مجلة منظمة الصحة العالمية

حركة المرضى عبر الحدود: التحديات والفرص أمام الصحة العمومية

Matthias Helble a

a. World Trade Organization, Centre William Rappard, 154 rue de Lausanne, 1211 Geneva, 21, Switzerland.

المُراسَلَة مع: Matthias Helble (البريد الإلكتروني: matthias.helble@wto.org)

(تقديم البحث: 9 شباط/فبراير 2010 – استلام النسخة المدقَّقة: 30 تموز/يوليو 2010 – القبول: 10 آب/أغسطس 2010- النشر على الشابكة: 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2010)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2011;89:68-72. doi: 10.2471/BLT.10.076612

المقدمة

تشكّلُ النزعة الحالية الشاملة نحو عالم أكثر تكاملاً تحدياً أمام فهمنا للصحة العمومية، ومع تزايد ثغرات الحدود الوطنية يتحتم على خبراء الصحة العمومية استكشاف سبل جديدة لإدارة النظم الصحية الوطنية. فخلال السنوات الأخيرة، تزايد أكثر فأكثر عدد المرضى الذين قرروا التماس العلاج الطبي في بلدان لا يقيمون فيها، مع تفاوت أسباب هذا التنقل الدولي المتزايد بين المرضى. فقد يبحث المرضى الأغنياء عن أعلى مستوى جودة ممكن من الرعاية الصحية، في الوقت الذي يبحث فيه الآخرون عن علاج أقل تكلفة في الخارج. وعلى أية حال، فهذا التنقل المتزايد للمرضى ملحوظٌ في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، وكلاهما يمكن أن يكون المنطلق أو المقصد.

أغراض هذه الورقة ثلاثةٌ: أولها هو توفير لمحة عامة عن عدد المرضى المسافرين عبر الحدود واتجاهاتهم بما يسلّط الضوء على القيود المفروضة على المعطيات الموجودة ويوحي بالتحسينات؛ وتاليها هو تحليل دوافع المرضى الرئيسية لالتماس العلاج الطبي في الخارج فتقسيم الحوافز إلى عوامل دافعة وأخرى جاذبة؛ وثالثها هو عرضٌ للتحديات والفرص الرئيسية للنظم الصحية والصحة العمومية في كل من البلدان المستقبلة والمرسلة.

تعريف وإحصاءات

لا يوجد حتى الآن تعريف دولي متفق عليه لشخص يسافر للخارج بغية تلقي العلاج الطبي. يُطلق بعض الخبراء على هؤلاء المرضى تسميات مثل "سائحو الصحة" أو "سائحو التطبيب". ولكن هذه العبارات تشير إلى سفر المرضى إلى الخارج من أجل المتعة مما لا يتوافق مع القلق والألم المُكتنَفَيْن غالباً في العلاج الطبي، ولذلك فنحن نفضل تسمية هذا المريض باسم "المسافر للتطبيب" أو "المسافر للعلاج" رغم احتمال أن يقرر الشخص الجمع ما بين العلاج الطبي والسياحة خارج بلده.

إنّ غياب تعريفٍ متفقٍ عليه دولياً ومنهجية مشتركة لجمع المعطيات هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتنا نقتصر على إحصاءات المسافرين للتطبيب والتي غالبا ما لا تكون قابلةً للمقارنة بين البلدان. وتتفاوت الطرائق التي تطبقها البلدان جوهرياً، فعلى سبيل المثال، تقوم بعض البلدان بتسجيل عدد زيارات المرضى الأجانب إلى المستشفيات في حين توثق بلدانٌ أخر دخول المرضى فرادى إلى البلد. كما تقوم بلدان أخرى بتسجيل جنسية المرضى في قيودها دون أن توثق مكان إقامتهم مما قد يكون مشكلة في حال عودة المهاجرين إلى بلادهم لتلقي العلاج دون أن يتم تسجيلهم كمسافرين للتطبيب. وبالإضافة لذلك، تقوم البلدان عادةً بجمع الإحصاءات استناداً إلى عدد زيارات المرضى الأجانب وليس إلى نوع العلاج أو مصدر التمويل أو نتائج العلاج. وعلى الرغم من قيام مقدمي الخدمات الصحية في القطاع الخاص بجمع هذه الإحصاءات، إلا أن هذا النوع من المعلومات يُعتبر سرياً عموماً.

