مجلة منظمة الصحة العالمية

تأثير الدلائل الإرشادية الجديدة لمنظمة الصحة العالمية عن فيروس العوز المناعي البشري وتغذية الرضّع على بقاء الأطفال على قيد الحياة في جنوب أفريقيا

Tanya Doherty a, David Sanders b, Ameena Goga a & Debra Jackson b

a. Medical Research Council, Francie van Zyl Drive, Parrow, Cape Town, 7505, South Africa.
b. School of Public Health, University of the Western Cape, Cape Town, South Africa.

المُراسَلَة مع Tanya Doherty (البريد الإلكتروني: tanya.doherty@mrc.ac.za)

(تقديم البحث: 25 أيار/مايو 2010 – استلام النسخة المدقَّقة: 7 تموز/يوليو 2010 – القبول: 9 تموز/يوليو 2010 - النشر على الشابكة: 22 تشرين الثاني/نوفمبر2010).

نشرة منظمة الصحة العالمية 2011;89:62-67. doi: 10.2471/BLT.10.079798

المقدمة

أصدرت وزارة الصحّة في جنوب أفريقيا والمجلس الوطني لمتلازمة العوز المناعي المكتسب (الأيدز) في نيسان/ أبريل 2010 دلائل إرشادية سريرية منقّحة للوقاية من انتقال فيروس العوز المناعي البشري من الأم إلى الطفل،(1) وتحتوي تلك الدلائل الإرشادية المنقّحة على تغييرات عديدة منتظرة منها: المعالجة الشديدة الفعّالية بمضادات الفيروسات القهقرية لجميع النساء الحوامل المصابات بفيروس العوز المناعي البشري اللواتي يكون تعداد CD4 لديهن ≤ 350، والوقاية بمضادات الفيروسات القهقرية لجميع الرضّع المعرّضين لفيروس العوز المناعي البشري بإعطاء نيفيرابين nevirapine لستة أسابيع, والاستمرار في وقاية الرضّع المعّرضين لفيروس العوز المناعي البشري الذين يرضعون من الثدي ولم توضع أمّهاتهم على المعالجة الشديدة الفعّالية بمضادات الفيروسات القهقرية إلى أسبوع واحد بعد التوقّف التام عن الرضاعة، والمعالجة الشديدة الفعّالية بمضادات الفيروسات القهقرية لجميع الرضّع التي تثبت إيجابيّة فيروس العوز المناعي البشري لديهم باكراً منذ الأسبوع السادس ما أمكن. تتيح تلك التغيرات الفرصة لجنوب أفريقيا كي تعود إلى المسار الصحيح لتحقيق المرامي الإنمائية 4 و5 و6 للألفيّة من خلال التخفيضات الهامة في انتقال فيروس العوز المناعي البشري والوفيات.

ولئن كانت تلك الدلائل الإرشادية الجديدة موضع ترحيب فإنَّ أحد جوانبها مخيّب للآمال نوعاً ما، ويتعلّق بموضوع تغذية الرضّع في برنامج منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل؛ فالدلائل الإرشادية الجديدة توصي بمتابعة تقديم الحليب المجاني البديل عن لبن الأم من خلال مرافق الرعاية الصحّية للنساء اللواتي يخترن عدم الإرضاع من الثدي (الصندوق 1). وقد جاءت هذه السياسة بعد 5 أشهر من إصدار المبادئ والتوصيات المنقّحة لمنظّمة الصحّة العالمية المتعلّقة بعدوى فيروس العوز المناعي البشري وتغذية الرضّع في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009،(2) وتحثّ التوصية الرئيسية لمنظّمة الصحّة العالمية السلطات الصحّية على المستوى الوطني أو ما دونه أن تقدّر أيّ إستراتيجية تغذية يرجّح أن تمنح الحظ الأوفر لبقيا الرضّع خالين من عدوى فيروس العوز المناعي البشري استناداً إلى عوامل عديدة تضم مستويات وفيات الرضّع والأسباب الرئيسية الكامنة ورائها، وبعد ذلك يتعيّن على السلطات أن تقرّر ما إذا كان يجب على الخدمات الصحّية أن تقدّم في المقام الأول المشورة والدّعم للأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري كي يرضعن من الثدي ويتلقّينَ مضادات الفيروسات القهقرية، أو أن يتجنَّبن الإرضاع من الثدي كلياً.

