مجلة منظمة الصحة العالمية

الحملات ضدّ العنف باستخدام الحمض تحثّ على التغيير

بنغلادش هي واحدةٌ من عدة بلدان تحاول منع العنف باستخدام الحمض من خلال التشريع في الوقت الذي تقدم رعاية متخصّصة للضحايا، لكن المواقف تجاه النساء تحتاج للتغيير لكي يكون هناك المزيد من التقدم. تقرير Patralekha Chatterjee.

رغم حدوث الهجوم على أسماء أخطر قبل 12 عاماً، فهي ما زالت تذكره بوضوح، فالخاطب المرفوض، وهو في أواخر عشريناته، تسلل إلى الكوخ الطيني الذي تعيش فيه عائلتها في قرية جالاكاندي جنوبي بنغلادش، وسَكَبَ الحمضَ على وجهها بينما كانت نائمة. وتتذكّر أسماء، وقد كانت وقتها بعمر 14 عاماً: "سال [الحمض] على جبهتي وتدفق على إحدى عيناي ولسع خدّي الأيمن وصرخْتُ." لقد أمسكت أمها ذاك الرجل بشجاعة قبل أن يتمكن من الهرب، إنما "ولسوء الحظ، فالأذية كانت قد حدثت،" تقول أسماء ولأنه ما من طبيب في القرية، كان عليها أن تسافر براً ثم تستقل زورقاً لتصل إلى أقرب مركز صحيّ، وهي رحلةٌ تستغرق أربع ساعات، وعندما وصلت إلى المركز لم يكن هناك أحدٌ يعرف كيف يعالج الإصابات. وفي النهاية أوصلها أحد أصدقاء العائلة إلى مؤسسة الناجين من الحمض، وهي منظمة غير حكومية كانت قد بدأت لتوها في العاصمة، داكا.

"الرجال يستخدمون الحمض لأنهم لا يريدون القتل، بل التشويه فقط،" تقول منيرة رحمن، المدير التنفيذي لمؤسسة الناجين من الحمض، والتي توضّح بأنّه بينما يلجأ العاشقون المرفوضون إلى ممارسة العنف باستخدام الحمض أحياناً، يمكن أيضاً اللجوء إليه لتحقيق غايات أخرى. ومعلومٌ أنّ الحروق الحمضية يمكن أن تصهر الجلد حتى العظم، ولذا فهي غالباً ما تتطلّب معالجة طبية باهظة التكاليف. والتعويض القانوني يحتاج لوقتٍ طويل، وهكذا فهو باهظ التكلفة أيضاً، وبالتالي فغالباً ما يكون الغرض من العنف باستخدام الحمض هو تدمير العائلة، وليست الضحايا دائماً من النساء. ووفقاً للدكتور الكسندر بوتشارت، منسّقِ وحدة الوقاية من العنف في منظمة الصحة العالمية، فإنّ "دراسات الحروق الكيميائية الناجمة عن الاعتداء على مدى الأربعين سنة الماضية تكشف بأنّه بينما تكون معظم الضحايا من النساء في بعض الأماكن، فالرجال عموماً يقعون تحت الاختطار الأعظم." وهو يستشهد بجامايكا كأحد البلدان التي تذكر نساؤها لجوءهنّ إلى العنف باستخدام الحمض ضدّ الرجال أكثر مما يحدث العكس.

إحدى الناجيات من اعتداءٍ بالحمض تخضع للجراحة في بنغلادش
بإذنٍ كريم من مؤسسة الناجين من الحمض
إحدى الناجيات من اعتداءٍ بالحمض تخضع للجراحة في بنغلادش

بيد أنّ الدراسات قاصرةٌ لأنها تستشهد فقط بالحالات التي تم الإبلاغ عنها فعلاً. ويقول المدافعون إنّ هذا جزءٌ صغيرٌ من المشكلة، ومداها الحقيقي أعظم بكثير لأن النساء غالباً ما يكنّ خائفات جداً من الإبلاغ عن العنف باستخدام الحمض في حين تحيا الكثيرات في خوف من الهجمات الحمضية. ويضيف هؤلاء أنّه في بنغلادش، وأكثر البلدان الأخرى في آسيا وفي أفريقيا، حيث يحدث العنف باستخدام الحمض، يكون النموذج هو ممارسة الذكر للعنف ضد الأنثى.

