مجلة منظمة الصحة العالمية

مسيرة البرازيل نحو التغطية الشاملة

جَلَبَ الإصلاح التاريخي في البرازيل في عام 1988 التغطية الصحيَّة لملايين البشر، ولكن تمويل النظام كان ناقصاً، تقرير كلوديا جيربيرغ وغاري هامفريز في السلسلة المتواصلة حول التمويل الصحي.

كان نصف سكان دولة البرازيل في عام 1988 دون أية تغطيةٍ صحية، ولكن بعد عقدين من تأسيس نظامها الصحي الموحَّد أصبح أكثر من 75% من سكانها المُقدَّر عددهم 190 مليوناً يعتمدون حصرياً عليه لتغطية رعايتهم الصحية.

مارلن ميراندا دي كروز هي أحد المنتفعين، سيدةٌ بعمر 44 سنةً تعيش في إحدى الأحياء الفقيرة في ريو دي جانيرو وتتلقَّى الرعاية من خلال برنامج صحة الأسرة.

كلوديا جيربرغ
مارلين ميراندا دي كروز مع حفيدها ويسلي وعامل صحي في مستشفى برنامج صحة الأسرة

دي كروز التي تكافح لكسب العيش من خلال بيع منتجات التجميل، لديها ولدان، أحدهما لديه اضطراب عصبي وهو طريح الفراش، وهي تقول "يحتاج ابني للرعاية 24 ساعةً في اليوم"، وتضيف "عليَّ أن أعتني بأحفادي الأربعة في الوقت نفسه". لقد جاءت اليوم إلى مستشفى برنامج صحة الأسرة لأن أحد أحفادها قد التقط العدوى بالحُماق، وهي واثقة بأنّها "ستلقى العناية الجيدة هنا".

دي كروز هي واحدةٌ من 35000 شخصٍ تخدّمهم مستشفى مانغيونس الذي يُدار من قبل 11 فريقاً من العاملين الصحيين، بما في ذلك الأطباء والممرضات وأطباء الأسنان وممثِّلين عن المجتمع. يقول أليكس سيمويس دي ميلو، المدير الإداري للمستشفى: "سيكون هناك في نهاية العام 16 فريقاً للعناية بـ 45000 مقيمٍ في مانغيونس".

إن برنامج صحة الأسرة الذي يغطي نحو 97 مليون برازيليّ هو جزءٌ أساسي من النظام الصحِّي الوطني الموحَّد، وهو يستخدِم أكثر من 30000 فريقٍ من عاملي الرعاية الصحية الذين يبذلون جهوداً مُكثَّفة للوصول لمجتمعات البلد الفقيرة والمعزولة.

بالإضافة إلى تقديم الرعاية الصحية الأولية مجاناً في نقطة الخدمة، من خلال برنامج صحة الأسرة بشكلٍ أساسي، يقدِّم النظام الصحي الموحّد مجالاً واسعاً من خدمات المستشفى التي تتضمن جراحة القلب والتصوير الطبِّي الدقيق والتشخيص المخبري. يدعَم البرنامج أيضاً برنامج تلقيحٍ قويّاً وحملات وقاية ورعاية سنِّية أساسية و90% من الدعم المالي للعديد من الأدوية الأساسية.

لعبت اللامركزية دوراً أساسياً في إصلاح التمويل الصحي البرازيلي، فقد نَقلت تشريعات عام 1996 جزءاً من مسؤولية إدارة الرعاية الصحية وتمويلها إلى ولايات البلد الـ26 وإلى أكثر من 5000 من الحكومات البلدية. يتعيَّن على الولايات أن تخصِّص كحدٍّ أدنى 12% من إجمالي الميزانية للصحة بينما ينبغي على الحكومات البلدية أن تنفق 15% من ميزانيتها على الصحة، وتساهم الحكومة الاتِّحادية أيضاً بالأموال التي تُجمَع من الضرائب. ويبدو أنَّ هذا النظام يعمل جيداً على مستوى البلدية: 98% من البلديات تدفَع 15% من متطلَّبات الميزانية وبعضها يُنفِق أكثر من 30%، وفقاً لأنطونيو كارلوس ناردي، أمين الصحة ورئيس المجلس الوطني لأمانات البلديات للصحة.