الصندوق 1. توصيات تغذية الرضّع في الدلائل الإرشادية السريرية لجنوب أفريقيا 2010 المتعلّقة بالوقاية من انتقال العدوى بفيروس العوز المناعي البشري من الأم إلى الطفل.(1)

من أجل جميع الأمهات:

  • يجب البدء بالتوعية حول تغذية الرضّع بعد جلسة التوعية الأولى التالية للاختبار أثناء الحمل.
  • يجب مناقشة تغذية الرضّع مع النساء في كلّ زيارة قبل الولادة .
  • يجب ثني الأمهات عن التغذية المختلطة خلال الأشهر الستة الأولى من الحياة ما أمكن؛ لأنها تزيد اختطار إصابة الأطفال بالأمراض المعدية.
  • تقديم دعم غذائي لجميع الأمهات المرضعات إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري، وللأمهات اللواتي يستخدمن بدائل لبن الأم بافتقاد الأمن الغذائي.

النساء إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري اللواتي يُرضعن من الثدي

  • جميع الأمهات اللواتي يرضعن صغارهنّ من الثدي حصراً، ويُعرف أنهن مصابات بفيروس العوز المناعي البشري، سواء كنّ على معالجة مدى الحياة بمضادات الفيروسات القهقرية أم لا، يجب أن يقمن بذلك لستة أشهر، وأن يُدخلن الأطعمة المتمّمة الملائمة بعد ذلك، وأن يتابعن الإرضاع من الثدي خلال السنة الأولى من الحياة.
  • يجب أن يقدّم موظفو الرعاية الصحّية المدربون معلومات قيّمة، لا لبس فيها، وغير متحيّزة حول مخاطر انتقال فيروس العوز المناعي البشري بالإرضاع من الثدي، والوقاية بمضادات الفيروسات القهقرية لتقليل الاختطار، ومخاطر التغذية المعيضة.
  • يجب على الأمهات اللواتي يُعرف أنهن مصابات بفيروس العوز المناعي البشري، ولا يتناولن مضادات الفيروسات القهقرية مدى الحياة، ويقرّرن التوقف عن الإرضاع من الثدي في أي وقت أن يتوقّفنَ عن الإرضاع تدريجياً خلال شهر، في حين يُتابع إعطاء الرضيع نيفيرابين يومياً، ويجب الاستمرار في ذلك لأسبوع واحد بعد التوقّف عن الإرضاع من الثدي كلّياً.

النساء إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري اللواتي يستخدمن بدائل لبن الأم للتغذية:

  • م بدائل لبن الأم التجارية للرضّع مجاناً مدّة ستة أشهر على الأقل.
  • يجب أن تتلقّى النساء دعماً عملياً يتضمّن إيضاحات لكيفية تحضير بدائل لبن الأم وتغذية الرضيع على نحو مأمون.
  • في الشهر السادس من العمر يجب تحويل الرضّع ناقصي النمو أو المهدّدين به إلى المراقبة التغذوية المستمرّة ومساعدة النظام الغذائي.
  • يجب اختيار منتجات للحليب البديل عن لبن الأم مناسبة لعمر الرضيع والظروف المحيطة.
  • في الحالات التي تُقدَّم فيها بدائل لبن الأم التجارية مجاناً في المرافق الصحّية يتعيّن على المديرين والمشرفين وموظفي الرعاية الصحّية التأكّد من استمرار الإمدادات على مستوى العيادات، ويجب تطبيق نظام موثوق للتوريد والتوزيع.

تستند توصيات منظّمة الصحّة العالمية إلى بيّنات البرامج والبحوث المتراكمة التي أجريت خلال الأعوام القليلة المنصرمة في بلدان أفريقيا، وتماشياً مع تلك التوصيات بيّنت الدلائل الإرشادية الحديثة لمنع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل في جنوب أفريقيا أنَّ البرنامج تبنّى نهجاً في تغذية الرضّع يزيد إلى الحدّ الأعلى بقيا الأطفال، وليس تجنّب انتقال فيروس العوز المناعي البشري فقط، إلا أنّه لم يُتَّخذ قرار فيما يبدو حول ممارسة التغذية التي ستزيد إلى الحدّ الأعلى البقيا دون عدوى بفيروس العوز المناعي البشري على المستوى الوطني؛ فما زال يُوصى بتبنّي أحد خيارين في التغذية (الاقتصار على الرضاعة الطبيعية أو الاقتصار على التغذية ببدائل لبن الأم مع وجود لبن مجاني بديل عن لبن الأم)، ويعدّ استمرار تقديم بدائل لبن الأم التجارية المجانية للرضّع مبادرةً يمكن أن تسيء إلى قرارات التغذية، وقد أظهرت البحوث من جنوب أفريقيا(3) سابقاً أنَّ النساء يخترن التغذية ببدائل لبن الأم دون النظر إلى شروط منظّمة الصحّة العالمية AFASS (مقبولة ، مُجدية ، ميسورة التكلفة ، مستدامة ، مأمونة).

