مجلة منظمة الصحة العالمية

الصحة والعدالة الاجتماعية

RugerJennifer Prah

الناشر : Oxford University Press, New York, 2010

ISBN: 978-0199559978; 224 pages, US$ 74

تنص الاتفاقية الدولية حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، والتي صادقت عليها 160 دولة، على منح كافة البشر الاستحقاقات الأساسية الضرورية لتلبية حاجاتهم، كالحق في العمل والأمن الاجتماعي والحياة الأسرية والتعليم والمشاركة في الحياة الثقافية. ورغم الضرورة الحياتية لكل هذه الأمور، فربما يكون ضمان الاتفاقية الدولية لـ "حق كل فرد في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والنفسية" هو الأكثر أهمية.(1) فلماذا هذا الحق هو الأهم؟

إن للصحة معناها الخاص عند الأفراد والمجتمعات ككل، فالصحة الجيدة ضروريةٌ لمعافاة الإنسان، وتوفير القيمة الجوهرية للراحة والقناعة والسعي وراء السعادة في الحياة. بل والصحة الجيدة تستطيع تحقيق أكثر من ذلك. فهي مهمةٌ في السماح للأفراد بممارسة مجموعة من الحقوق الإنسانية - المدنية والسياسية (مثل: السلامة البدنية والأمن الشخصي والمشاركة السياسية) والاجتماعية والاقتصادية (كالعمل والتعليم والحياة الأسرية). وهي ضرورية بالقدر ذاته لعمل المجتمعات الجيد. فإذا لم يتمتع السكان بمستوى لائقٍ من الصحة، سيصعب جداً ضمان الازدهار الاقتصادي والمشاركة السياسية والأمن الجماعي، وهكذا دواليك.

تعتبر Jennifer Prah Ruger واحدةٌ من العلماء القلائل المثابرين في دفاعهم عن الحق في الصحة وعن ضرورة الحد من التفاوتات الصحية غير المعقولة في جميع أنحاء العالم. ويمثل كتابها الأخير، الصحة والعدالة الاجتماعية, مساهمتها الأكثر تنظيماً وأهميةً.

تقدم Ruger في هذا العمل المتطور نظريتها حول الصحة والعدالة الاجتماعية، والتي تسميها بـ " نموذج المقدرة الصحية" – حيث تقول بوجوب أن تتاح لكل الناس قدرة الوصول إلى الوسائل المناسبة لتجنب الوفاة المبكرة والإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها. إنها رؤية تدمج الأمور الفلسفية والاقتصادية والسياسية لبناء قضية متكاملة بحيث تستطيع كافة المجتمعات (من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص) تصميم وبناء مؤسسات ونظم فعالة لتحقيق المقدرات الصحية. وبالرغم من تركيزها (المبالَغ فيه ربما) على توفير الرعاية الطبية، تقدم Ruger تفسيراً موسعاً حول المحركات الرئيسية للصحة، كالترصد والتدابير الوقائية والهواء النقي والمياه الصالحة للشرب والطعام المغذي.

في مقدمة الكتاب، يقوم Amartya Sen بشرح مميز للفرق بين "السياسة الصحية الجيدة" و"السياسة الجيدة من أجل الصحة"، موضحاً أننا بحاجة إلى تحقيق المصطلح الأخير من أجل تحقيق العدالة الصحية. ويؤكد هذا الشرح على نهج منظمة الصحة العالمية (WHO) المرتبط بـ "كل شيء من الحكومة" أو "الصحة في كافة السياسات"، مع الاعتراف بأن قطاع الصحة ليس هو المساهم الوحيد في تحقيق صحةٍ جيدةٍ.

لقد استنتجت لجنة منظمة الصحة العالمية المعنية بالمحددات الاجتماعية للصحة أن "الظروف الاجتماعية التي يولد الناس ويعيشون ويعملون فيها هي أهم العوامل المحددة للصحة الجيدة أو الصحة العليلة، والحياة الطويلة والمثمرة أو الحياة القصيرة والتعيسة".(2) ولا تخجل Ruger من حتمية إعادة توزيع الموارد – من الأغنياء إلى الفقراء ومن الأصحاء إلى المرضى – من أجل تقديم مسارٍ مقنعٍ حول كيفية حدوث إعادة التوزيع في المجتمع.

يرسم نموذج المقدرة الصحية صورةً حول "تقاسم الحَوكمة الصحية" حيث يشارك الباحثون والعاملون في التأمين الصحي والحكومات والمهنيون الصحيون والمواطنون جميعاً من أجل تحقيق إجماعهم حول الأولويات الصحية - بما في ذلك العملية التشريعية وبناء التحالفات ومشاركة المواطنين والالتزام. وتجادل Ruger بأن أفراد المجتمع لا يحتاجون إلى الاتفاق على كل عنصر بهدف التوصل إلى توافقٍ تام حول الأهداف الصحية الرئيسية وذلك اعتماداً على نظرية "الاتفاق النظري غير المتكامل". ويجب أن تشمل الأولويات كل من صحة الطفل/الأم والتخفيف من حدة الجوع وتوفير المياه الصالحة للشرب.

تقول Ruger إنّه في حال قدرة المجتمع على ضمان تحقيق المقدرات الصحية، يتوجب على الأفراد الاستجابة لذلك من خلال تحمل مسؤوليتهم الشخصية. فالأفراد ملزمون باستخدام "وكالتهم الصحية" للوصول إلى صحة جيدة، وذلك من خلال، على سبيل المثال، تناول الأطعمة الغذائية والانخراط في النشاط البدني والامتثال للنصيحة الطبية. ولحدوث ذلك، يجب على الحكومات تأمين البيئة المناسبة لتسهيل اختيار السلوكيات الصحية كجعل الفواكه والخضروات متاحةً وقابلةً للشراء.

ومن المفيد أن نتخيل العالم الذي تزداد فيه المجتمعات صحةً بحيث يتم إغلاق الفجوة الصحية؛ والذي يتمكن فيه كافة الأعضاء المؤسسين بناء توافقهم حول الآراء والتحالفات؛ والذي يتحمل فيه الأفراد مسؤوليتهم الشخصية. وحتى الآن، فشلت أغلبية المجتمعات في ضمان الاحتياجات الأساسية للبُقيا والرعاية الصحية الشاملة. وغالباً ما يفشل أيضاً الأعضاء المؤسسون في الاتفاق على الأولويات الصحية، ويتصرفون للأسف بناءً على مصلحتهم الذاتية بدلاً من الصالح العام. ويجد الأفراد صعوبة استثنائية في كثير من الأحيان عندما يرغبون بممارسة الحمية المغذية والرياضة والجنس المأمون.

وحتى لو كان إنجاز الوصول إلى الصحة والعدالة الصحية صعباً للغاية، فوجود هؤلاء العلماء النادرين ممن يسعون جاهدين من أجل العدالة الاجتماعية، مثل Jennifer Prah Ruger، لهو أمرٌ يبعث على الاطمئنان. إنه كتاب يثير الاهتمام ويدفع إلى العمل لأن السعي المتحمس لتحقيق العدالة الصحية والاجتماعية هو من أهم الأهداف بالنسبة لسكان العالم.


Lawrence O Gostin a

a. O’Neill Institute for National and Global Health Law, Georgetown University, Washington, DC, 20001, United States of America.

المراسلة مع Lawrence O Gostin (البريد الإلكتروني: gostin@law.georgetown.edu).

نشرة منظمة الصحة العالمية 2011;89:78-78. doi: 10.2471/BLT.10.082388

المراجع

شارك