لهذه الأسباب يبقى العدد الإجمالي للمرضى المسافرين إلى الخارج لتلقي العلاج الطبي غير معروف حتى الان. ومع ذلك توحي بينة غير مؤكدة من عديد من الدول بعددٍ كبيرٍ غير مسبوق. فقد ذُكر أنّ ماليزيا، على سبيل المثال، استقبلت 360000 مريضٍ أجنبيٍّ من رابطة أمم جنوب شرق آسيا عام 2007.(1) وارتفع عدد المرضى الأجانب في تايلند من نحو 630000 في عام 2002 إلى نحو 1373000 في عام 2007، أيْ ما يفوق الضعف خلال خمس سنوات، (C Pchanee، معطيات غير منشورة، 2009). وأشارت دراسة قام بها مكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي لشرق المتوسط إلى أنّ الأردن يستقبل ما يزيد عن 120000 مريض غير أردني سنوياً للعلاج مما يُدخل ما يعادل مليار دولار من الإيرادات السنوية.(2) أما فيما يتعلق بعدد مقيمي الولايات المتحدة الأمريكية المسافرين إلى الخارج لتلقي الخدمات الصحية، فقد قدرت دراسة قامت بها شركة ديلويت الاستشارية أنّ 750000 أميركي قد سافر الى الخارج للحصول على الخدمات الصحية في عام 2007، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 1.6 مليون بحلول عام 2012.(3) بينما قدرت دراسة قامت بها شركة ماكينزي وشركاه للاستشارات أنّ عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية الذين يسافرون إلى الخارج لتلقي الرعاية الطبية يتراوح بين 5000 و750000 وفقاً لتعريف السفر للتطبيب.(4) وقد حاول العديد من الخبراء تقييم القيمة الإجمالية للخدمات الطبية المقدمة للمرضى الأجانب في جميع أنحاء العالم فتوصلوا لما قيمته 60 مليار دولار إميركي لعام 2006 (D Warner، معطيات غير منشورة، 2009). ومن المتوقع أن يصل معدل النمو السنوي العالمي إلى نحو 20%.(5)

يُمكن الوصول إلى تعريفٍ للمرضى الذين يعالجون خارج بلادهم واستعرافهم عبر دراسة الدوافع وراء التماسهم الرعاية الصحية في الخارج. وباستخدام هذا المعيار يمكننا تمييز فئتين مختلفتين من المرضى. تشملُ المجموعةُ الأولى المرضى الذين يسافرون الى الخارج لغاية وحيدة هي تلقي الرعاية الصحية، وقد يقطع مثل هؤلاء المرضى مسافات طويلة لتلقي العلاج الطبي أو قد يكونون من السكان المقيمين في المناطق الحدودية. وتتعدد الأسباب التي تدفعهم إلى التماس الرعاية الصحية في الخارج، بما في ذلك الجودة الأعلى للعلاج أو تكلفته الأقل. وقد يقرر هؤلاء المرضى أيضاً الجمع بين العلاج الطبي والسياحة. أما المجموعة الثانية فتشمل جميع الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض واحتاجوا إلى الرعاية الصحية في أثناء إقامتهم في الخارج، وهي تشمل العمال المؤقتين أو المهاجرين، والمتقاعدين في الخارج والسائحين.

يبدو من السهل نسبياً استعراف المرضى الذين ينتمون إلى المجموعة الأولى، وطرق الحصول على هذه المعلومات تشمل المسوحات حول غايات السفر عند نقاط الدخول إلى البلاد والمسوحات الأسرية لاستخدام الخدمات الطبية في الخارج. ومن الضروري أن يُستثنى من المجموعة الثانية الأجانب المقيمين بصورة دائمة في الخارج لأنهم على الأرجح جزء من نظام الصحة العمومية هناك عبر دفعهم الضرائب، على سبيل المثال. هذا ويهدف تعريفنا للمسافر للتطبيب إلى الإحاطة بجميع المرضى الأجانب باستثناء المقيمين الدائمين المستخدمين للنظام الصحي.