يعرض هذا المقال أحدث البيّنات فيما يتعلّق بمعدّلات المراضة والوفيات المترافقة مع ممارسات التغذية في سياق العدوى بفيروس العوز المناعي البشري، ويسلّط الضوء على عدم وجود سياسة واضحة لتغذية رضّع في جنوب أفريقيا في ظلّ تغيّر البيّنات. ويتساءل عن الاستمرار في تقديم بدائل لبن الأم المجانية من خلال النظام الصحّي العمومي، ويوصي بإحداث تغيير في السياسة يضع بقيا الأطفال في المقام الأول من أجل جميع أطفال جنوب أفريقيا.

منافع الرضاعة الطبيعية

ُعدّ تعزيز الاقتصار على الرضاعة الطبيعية التدخّل الوحيد الأكثر فعّالية في الحفاظ على حياة الملايين من الأطفال الصغار في البلدان النامية،(4) ويقدّر أنَّه يمكن منع حدوث وفاة قرابة 1.3 مليون طفل سنوياً (13% من الأطفال المتوفين بعمر أقل من خمس سنوات) إذا ما تزايد شمول الإرضاع الطبيعي المقتصر على الثدي إلى نسبة 90% للرضّع بعمر أقل من 6 أشهر،(4) وبالمقارنة مع استخدام بدائل لبن الأم أظهر الإرضاع الطبيعي باستمرار أنّه يخفّض من معدّلات المراضة والوفيات المترافقة مع الأمراض المعدية عند الرضّع في كلّ من المناطق غنية الموارد وفقيرتها، وخصوصاً في الشهر الأول من الحياة. وقد بيّنت مجموعة بيلاجيو لبقيا الأطفال التي لخّصت بيّنات البحوث الدولية المتراكمة: "لدى الأطفال بعمر 0-5 أشهر الذين لا يرضعون من الثدي اختطارات تبلغ سبعة أضعاف وخمسة أضعاف للموت بسبب الإسهال وذات الرئة على التوالي مقارنةً بالرضّع الذين يرضعون من الثدي حصراً. ويؤدي الإرضاع المقتصر على الثدي في العمر ذاته إلى زيادة اختطار الوفاة بسبب الإسهال أو ذات الرئة إلى أكثر من الضعفين مقارنةً بالإرضاع المقتصر على الثدي"(5) وتضع التقديرات الحديثة لنسب أسباب الوفيات تحت سن الخامسة في جنوب أفريقيا الإسهال وذات الرئة في المرتبتين الثالثة والرابعة على التوالي بعد العدوى بفيروس العوز المناعي البشري/ متلازمة العوز المناعي المكتسب(الأيدز) والأسباب المتعلّقة بالولدان.(6) إضافةً إلى ذلك فإنَّ معظم وفيات الأطفال المصابين بفيروس العوز المناعي البشري تنجم عن الالتهابات التالية، وأكثرها شيوعاً الإسهال وذات الرئة.