يقول الأستاذ سولاميز دايم، من جامعة ولاية ريو دي جانيرو: "تشارك المجتمعات بفعَّالية في اتِّخاذ القرارات المتعلِّقة بميزانيِّات البلديَّات".

كلوديا جيربرغ
مرضى يتلقون المعالجة في وحدة الطوارئ

يقول ناردي: "إنَّ بلَديَّة مارينغا مثالٌ بارز بشكلٍ خاص على المشاركة الشعبية"، مع المجتمع "المشاركة في المناقشات التي تُجرَى في قاعة المدينة وفي كيفيّة تخصيص الميزانيَّات وفي الإشراف على الحسابات وفي الموافقة على تقارير الإدارة السنوية". قدَّمت بلدية مارينغا، والتي تبعد 400 كيلومتراً غرب ساو باولو في ولاية بارانا، أكثرَ من 20% من إجمالي الميزانية للصحَّة في السنوات الست الماضية، فتجاوزت نسبة 15% المطلوبة.

هذا النوع من الالتزام أقلُّ وضوحاً على مستوى الولاية، مع فشلِ أكثر من نصف الولايات (26 ولايةً) في تحقيق هدف التمويل بنسبة 12% المطلوبة. يقول د. فرانسيسكو دي كامبوس، الأمين الوطني لأمانة سر الموارد البشرية للصحة في وزارة الصحة: "أحد أسباب ضعف هذا النظام أن هناك مفهومٌ واسع جداً للإنفاق الصحي". ويضيف، "استخدَمت بعضُ الولايات المالَ للإصحاح أو التأمين الصحيّ الإضافي للمستخدَمين المدنيِّين. بما أنَّ هذا قد يؤثِّر بشكلٍ غير مباشر على صحة السكان، فنحن بحاجة لتعريف الإنفاق الصحي بدقةٍ أكبر".

المشكلة الرئيسة على المستوى الاتحادي هي فقدان الاعتمادات المالية. فبحسب إحصاء الصحة العالمية 2010 المنشور من قبل منظمة الصحة العالمية، كان الإنفاق الصحي للحكومة البرازيلية لكل فرد 252 دولاراً أمريكياً في عام 2007، واضعاً إياها خلف جارتها الأرجنتين التي أنفقَت 336 دولاراً أمريكياً والأورغواي التي أنفقَت 431 دولاراً أمريكياً. ووفقاً للدكتور غيلسون كارفالهو، مستشارٌ من المجلس الوطني لأمناء صحة البلديات، نحتاج نحو 73 بليون (مليار) دولارٍ أمريكيٍّ من الاعتمادات المالية العموميَّة لدعم نظام البرازيل الشامل للتغطية الشاملة. يوحي هذا بأن الحكومة تحتاج لأن تنفق أكثر من 100 دولارٍ أمريكيٍّ إضافيٍّ لكل شخص أكثر ممّا تُنفِق حالياً

أدخلَت الحكومة الاتحادية في عام 1996 ضريبةً على المداولات المالية وخصوصاً لصالح الصندوق المالي للصحة، والذي ازداد في عام 2007 تقريباً 20 مليار دولارٍ أمريكيٍّ. مع ذلك، خُفِّضت الضريبة بسبب المخاوف من عبء الضريبة المفرطة ومشاكل عدم تخصيص الاعتمادات الماليَّة بكاملها لصالح الرعاية الصحية كما هو مقصود. يقول دي كامبوس: "سبَّب هذا انخفاضاً مباشراً في عائدات وزارة الصحة".

أشار خوسيه نورونها، الأمين السابق للصحة في ولاية ريو دي جانيرو ووزارة الصحة، إلى إنّه: "لو أنَّ ميزانية وزارة الصحة ما زالت مستندةً إلى تشريعات عام 1988، لتجاوَزت ضعفَ ما هي عليه اليوم".