لا بد من معطيات تفصيلية لقياس مقتضيات الصحة العمومية من تدفق المرضى. وينبغي أن تشمل المعطيات الأساسية عدد المرضى، والبلد الذي يقيمون فيه، ونوع العلاج الطبي وتكلفته، ومصدر التمويل. ومن المتغيرات الأخرى الهامة التي يجب أخذها بعين الاعتبار حصيلة الإجراء لأنها تقيس المكسب أو الخسارة المحتملة للصحة العمومية.

تعمل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الصحة العالمية معاً لتحسين نظام الحسابات الصحية من خلال تكامل أفضل للواردات والصادرات من الخدمات الصحية والسلع. وهذه المراجعات خطوةٌ مهمةٌ نحو تسمية متفق عليها دولياً بشأن السفر للتطبيب ونحو منهجية منصوحٍ بها لجمع المعطيات. وحالما يتم تطبيق النسخة المنقّحة من نظام الحسابات الصحية في جميع أنحاء العالم، يمكننا أن نتوقع ازدياداً في عدد مجموعات المعطيات المتسقة والقابلة للمقارنة حول السفر للتطبيب. إنّ جمع هذه المعطيات بالغ الأهمية في تحسين فهمنا للسفر للتطبيب وآثاره على الصحة العمومية وفي وضع السياسات المناسبة.

العوامل الدافعة والجاذبة

على الرغم من جهلنا للعدد الدقيق وطبيعة المرضى الذين يلتمسون الرعاية الصحية في الخارج، يمكننا التعرف على عدد من العوامل العامة التي يسّرت انتقال المرضى في جميع البلدان تقريباً على مدى العقدين الماضيين. فقد يسّرت التطورات الجديدة في تقانة المعلومات الوصول إلى معلومات عن مقدمي الخدمات الصحية في الخارج، والعولمة خفّضت تكاليف النقل والحواجز اللغوية. كما إنّ جهود تحرير الإتجار بالخدمات هي قوةٌ دافعةٌ أخرى لتعزيز السفر للتطبيب.

وبالإضافة لهذه التطورات الكبيرة، فلدى المريض عادةً أسباب محددة لالتماس الرعاية الصحية في الخارج. الأهم من ذلك أن المريض قد يسعى لعلاج لا يتوفر في بلاده لأسباب قانونية أو ثقافية أو لأسباب أخرى، والأمثلة على ذلك هي حقن الخلايا الجذعية أو الإجهاض أو جراحة تغيير الجنس. علاوةً على ذلك، فعندما يواجه المرضى قوائم انتظار طويلة لإجراءات معينة قد يقررون أحياناً التماس العلاج في الخارج. وبعيداً عن هذه الدوافع العامة للسفر للتطبيب، يمكننا استعراف عوامل "دفع" و"جذب" متميزة تبعاً لمستوى الدخل المتاح للإنفاق على الرعاية الصحية، فيميل المرضى الأغنياء عادة إلى السفر إلى الخارج لأسباب مختلفة عن المرضى الذين يسافرون لمجرد التماس رعاية صحية يستطيعون تحمّل تكاليفها.(6)

المرضى الأغنياء

يستكشفُ المرضى الأغنياء عادةً الخيارات وراء الحدود بسبب عدم الرضا عن النظام الصحي المحلي كنتيجةٍ، على سبيل المثال، لعدم توافر العلاج المناسب و/أو جودة الرعاية المنخفضة نسبياً و/أو غياب التقانات الحديثة و/أو النقص في مقدمي الرعاية الصحية. ويسافر العديد من المرضى ذوي التمويل الجيد إلى البلدان التي لديها تقاليد عريقة في استقبال المرضى الأجانب، مثل سويسرا أو الولايات المتحدة الأميركية، في حين يقرر البعض الآخر التماس الرعاية في البلدان التي خضع قطاعها الصحي مؤخراً لتحسيناتٍ عبر إنشاء مستشفيات جديدة وتجهيزها على نحو أفضل، فضلاً عن توفير المهنيين المدربين تدريباً جيداً. فعلى سبيل المثال، أصبحت الهند وجهة جذابة لسفر المرضى للتطبيب من بنغلاديش عبر تقديمها خدمات صحية لما يقارب 50000 شخص من بنغلادش سنوياً.(1)