التغذية ببدائل لبن الأم

تراكمت خلال السنوات العديدة السابقة بيّنات من أفريقيا حول تزايد معدّلات الوفيات المترافقة مع التغذية ببدائل لبن الأم في دراسات مختلفة حول منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل؛ فقد كانت دراسة MASHI في بتسوانا تجربةً معشّاة ذات شاهد قارنت بين نجاعة الإرضاع الطبيعي المقتصر على الثدي والمترافق مع شوط مدته ستة أشهر لوقاية الرضّع بمركب زيدوفودين مع التغذية ببدائل لبن الأم المترافقة مع إعطاء الرضيع زيدوفودين مدة شهر واحد. وقد كانت معدّلات انتقال فيروس العوز المناعي البشري التراكمية في الشهر السابع 5.6% في المجموعة التي غُذّيت ببدائل لبن الأم و9.0% في المجموعة التي أُرضعت من الثدي بالإضافة إلى إعطاء زيدوفودين. أمّا الوقوعات التراكمية لوفيات الرضّع في الشهر السابع فقد كانت أعلى على نحوٍ يعتدّ به في المجموعة التي غُذّيت ببدائل لبن الأم مقارنةً بالمجموعة التي أُرضعت من الثدي بالإضافة إلى إعطاء زيدوفودين (9.3% مقابل 4.3%, P= 0.003) ويدعم ذلك موجودات أبكر من كينيا عن التزايد المُبكر في وفيات الرضّع الذين يُغذَّون ببدائل لبن الأم.(8-9) ولكن في دراسة MASHI لم يلاحظ في الشهر 18 وجود تباينات يُعتدّ بها بين المجموعة التي غُذّيت ببدائل لبن الأم والمجموعة التي غُذّيت من الثدي بالإضافة إلى إعطاء زيدوفودين في النتائج المشتركة لعدوى فيروس العوز المناعي البشري أو معدّل الوفيات (13.9% مقابل 15.1% P= 0.60)؛ لذا فإنَّ كلتا الإستراتيجيتين أدّت إلى نتائج متقاربة بعمر 18 شهراً فيما يتعلّق بالبقيا دون عدوى فيروس العوز المناعي البشري.

كذلك وُثّقت البيّنات حول مخاطر التغذية ببدائل لبن الأم خارج البحوث في بتسوانا؛ فقد تساقطت بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2005 وشباط/ فبراير 2006 أمطار غزيرة غير معتادة، وحدثت فيضانات أدّت إلى تزايد إسهالات الرضّع ووفياتهم، وقد كُلّفت مراكز الولايات المتحدة لمكافحة الأمراض والوقاية منها بتقصّي الفاشية، وتبيّن حدوث تلوث واسع النطاق في إمدادات المياه العامة في أربع مناطق صحّية شمالية من البلد، وكان أهم عوامل اختطار الإسهال عدم الإرضاع من الثدي (نسبة الأرجحية المعدّلة: 50%، ومجال الموثوقية 95%: 4.5-100)، وقد حدثت معظم الوفيات لدى الرضّع المعرّضين لفيروس العوز المناعي البشري الذين تلقّت أمهاتهم حليباً مجانياً بديلاً عن لبن الأم من خلال برنامج منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل، وكان لدى 51% من الرضّع الذين قُبلوا في المستشفيات نقص نمو قبل الإصابة بالمرض.(10) كذلك كشفت بيّنات حديثة من ملاوي أنَّ عدم الإرضاع من الثدي قد ترافق على نحوٍ يُعتدّ به مع تراجع الحالة التغذوية وفق ما تبيّن من خلال تناقص متوسّط الطول من أجل العمر، والوزن من أجل العمر والوزن من أجل الطول في أحراز(11)

وفي جنوب أفريقيا أظهرت الأبحاث من المواقع الروتينية لبرنامج منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل أنَّ الاختيار غير الملائم للتغذية ببدائل لبن الأم (دون تحقيق شروط منظّمة الصحّة العالمية AFASS) يحمل اختطاراً أكبر لانتقال فيروس العوز المناعي البشري أو الوفاة مقارنةً بالإرضاع من الثدي.(3) وفي دراسةٍ أخرى جرى معظمها في المنطقة الريفية من هلابيسا في كوا-زولو ناتال بجنوب أفريقيا كان معدّل الوفيات التراكمي في الشهر الثالث لدى الرضّع الذين يُغذَّون حصراً بالإرضاع الطبيعي 6.1% (4.74-7.92) مقابل 15.1% (7.63-28.73) لدى الرضّع الذين غُذّوا بأطعمة تعويضية (نسبة الخطر 2.06, 1.00-4.27, P= 0.051)(12) رغم أنَّ النساء اللواتي اخترن عدم الإرضاع من الثدي كنَّ في الواقع في وضع اجتماعي اقتصادي أفضل. ولم يكن هناك تباين يُعتدّ به إحصائياً بعمر 18 شهراً في بقيا الرضّع خالين من العدوى بفيروس العوز المناعي البشري سواء أُرضعوا من الثدي أو غُذّوا ببدائل لبن الأم منذ الولادة على الرغم من تلقّي الأمهات والرضّع دعماً متميّزاً لاختيار تغذية ملائمة للرضيع وممارستها،(13) فكما هو الحال في دراسة MASHI لم يُحقّق تجنّب الإرضاع الطبيعي أي كسب في البقيا لأولئك الرضّع.