في إصلاح عام 1988 الدستوري الذي أسّس النظام الصحي الموحّد، كان من المُقرَّر أن تُخصَّص 30% من الميزانية المُخصَّصة للتأمين الاجتماعي لصالح الرعاية الصحية. يقول نيلسون رودريغوس دوس سانتوس، رئيس معهد حقوق الصحة (Instituto de Direito Sanitário Aplicado): "لو تمَّ الالتزام فعلاً بنسبة 30% من ميزانية التأمين الاجتماعي لصالح الرعاية الصحية في السنوات العشرين الماضية من النظام الصحي الموحّد، لكُنَّا المتقدِّمين في الاتِّجاه نحوَ ذلك النمط من النظام العمومي الشامل الذي يوجد في أوروبا وكندا- بالتوازي مع مبادئ التغطية العامة الشاملة العادلة مع المشاركة الاجتماعية في التمويل".

ما تقولُه دايم، لو أنَّ جامعة الولاية في ريو دي جانيرو تَنتبِه أيضاً لعدم الالتزام من جانب الحكومة الاتحادية، لهُ أثرٌ مباشر على النظام الصحي الموحَّد، إنها تقول: "يوجد اليوم انخفاضٌ معتدّ به إحصائياً في النسبة المئوية من الإنفاق الاتحادي على الصحة من عائدات الضرائب. أعاق النقصُ في التمويل الاستثمارَ في توسيع الإمداد بالخدَمات منذ إنشاء النظام الصحي الموحّد، بالإضافة لوضع العوائق أمام التعويض عن الخدمات والإجراءات".

ترتبط الاعتمادات المالية غير الكافية بمشاكل في البنية التحتيَّة الصحية الأساسية وبمقدارِ النقص في موظفي المستشفى. يقصِد العديدُ من المرضى، بدلاً من الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأوَّلية، النظامَ الصحي فقط في اللحظةِ الأخيرة، وأحياناً عن طريق أقسام الطوارئ في المستشفى. يقول دوس سانتوس: "تكون الخدمات مفرطةَ الازدحام كنتيجةٍ لذلك، مع الانتظار لفتراتٍ طويلة وفي طوابير".

من غير المُستغرب أن يختَار العديد من البرازيليين القطاعَ الخاص لتجنُّب مثل هذه التأخيرات والإحباطات. تُدِير البرازيل نظاماً ثنائي المستوى، فهي تعرِض على الشركات والأفراد إمكانية شراء الرعاية الصحية من خلال شركات التأمين الخاصة المُنظَّمة من قِبل الوكالة الوطنية المساعِدة الصحية. يحصَل الناس الذين يشترون التأمينَ الخاص على تخفيضٍ للضريبة ولكن لايزال عليهم المساهمة في النظام الصحي الموحد من خلال ضرائب مدخولهم. ازدادت نسبةُ المشاركين بالتأمين الخاص منذ عام 1988، وفي السنة الأخيرة اختار أكثر من 20% من السكان التغطيةَ الخاصة. لا داعٍ للقول بأن هذا الخيار متاحٌ فقط للناس ذوي المدخول الأعلى؛ فالناس الفقراء عليهم التعامل مع النظام الصحِّي الموحَّد.

هناك تحسيناتٌ معتدّ بها إحصائياً في حصائل الرعاية الصحية في البرازيل، بالرغم من مشاكل التمويل المتعددة. يقول نورونها: "اللامركزية والتأكيد على الرعاية الصحية الأولية وترسيخ نقل التمويل الاتحادي التلقائي إلى البلديات لها أثرٌ معتد به إحصائياً على مؤشِّرات الصحة". انخفَض معدَّل وفيات الرضّع من 46 لكل 1000 ولادة حية في عام 1990 إلى 18 لكل 1000 ولادة حية في عام 2008. ارتفع مأمولُ الحياة عند الولادة، لكلا الجنسين، من 67 سنةً في عام 1990 إلى نحو 73 سنةً في عام 2008. كما انخفَض أيضاً التفاوت الإقليمي، فعلى سبيل المثال، كان الفرقُ في مأمول الحياة عند الولادة بين الجنوب الأغنى والشمال الشرقي ثمان سنوات في عام 1990؛ اقتربَت هذه الفجوة من خمس سنوات بحلول عام 2007.

"حقَّقت البرازيل تقدماً كبيراً ولكن لايزال هناك الكثير للقيام به"، كما يقول دي كامبوس؛ "نحن بحاجة لمشاركة الخبرة الإدارية والمال. إذا وضعنا المزيد من المال في النظام فقط دون مراقبة الإنفاق، فهذا لن يحسِّن الخدمات بالضرورة".

شارك