الرعاية ميسورة التكلفة

واجهت العديد من البلدان المرتفعة والمتوسطة الدخل خلال السنوات الأخيرة ازدياداً متسارعاً في تكاليف الرعاية الصحية بسبب تشيخ السكان والنقص في مقدمي الخدمات الصحية، فضلاً عن أمورٍ أخرى. ولاحتواء العبء المالي للميزانية العمومية، قررت بلدان كثيرة أن على الفرد تحمل جزءٍ متزايدٍ من تكاليف الرعاية الصحية. مما يعني أن يكون لدى المرضى حوافز مالية كبيرة للحصول على رعاية أقل تكلفة في مكان آخر. يختار هؤلاء المرضى غالباً السفر إلى البلدان التي تقدم خدمات عالية الجودة بتكاليف أقل بكثير، كما هو الحال في الاقتصادات الناشئة في الأردن وتايلاند. فغالباً ما تحاول المستشفيات في هذه الدول تعزيز علاجها عالي الجودة من خلال التماسها لاعتماد دولي أو الانتساب لمستشفيات بارزة في البلدان المتقدمة. هذا بالإضافة لتشجع الحكومات في هذه البلدان للسفر للتطبيب على نحو فعال غالباً من خلال توفير متطلبات الحصول على التأشيرة، كما هو الحال، على سبيل المثال، في تسهيل إجراءات التأشيرة للمرضى الأجانب أو تقديم دلائل إرشادية قانونية في حالة سوء الممارسة.

وقد يلجأ المرضى الراغبون برعاية صحية ميسورة التكلفة أكثر للسفر إلى البلدان المجاورة التي تقدم خدمات صحية ذات جودة مماثلة ولكن بسعر أقل بكثير. ويتم عادة تقديم تسهيلات لتنقلات مماثلة للمرضى عبر النظم الصحية التي أصبحت أكثر تكاملاً، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي (D Warner، معطيات غير منشورة، 2009).

مقتضيات

بالنظر إلى النمو المتسارع الكبير لأعداد المسافرين للتطبيب خلال السنوات الأخيرة، كان لا بد من تقييم أثرها المحتمل على الصحة العمومية. يقوم هذا الجزء من الورقة بتحليل آثار السفر للتطبيب على الصحة العمومية ولا سيما من منظور النظم الصحية، وبعبارة أخرى: ما هو أثر السفر للتطبيب على إتاحة الرعاية الصحية والتمويل والقوى العاملة الصحية وغيرها من عناصر النظم الصحية. نناقش أولاً المقتضيات المترتبة على النظام الصحي في البلد الذي يأتي منه المرضى الأجانب (أيْ، البلد المرسِل) ومن ثم مناقشة المقتضيات المترتبة على البلدان التي تستقبل المرضى الأجانب.

البلدان المرسِلة

الإتاحة والتمويل

يؤمّنٌ السفر للتطبيب في بعض البلدان وسيلة بديلة لمن ليس لديه تأمينٌ أو تأمينه لا يكفيه للحصول على العلاج، وهذه هي الحال في الولايات المتحدة الأميركية. أما في النظم الصحية ذات قوائم الانتظار الطويلة، فقد يساعد التماس المرضى للرعاية في الخارج على التخلص من تراكم الأعمال غير المنجزة بعيداً عن صعوبات وتأخير وتكلفة توسيع القدرات المحلية. والجانب السلبي من هذا الخيار هو أنّ تداعي الحوافز لتحسين إتاحة النظام الصحي المحلي في هذه البلدان.