وجدت دراسة صغيرة من جنوب أفريقيا تناولت تقييم تلوث زجاجات الحليب في العيادات والمنازل مستويات عالية من التلوث بالجراثيم البرازية (67% في عينات العيادات و81% في عينات المنازل)، وكشفت الدراسة أيضاً بيّنات على سوء تحضير بدائل لبن الأم مع حدوث تمديد مفرط في 28% من عينات العيادات و47% من عينات المنازل،(14) وكثيراً ما يكون الإمداد ببدائل لبن الأم في بوتسوانا وجنوب أفريقيا من خلال مرافق الصحّة العمومية غير موثوق.(10-15)

توصي الدلائل الإرشادية لمنع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل في جنوب أفريقيا بأن تتضمّن كلّ زيارة قبل الولادة توعية حول تغذية الرضّع (الصندوق 1)، إلاّ أنّ دراسات عديدة من جنوب أفريقيا وجدت أنَّ تلك التوعية ذات نوعية متواضعة،(16-18) وأنَّ شروط AFASS لم تؤخذ بالحسبان،(3) وفي جو من التوعية الضعيفة والرسائل غير الواضحة فإنّ تيسّر بدائل لبن الأم المجانية يُعدُّ دافعاً لانتقاء هذا الخيار، وإن لم يكن ملائماً؛ لأنّه قد يُنظر إلى بدائل لبن الأم المجانية على أنَّها تحويلات نقدية إلى الأسر الفقيرة.

قد يُعزّز تقديم بدائل لبن الأم التجارية المجانية للرضّع من خلال النظام الصحّي العام الممارسة العامة للتغذية المختلطة لدى جمهرة النساء عامةً؛ أي بين النسوة سلبيات فيروس العوز المناعي البشري.(19) وقد بيّنت معطيات دراسة أترابية في جنوب أفريقيا أن استخدام النساء سلبيات فيروس العوز المناعي البشري لبدائل لبن الأم كان أعلى على نحوٍ يُعتدّ به مقارنة باستخدام النسوة إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري اللواتي يرضعن من الثدي لتلك البدائل في جميع نقاط الزمن المقيسة.(20) يبيّن المبدأ 7 في دلائل منظّمة الصحّة العالمية الإرشادية المتعلّقة بعدوى فيروس العوز المناعي البشري وتغذية الرضّع 2010 أنَّ توعية الأمهات اللواتي يعرف بأنّهن مصابات بفيروس العوز المناعي البشري ودعمهنَّ وإرسال رسائل صحّية للجمهور العام يجب أن تُجرى بعناية على نحوٍ لا يقوّض ممارسة الإرضاع الطبيعية المثالية عند الجمهور العام.(21)

تكاليف خيارات التغذية

بيّن تحليل حديث لمنظّمة الصحّة العالمية أُجري في بلدان جنوب أفريقيا أنَّ تكلفة كلّ 10000 أم إيجابية فيروس العوز المناعي البشري ستبلغ 522542 دولاراً أمريكياً عند اختيار الإرضاع الطبيعي بالإضافة إلى إعطاء الأم معالجة شديدة الفعّالية بمضادات الفيروسات القهقرية إذا ما كان تعداد CD4 ≤ 350، أو اختيار الإرضاع الطبيعي مع وقاية الرضيع بإعطائه نيفيرابين إذا ما كان تعداد CD4 لدى الأم > 350، وبالمقارنة ستكون التكلفة 2063100 دولار أمريكي لكلّ 10000 أمّ إيجابية فيروس العوز المناعي البشري عند علاج الأمهات اللواتي يكون لديهنَّ تعداد CD4 ≤ 350 معالجة شديدة الفعّالية بمضادات الفيروسات القهقرية وتزويدهن بلبن بديل عن لبن الأم مدة ستة أشهر، أو تزويدهن بلبن بديل عن لبن الأم مدة ستة أشهر إذا ما كان تعداد CD4. 350 (21). وقد استنتجت الدراسة أنَّ "أي إستراتيجية تغذية تتضمّن تقديم بدائل لبن الأم مجاناً للأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري ولو لمدة محدودة بستة أشهر ستكون أكثر تكلفة بمقدار ضعفين إلى ستة أضعاف مقارنةً بالإستراتيجية التي تقدّم مضادات الفيروسات القهقرية كوقاية بهدف الحدّ من انتقال العدوى بعد الولادة، وقد نهج نموذج حساب التكلفة نهجاً محافظاً فيما يتعلّق بتقديم بدائل لبن الأم مع تقليله على الأغلب من تقدير وقت الموظّفين المطلوب لإعداد بدائل لبن الأم وتوزيعها والتوعية بشأنها، وتقدير تكاليف تخزين عبوات بدائل اللبن".21 إضافةً إلى ذلك لم يتضمن حساب التكاليف الدعم التغذوي للأمهات المرضعات لتزويدهن بمغذّيات إضافية يحتجنها من أجل الإرضاع الطبيعي(22-23)

