة، وليس لدى الحكومة خطط محددة لإدراجه.

يقدم الدكتور عبد البشير فحوصات طبية في عيادة شهرية تديرها منظمة ميرلين في خاسباك، بدخشان.
منظمة الصحة العالمية / كريس بلاك
يقدم الدكتور عبد البشير فحوصات طبية في عيادة شهرية تديرها منظمة ميرلين في خاسباك، بدخشان.

وفيما يتعلق بمصادر التمويل، تجاوزت مساهمات الجهات المانحة الإنفاقَ الحكومي بنسبة تتجاوز 9 إلى 1 مع مساعدة خارجية ليقف القطاع الصحي لأفغانستان بما يزيد قليلاً على 223 مليون دولار لعام 2008 حسب ما تشير إليه الأرقام الحكومية. أما الجهات المانحة الثلاث الرئيسة فهي البنك الدولي ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية والمفوضية الأوروبية، وتأتي مساهمات هامة أيضاً من عدة وكالات تابعة للأمم المتحدة ومن التحالف العالمي للقاحات والتمنيع والصندوق العالمي لمكافحة متلازمة العوز المناعي المكتسب والسل والملاريا.

من ناحية أخرى، يُشير تقرير المفوضية الأوروبية إلى أنّ مصروفات الجيب تتراوح بين 73% و79% من الإجمالي. بينما تأخذ تقديرات مستقلة عن منظمة الصحة العالمية الرقم إلى قيمة أكثر تواضعاً تقارب 60%. (يُعتبر هذا التباين مؤشراً على صعوبة الوصول لمعطيات معول عليها في أفغانستان).

ولكن، وفي كلتا الحالتين، بحسب ما يقول الدكتور أحمد عبد الرحمن، المسؤول الطبي لمنظمة الصحة العالمية، "تُشكل مصروفات الجيب الأمر الأكثر أهمية في بلد فقير مثل هذا"؛ ويُضيف "لقد أحرزت أفغانستان تقدماً كبيرا في مجال الرعاية الصحية على مدى السنوات القليلة الماضية، ولكن الشيء الغريب هو أنه في الوقت الذي ينمو فيه القطاع العام يزدهر القطاع الخاص أيضاً".

هناك عدة أسباب لذلك. الأول هو ما يواجهه القطاع الصحي من نقص إجمالي في الموارد العامة، فقد أظهر بحثٌ في عام 2003 أنّ التكلفة التي ستتحملها أفغانستان عند توفير مضمومة رعاية صحية أساسية هي 4.55 دولاراً أميركياً للفرد - وهو رقم أعيد ذكره مراراً وتكراراً منذ ذلك الحين. لكن والي غايور من وزارة الصحة العمومية يحذر: "عند النظر إلى قيود المعلومات المستخدمة في إجراء هذه الحسابات تبدو قيمة 4.55 دولاراً أميركياً مؤشراً مبهماً جداً لما يمكن أن تكون التكاليف عليه".

يقول إلكهوم غافَروف، المستشار الصحي الأعلى في اللجنة السويدية لأفغانستان، إنّ مستوى التمويل غير ملائم أبداً: "ربما كان جيداً توفير الحد الأدنى من الخدمات في عام 2003، وربما كان ذلك مقبولاً كبداية لكن، ومع مرور السنين، أصبح الواقع عكس ذلك تماماً، فمنظمة الصحة العالمية توصي بنحو 20-30 دولاراً أميركياً للفرد الواحد".

ويتابع غافَروف بأنّ الآثار المترتبة على نقص التمويل هائلة: "عليك بشكل أساسي التضحية بشيء لتشغيل شيء آخر، فتقوم بالتضحية بالتدريب أو الحد من الخدمات التي تقدمها. ماذا تفعل إذا كان لديك ميزانية منخفضة للرعاية الصحية والمرضى يستمرون بالقدوم؟ ستخبرهم بأنّ عليهم شراء أدويتهم بأنفسهم، وبالتالي، وعلى الرغم من الإعلان عن مجانية الرعاية الصحية فهي في واقع الأمر ليست كذلك. يدفع هذا الناسَ إلى القطاع الخاص لاعتقادهم بأنهم سيحصلون على خدمة أفضل، ويلاحظ المرضى ذلك: "مدير هذه العيادة سيء ولا توجد أدوية، فإذا ذهبتُ إلى القطاع الخاص سأحصل على طبيب جيد وستكون الأدوية متوفرة."

طفلٌ بعمر تسعة أشهر مصابٌ بالالتهاب الرئوي وسوء التغذية، تراقبه جدته في مستشفى سامانجان الإقليمي.
منظمة الصحة العالمية / كريس بلاك
طفلٌ بعمر تسعة أشهر مصابٌ بالالتهاب الرئوي وسوء التغذية، تراقبه جدته في مستشفى سامانجان الإقليمي.

وبالنسبة للعديد من المرضى، دمجُ التكاليف هو المُدْرَك بأن المستشفيات في كابول هي أفضل من العيادات القريبة بغض النظر عن العلة إذ يقول غافَروف: "تتم في المستشفيات معالجة العديد من الأشخاص الذين يمكن معالجتهم على مستوى العيادة رغم قلة عدد المستشفيات مقارنة بالعيادات."

تلعب جغرافيا أفغانستان الوعرة دورها أيضاً، فالبينة تشير إلى ميل المرضى الذين يعيشون في المناطق النائية للتوجه إلى المستشفيات الكبيرة بدلاً من العيادات الصغيرة عندما يقررون التماس العناية الطبية. تستقبل العيادات في سامانغان، وهي مقاطعة معزولة بسبب تضاريسها الجبلية، نحو ثلث عدد المرضى الذي تتلقاه لغمان التي تتصف بتضاريس ألطف وإمكانية للوصول عبر الطريق الرئيسي بين كابول وباكستان.

قد يكون هذا الأمر ناجماً جزئياً عن وجود تمثيل أفضل للمرأة بين الموظفين في لغمان - بمعنى تفضيل الأمهات الحوامل والأطفال لتلقي العلاج هناك. ولكن يشير غافَروف إلى أن هناك أيضاً عنصر الرغبة في فعل الأشياء بشكل صحيح: "إذا توجب عليهم بذل جهد للنزول من القرى المنتشرة في الجبال فسيميلون لإضافة 50 كيلومتراً على رحلتهم بغية الحصول على خدمة جيدة".

يفرضُ ميلُ المرضى لاختيار مرافق الرعاية الصحية الثالثية دون العيادات ضغطاً إضافياً على نظام يعاني أصلاً من نقص التمويل. يدفع المرضى بطرقهم الخاصة للحصول على خدمات أفضل حتى في النظام العام الذي تكون فيه الرعاية الصحية مجانية. ويقول الخبراء إنه من المستحيل قياس مدى المدفوعات غير الرسمية في النظام الصحي والتي يُشير غافَروف لكونها أكثر شيوعاً في المستوى الثالثي للرعاية ويقول "ينفق المرضى مثل هذه الأنواع من المدفوعات للحصول على الراحة، وهو أمر يحدث في كثير من الأحيان وهذه بالتأكيد مشكلة" إنما هذا "ليس ابتزازاً ويُشاهد على مستوى المستشفيات فقط ولأسباب واضحة جداً - المستشفيات مثقلة بالأعباء وسوف يحصل المرضى على العلاج في أية حال ولكن بعض الناس يختارون تسريع هذه العملية."

شارك