وعند سفر عدد كبير من المرضى إلى الخارج، ربما تزداد المنافسة بين مقدمي الخدمات الصحية من القطاع الخاص في البلدان المرسلة مما قد يؤدي إلى خفض الأسعار. ومن ناحية أخرى، فقد تُجبر مراكز الرعاية الصحية، كونها مؤسسات ثابتة التكاليف في كثير من الأحيان، على زيادة الأسعار لتظل مربحة.(7) وقد يحرض هذا الأثر، في حده الأقصى، على دفع مزيد من المرضى لالتماس العلاج الطبي في الخارج. وربما تبقى التكاليف الإجمالية للنظام الصحي قليلة مع تلقي المرضى لعلاج أقل تكلفة في الخارج، وخصوصاً على المدى المتوسط والبعيد.

من المهم في هذا السياق الإشارة إلى بدء شركات التأمين في العديد من البلدان بتقديم برامج تغطي العلاج الطبي في الخارج، وبأسعار أقل من البرامج المحلية لأن شركات التأمين تتوقع تكلفة أقل للعلاج والأدوية في بلد المقصد. ففي الولايات المتحدة الأميركية، وُضعت عدة برامج مبتكرة في ولاية كاليفورنيا، مثل Access Baja، توفر خيار تغطية بأقساط تأمين منخفضة وبمشاركة أرباب العمل الأمريكيين في دفع تكاليف الموظفين من الذين يريدون الوصول إلى الخدمات الصحية في المكسيك.8 لقد أدرك المشرعون الوطنيون أيضاً التحديات التي تواجه توافر تغطية التأمين لتلقي العلاج الطبي في الخارج. فعلى سبيل المثال، تم في الاتحاد الأوروبي اقتراح توجيهٍ بأن تتم تغطية المسافرين الملتمسين للرعاية الجوالة أو الوجيزة في أي بلد آخر من الاتحاد الأوروبي مباشرة باستخدام ترتيبات التأمين في بلادهم، وذلك فيما لو كان لديهم بطاقة الاتحاد الأوروبي الصحية أو نموذج E111.

القوى العاملة الصحية

يمكن أن يحفّز تزايد السفر للتطبيب على توسيع وتحديث المرافق الصحية في البلد المستقبل، إنما قد يسبب تقليصها في البلدان المرسلة. ونظراً للنقص العالمي في العاملين الصحيين، يمكن للمرء الاستنتاج بأن الضغوط على العاملين في مجال الصحة ستنخفض في البلد المرسل. ولكن قد يتفاقم النقص الموجود في هذه البلدان إذا انجذب العاملون الصحيون إلى البلدان المستقبلة، البلدان النامية في كثير من الحالات، استجابة لفرص عمل جديدة أكثر ربحاً ولبيئة عمل مناسبة.

استمرارية الرعاية

يحتاج العلاج الطبي عادة لعدة خطوات، وقد يتطلب تدخلات على فترة أطول من الزمن، وذلك بحسب الإجراء المستهدف. وعندما يسافر المرضى إلى الخارج يتم في كثير من الأحيان تقليص تلك التدخلات في فترة زمنية قصيرة، في حين تبقى رعاية المتابعة ضرورية بمجرد عودة المريض إلى بلده. وبالتالي تصبح استمرارية الرعاية أمراً غير ممكن. وقد يكون لذلك تداعيات خطيرة ليس على الفرد فقط، بل على النظام الصحي المحلي أيضاً.9 فعلى سبيل المثال، تم التبليغ عن حالات تردد الأطباء في تصحيح مشكلة طبية ناجمة عن سوء الممارسة في الخارج، مع عقابيل لجوء المرضى إلى خدمات طوارئ مكلفة (T McLean، معطيات غير منشورة، 2009).(7-10)

البلدان المستقبلة

الإتاحة والتمويل

يمكن أن يحمل السفر للتطبيب تحسيناً أو إساءةً لإتاحة الرعاية الصحية للسكان المحليين وجودتها. فقد يقوم بعض مقدمي الخدمات الصحية، قبل تلقي المرضى الأجانب، بتطوير مرافقهم ومهاراتهم المهنية مما يعود في نهاية المطاف بالفائدة على إتاحة المرافق الطبية الحديثة للسكان المحليين.(11) وفي كثيرٍ من الأحيان يُعاد استثمار إيرادات تقديم الخدمات الطبية للأجانب في مرافق جديدة تُستخدم لجذب الأطباء المدربين تدريباً عالياً. كما يُمكن للحكومات جمع الضرائب من السفر للتطبيب واستخدامها لتحسين إتاحة الرعاية الصحية المتوفرة للسكان المحليين في البلدان النامية وجودتها.(12) ولكن تحقيق ذلك يتطلب وضع سياسات إعادة التوزيع الاقتصادية الإجمالية الملائمة أو تطوير القائم منها.(13)