ثمّة إضافة جديدة في الدلائل الإرشادية السريرية التي أُصدرت مؤخراً حول منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل،(1) وهي تقديم دعم تغذوي للأمهات إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري، ولكن نظراً إلى أنَّ هذا الدعم يُعطى لكلٍّ من الأمهات المرضعات إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري والأمهات اللواتي يستخدمن بدائل لبن الأم بافتقاد الأمن الغذائي (الصندوق 1)، فإنّه ليس من الواضح في الدلائل الإرشادية كيف سيُحدَّد افتقاد الأمن الغذائي لدى الأمهات اللواتي يستخدمنَ بدائل لبن الأم، ولكن هذا الخيار مكلف جداً (تقديم بدائل لبن الأم المجانية والدعم الغذائي)، ومن المرجح أن ينفّذ على نحوٍ غير ملائم دون وجود خطط تنفيذ واضحة جداً.

الضرر أكثر من النفع؟

هناك معطيات جديدة مشجعة تشير إلى أنَّه بإمكان أنظمة مضادات الفيروسات القهقرية عندما تعطى للرضّع بهدف الوقاية أن تقلّل انتقال عدوى فيروس العوز المناعي البشري بعد الولادة إلى قرابة 5% في تسعة أشهر,(24-25) ويبدو أيضاً أنَّ اختطار انتقال العدوى بفيروس العوز المناعي البشري قليل من الأمهات اللواتي يتلقَّين مضادات فيروسات قهقرية فعّالة بوجود دراسات تشير إلى أنَّ معدّلات الانتقال تبلغ 5% في الشهر 12 بعد الولادة.(26-27) وعندما تعطى مضادات الفيروسيات القهقرية للرضّع كوقاية خلال الإرضاع الطبيعي، أو كمعالجة شديدة الفعّالية بمضادات الفيروسات القهقرية للأم فإنَّ اختطار تزايد الوفيات بأسباب لا علاقة لها بفيروس العوز المناعي البشري لدى الأطفال غير المصابين بالعدوى تغدو ذات أهمية أكبر؛ فحتى الارتفاعات الصغيرة يمكن أن تتجاوز اختطارات انتقال فيروس العوز المناعي البشري التي خُفِّضَت حالياً.

في ضوء ما تقدّم، وبوجود الدلائل الإرشادية السريرية الحديثة لمنع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل في جنوب أفريقيا فإنَّ أحد الاعتبارات الهامة للحكومة الوطنية هو ما إذا كان تقليل انتقال فيروس العوز المناعي البشري من خلال تجنّب الإرضاع الطبيعي يفوق المخاطر المرافقة للوفيات بالأمراض المعدية. وتشير البيّنات الأخيرة إلى أنَّه في سياق تقديم المعالجة الشديدة الفعّالية بمضادات الفيروسات القهقرية للنساء إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري، أو الوقاية بمضادات الفيروسات القهقرية للرضّع الذين يرضعون من الثدي، فإنَّ تجنّب الإرضاع الطبيعي يؤدي إلى نتائج أسوأ. وفي دراسة MASHI في بتسوانا بيّنت النتائج المشتركة لوفيات الأطفال المصابين بفيروس العوز المناعي البشري أو لانتقال فيروس العوز المناعي البشري منذ الولادة حتى سن 6 أشهر أنّ وفيات الرضّع في مجموعة الإرضاع الطبيعي مع إعطاء مضادات الفيروسات القهقرية بلغت النصف مقارنةً بالمجموعة التي كانت تتغذّى ببدائل لبن الأم.(28)