أما الجانب السلبي فهو احتمال ترافق تدفق المرضى الأجانب مع زيادة الطلب على الرعاية الصحية وارتفاع أسعارها، في المدى القصير على الأقل. وبالإضافة لذلك، فقد يراعي العدد المتزايد من الخدمات الصحية احتياجات المرضى الأجانب ويهمل الاحتياجات المحلية.(11) ويخشى بعض الباحثين من أن يؤدي مثل هذا التدفق، إن لم تطبق تدابير التوزيع، إلى ارتفاع تكاليف بعض الإجراءات وأقساط التأمين الصحي، مما يجعل تكلفتها أعلى من قدرة المرضى المحليين.(14) وعبّر خبراء آخرون عن مخاوفهم من أن تعمل الجهود المبذولة لجذب المرضى الأجانب ورعايتهم على تجاهل أو تفاقم الفجوة بين التسهيلات الموجهة نحو المرضى الأثرياء وتلك التي تخدم الشرائح الفقيرة من السكان، وخصوصاً في المناطق الريفية.(9-15-16)

القوى العاملة الصحية

كثيرا ما ينظر المهنيون الصحيون إلى علاج المرضى الأجانب على أنه فرصة مهنية ومالية، وبالتالي فقد يساعد في وقف تدفق الأطباء والممرضات إلى بلدان أخرى أو يُساعد على حث أولئك الذين يعيشون في الخارج على العودة إلى ديارهم (M Horowitz، معطيات غير منشورة، 2009). بيد أنّ بعض الخبراء عبّروا عن مخاوفهم إزاء ما قد يؤدي إليه توفير الخدمات الصحية للمرضى الأجانب من خلق هجرة داخلية للعقول تتحول فيها الموارد من القطاع العام إلى القطاع الخاص مما يحد من إتاحة الرعاية للمواطنين المحليين.(17-11) وقد أظهرت دراسة حديثة في تايلاند بأنه يمكن لقائمة سوء التوزيع المحلية الداخلية أن تتفاقم مع جهود تعزيز السفر للتطبيب (C Pachanee، معطيات غير منشورة، 2009). وأخيراً، فقد اقترحت فرضية أنّ السفر للتطبيب يغير من حوافز طلاب الطب لصالح بعض التخصصات الطبية دون الأخرى مما قد يؤدي في نهاية المطاف لتعميق عدم التوازن بين مزيج المهارات داخل البلد الواحد.