إستراتيجية تغذية واحدة

مفاد الدلائل الإرشادية الجديدة لمنظّمة الصحّة العالمية المتعلّقة بعدوى فيروس العوز المناعي البشري وتغذية الرضّع أنَّ على البلدان أن تختار إستراتيجية واحدة لتغذية الرضّع يمكن أن تنصح الخدمات الصحّية بها الأمهات إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري. ويعدّ اختيار الإرضاع الطبيعي المقتصر على الثدي مع تدخلات مضادات الفيروسات القهقرية في جنوب أفريقيا خياراً ملائماً؛ لأنّه تبعاً للأنماط الاجتماعية السكانية وعدم المساواة بين المدن والريف فإنَّ غالبية السكان لن تحقّق معايير AFASS التي وضعتها منظّمة الصحّة العالمية للتغذية ببدائل لبن الأم.(2) وقد كشف الترصّد الصحّي والديموغرافي الأخير في جنوب أفريقيا أنَّ نسبة وصول تمديدات المياه إلى المنازل كانت 58% لدى القاطنين في المدن، و11% لدى القاطنين في الريف، وأن 87% من القاطنين في المدن و56% من القاطنين في الريف يستخدمون الكهرباء من أجل الطبخ، ويوجد لدى 74% من القاطنين في المدن و5% من القاطنين في الريف مرحاض دافق(29).

يعدّ تحسين ممارسات الإرضاع الطبيعي المقتصر على الثدي في جنوب أفريقيا تحدّياً كبيراً؛ لأنَّ لدينا أحد أقلّ المعدّلات في العالم، ويكشف أكثر الترصّدات الصحّية والديموغرافية حداثة أنَّ 8% فقط من الرضّع بعمر أقل من 6 أشهر يرضعون من الثدي حصراً،(29) وأسباب هذا المعدّل المنخفض معقّدة، ولكن من المؤكّد تقريباً أنّها تضمّ الممارسات الثقافية طويلة الأمد، ودعم بدلائل لبن الأم من خلال برنامج سوء التغذية بالبروتين والطاقة الحكومي،(30) وغياب تعزيز الإرضاع الطبيعي نظراً إلى وجود معدّلات انتشار مرتفعة لعدوى فيروس العوز المناعي البشري، وتقديم لبن بديل عن لبن الأم مجاناً من خلال برنامج منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل, وعلى الرغم من أنَّ تقرير مسح المجلس الوطني لبحوث العلوم الإنسانية الحديث أورد معدّلات أعلى للإرضاع الطبيعي المقتصر على الثدي (25%)، فإنَّ مصدوقية تلك المعطيات موضع شك بسبب طول مدّة التذكّر وغياب الأسئلة المعمّقة حول التغذية.(19)

تعرض السياسة الحالية أمام النساء إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري خيارين (متساويين) أسهما على الأرجح في تشويش الأمهات والعاملين الصحّيين.(31) إضافةً إلى ذلك فإنَّ البيّنات الأحدث التي عُرضت في هذا المقال تبرهن إلى أنَّ هذين الخيارين ليسا متساويين من حيث بقيا الرضّع خالين من العدوى بفيروس العوز المناعي البشري، وسيساعد الانتقال إلى سياسة تدعم كاملاً الإرضاع الطبيعي المقتصر على الثدي في الحدّ من ذلك التشويش، وسيؤدي إلى أكبر منفعة لبقيا الأطفال من أجل جمهرة الأطفال الكلّية، ومعظم أولئك الأطفال لم يتعرّضوا لفيروس العوز المناعي البشري.

التوصيات

في ضوء الدلائل الإرشادية الحديثة لمنظّمة الصحّة العالمية المتعلّقة بعدوى فيروس العوز المناعي البشري وتغذية الرضّع )21) نحثُّ حكومة جنوب أفريقيا أن تقرّ ممارسة واحدة لتغذية الرضّع كي تُعزّز وتُدعم على العموم، وخصوصاً لدى النساء المصابات بفيروس العوز المناعي البشري اللواتي يراجعن مرافق الصحّة العمومية. والمعطيات المعروضة في هذه المقال وفي مبادئ وتوصيات منظّمة الصحّة العالمية الأخيرة(21) تدعم الاقتصار على الرضاعة من الثدي مع الوقاية بمضادات الفيروسات القهقرية. ويجب على الحكومة الشروع لاحقاً في عملية تدريجية لسحب تقديم بدائل لبن الأم المجانية للرضع كجزء من برنامج منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل. وهذا النهج لا يعني أنّ الاقتصار على الرضاعة من الثدي يُعدّ بالضرورة الخيار الأنسب لتغذية رضّع جميع النساء إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري في جنوب أفريقيا نظراً إلى وجود تباينات واسعة في الوضع الاجتماعي الاقتصادي بين السكان والمناطق الريفية والحضرية والمقاطعات، ولكنّ الاقتصار على الرضاعة من الثدي يعدّ إستراتيجية هامّة لبقيا الأطفال في جنوب أفريقيا حتى لدى النساء إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري.