مخاوف أخلاقية

أثار السفر للتطبيب أيضاً العديد من القضايا الأخلاقية. فقد يؤدي، على سبيل المثال، إلى الازدواجية في سياسات الرعاية الصحية: من ناحية ضمان وصول الرعاية الصحية لكل مواطن، وفي الوقت نفسه تعزيز أحدث التقانات للمرضى الأجانب (G Grozier et al، معطيات غير منشورة، 2009). وأثار آخرون القلق إزاء التغيرات الاجتماعية المحتملة في العلاقة بين الطبيب والمريض من خلال تحويل الخدمات الصحية، على سبيل المثال، بعيداً عن كون الرعاية الصحية مهمةً أخلاقية متوجهة للمريض لتصبح مجرد سلعة.(18-19) والأبرز في هذا السياق هو السفر للتطبيب الذي يشمل موارد جسم الإنسان، وخاصة الأعضاء، وما أثاره من مناقشة مستفيضة تتضمن قضايا أخلاقية مختلفة. فقد ولّدت ندرة موارد جسم الإنسان مخاوف بشأن كيفية الحصول عليها وكيفية استخدامها، فوضعت بلدان كثيرة التشريعات والسياسات المقيدة أو التحريمية التي تنظم التبرع والإتاحة. وقد أدى الاختلاف الدولي الكبير حول مثل هذا التشريع وإنفاذه إلى تدفقات دولية كبيرة من المرضى تحاول الاستفادة من هذه الاختلافات. وتُقدّر Shimazono إجمالي عدد المستفيدين الذين خضعوا لعمليات زرع الأعضاء التجارية في الخارج بنحو 5% من مجموع المستفيدين في عام 2005،20 وهي تجد علاوةً على ذلك أنّ السفر إلى الخارج للخضوع لعمليات زرع أصبح أكثر السبل شيوعاً لاستقبال عمليات زرع في بعض البلدان.(20) فموارد جسم الإنسان متاحة عادة في البلدان التي تقبل فيها المجموعات السكانية الفقيرة والضعيفة أن تعرّض صحتها الشخصية للاختطار مقابل مكافأة مالية صغيرة. وفي كثير من البلدان، تكون غالباً معايير الرعاية الصحية الخاصة بالمانحين ضعيفة ومفتقرة لرعاية المتابعة.(21) هذا ويدرس الأدب الناشئ هنا القضايا الأخلاقية لهذه الممارسات بالتفصيل (A Whittaker، معطيات غير منشورة، 2009).(22)

الخاتمة

ليست مغادرة المرضى لبلادهم التماساً للعلاج الطبي في الخارج ظاهرة جديدة بالتأكيد، ولكن التطور السريع وازدياد حجم السفر للتطبيب هو أمر حديث. ومن المتوقع أن ينمو السفر للتطبيب في المستقبل القريب، مدفوعاً أيضا بإصلاحات الرعاية الصحية في عدد من النظم الاقتصادية المتقدمة، كما هو عليه الحال في الولايات المتحدة الأميركية، مما سيتسبب على الأرجح في ارتفاع أقساط التأمين الصحي لكل من أرباب العمل والأفراد. (23)

يتحدى السفر للتطبيب السبل التقليدية لتفكيرنا في الصحة العمومية، ونحن نواجه مجموعة واسعة من الأسئلة التي لا تزال بحاجة إلى إجابة. فلا تزال البحوث حول هذا الموضوع في مراحلها الأولى وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من الدراسات. وما أُجري حتى الآن من جهود مكثفة في معظم الأبحاث قد تم من منظور تجاري لاستكشاف حجم وطبيعة السوق. ونظراً للمقتضيات الكبيرة على الصحة العمومية، فهناك حاجة لأبحاث مستقبلية تعمق فهمنا للسفر للتطبيب بهدف تحسين الصحة العمومية. وهناك سلسلة من الأوراق العلمية المقدمة من منظمة الصحة العالمية تقوم باستكشاف مسائل كالقضايا القانونية والتشريعية والمخاوف الأخلاقية والعداوى عبر البلاد. ويُمكن لمنظمة الصحة العالمية أيضاً استعراف أفضل الممارسات التي طبقتها البلدان للتعامل مع السفر للتطبيب. وإلى جانب هذه الدراسات، يُمكن لمنظمة الصحة العالمية أن تركز في دورها على تعزيز جمع المعطيات على المستوى الوطني ويكون بمثابة مخزن للمعطيات المتفق عليها على المستوى الدولي. وسيسهم تنفيذ النظام المنقح للحسابات الصحية بالتأكيد في تحقيق هذا الغرض. إنما قد يتعين على الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية أيضاً مناقشة وضع معايير دولية للرعاية الصحية للمسافرين الطبيين. وسيكون بالتأكيد التحدي الأكبر في جميع هذه الجهود هو إيجاد استراتيجية تسمح بحصد الفوائد التي تعود على الصحة العمومية من السفر للتطبيب مع الحد من المخاطر.


الشكر والتقدير

يشكر المؤلف كلاً من Jostacio Lapitan وSinyoung Park وRiana Rakotoarimananjara الذين قدموا مساعدات قيمة لهذا البحث.

تضارب المصالح:

لم يصرح بشىء.

المراجع

شارك