ما يزال هناك دور يجب القيام به لتكييف التوعية وتوضيح الدلائل الإرشادية وفقاً للاحتياجات الفردية، ويُعنى بكيفية تحديد النساء اللواتي يمكنهنّ تجنّب الإرضاع من الثدي. وقد حدّدت الدلائل الإرشادية الأحدث لمنظّمة الصحّة العالمية المتعلّقة بعدوى فيروس العوز المناعي البشري وتغذية الرضّع(21) بدقة تامّة المقصود من AFASS باستخدام اللغة اليومية العامة، وبيّنت ستة شروط يتعيّن وجودها لاتخاذ قرار ملائم حول التغذية ببدائل لبن الأم. وفي تلك الحالات يجب أن تُخيّر المرأة في شراء بدائل لبن الأم التي تمدّ بها رضيعها، ومن خلال ذلك التخلّص من أي حوافز خاطئة خاصة بها ضمن الخدمات الصحّية.

يتعيّن أن تكون عملية سحب بدائل لبن الأم على مراحل، ويجب أن تكون مصحوبة بحملة لمحو الأمية نشيطة وواضحة لإعلام العاملين الصحّيين والأمهات بتغييرات السياسة وأسبابها ومنافعها، وسيقلّل ذلك من إمكانية حدوث المزيد من التشويش والرسائل المختلطة، وقد قام صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة بعملية مماثلة عام 2002 عندما اتُّخذ القرار بالعدول عن تقديم حليب مجاني بديل عن لبن الأم في المواقع الارتيادية على امتداد أفريقيا لبرنامج منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل الذي يدعمه الصندوق.(32|) وقد استمرّ توزيع بدائل لبن الأم في بعض البلدان لعام آخر لتجنّب الإيقاف المفاجئ في إمداد الأطفال الذين شملهم البرنامج من قبل بالحليب.(32)

يجب الدعوة إلى التئام مجموعة تقنية للعمل مع وزارة الصحّة على وضع خطة لسحب بدائل لبن الأم التجارية المجانية، جنباً إلى جنب مع خطة مكثّفة رفيعة المستوى لزيادة معدّلات الاقتصار على الرضاعة من الثدي، وصقل الاستراتيجيات أو الأدوات التي يمكن أن تُستخدم لتحديد عدد قليل من النسوة اللواتي قد "يعدلن" عن الرضاعة من الثدي، ويتعيّن على تلك المجموعة مراقبة تأثير هذه السياسة، وخصوصاً تأثير العدول عن الإرضاع الطبيعي على بقيا ومراضة الأمهات والرضّع على المدى الطويل.

الاستنتاج

تمنح الدلائل الإرشادية لمنع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل في جنوب أفريقيا فرصة للحدّ بسرعة من انتقال فيروس العوز المناعي البشري بعد الولادة من خلال تقديم مضادات الفيروسات القهقرية للنساء اللواتي يحتجنها، وللرضع أثناء الرضاعة من الثدي. وثمّة حاجة إلى إجراءات عاجلة تقدّم خيار الاقتصار على الإرضاع من الثدي مع الوقاية بمضادات الفيروسات القهقرية بوصفه الخيار المفترض لتغذية رضّع النساء إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري. ويجب وضع دلائل إرشادية واضحة لتحديد النساء المستثنيات من هذا الخيار المفترض. ويتعيّن سحب بدائل اللبن التجارية المجانية المقدّمة للرضع على مراحل بعد القيام بأنشطة مجتمعية المرتكز للدفاع عن ذلك؛ فلا تبقى حوافز خاطئة يمكن أن تُبطل مكاسب بقيا الأطفال عند تطبيق الدلائل الإرشادية الحديثة، وتوجد فرصة سانحة الآن لتجاوز التركيز على الوقاية من عدوى فيروس العوز المناعي البشري إلى التركيز على بقيا الأطفال من خلال التعزيز النشيط لممارسة الرضاعة الطبيعية المقتصرة على الثدي.


تضارب المصالح:

لم يصرح بشىء

المراجع

شارك