وبالنسبة للدكتور بوتشارت فهذا اعتبار مهم لأنّ التصدي للمشكلة بفاعلية يتطلّب تعريف من هم تحت الاختطار الأعظم ليرتكبون هذه الجريمة أو ليصبحون ضحايا لمثل هذا العنف. ويقول بوتشارت إنّ منظمة الصحة العالمية تضع الآن مع شركائها دليلاً حول أفضل الممارسات للوقاية من الحروق عند الناجين وتقديم الرعاية لهم، متضمناً جزءاً مخصّصاً للحروق الناجمة عن العنف باستخدام الحمض.

لا توجد تقديرات عالمية لعدد ضحايا الاعتداءات باستخدام الحمض كلّ عام. وبعيداً عن بنغلادش، فقد تم التبليغ عن العنف باستخدام الحمض في أفغانستان وكمبوديا والصين والهند وجامايكا ونيبال ونيجيريا وباكستان وجنوب أفريقيا وأوغندا. وهناك أيضاً بضع حالات فردية في أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي حالة مشهورةٍ جداً في المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية، قضت عارضة الأزياء ومقدمة البرامج التلفزيونية كاتي بيبر أكثر من عامٍ وهي تخضع لجراحات وعلاجات طبيعية لإعادة بناء وجهها بعد تعرضها لاعتداء بالحمض في عام 2008.

وقبل 1999، لم يكن يتحدث في هذا الموضوع سوى بضعة بلدان، لكن، ومنذ ذلك الحين، وبدعمٍ من مؤسسة ترست الدولية للناجين من الحمض (ASTI)، وهي منظمة غير حكومية مقرها هو المملكة المتّحدة، تم إنشاء مؤسسات الناجين من الحمض في عدّة بلدان، بما في ذلك كمبوديا وباكستان وأوغندا (كما يُخطّط لإنشائها في الهند والنيبال)، وتزايد إدراج العنف باستخدام الحمض على جدول أعمال السياسة. "يحدث هذا فقط في البلدان التي توجد فيها مؤسسة الناجين من الحمض التي تقوم بتعبئة دعم الرأي العام وتعمل مع الحكومة"، يقول جوم موريسون، رئيس مؤسسة ترست الدولية للناجين من الحمض (ASTI) ومؤسسها، ويشير إلى أنّ مؤسسات الناجين من الحمض تقوم برفع الوعي تجاه المشكلة والدفع باتجاه مراجعة أكثر التشريعات إلحاحاً أو خلقها، هذا فضلاً عن دعم الضحايا.

كانت حكومة بنغلادش من السبّاقين للقيام بهذا مع تشريعها في العام 2002 لقانون مكافحة الحمض. وبفعل هذا القانون، أصبح إنتاج الحموض واستيرادها ونقلها وخزنها وبيعها واستعمالها دون ترخيص جريمةٌ يُعاقَب عليها بالسّجن من ثلاث سنوات إلى عشرة، وينطبق ذلك أيضاً على حيازة المواد الكيميائية وأدوات إنتاج الحمض غير المرخصة. كما تبنّت بنغلادش إجراءات لتعجيل العملية القضائية بتأسيس المحاكم المتخصصة. وحكومة الباكستان أيضاً توشك على تشريع قوانين جديدة، بينما تراجع حكومة أوغندا قوانين تتعلّق بالعنف باستخدام الحمض مع توجّهٍ نحو تقويتها. أما في كمبوديا فقد كُلّفت لجنة حكومية بمهمّة صياغة التشريع الجديد لكبح العنف باستخدام الحمض، وقد شُكّلت هذه اللجنة في شباط/فبراير 2010، بعد سيل الاعتداءات الذي بدأ في أواخر 2009. ومن المحتمل أن ينظّم التشريع مبيعات الحموض وقد يفرض أحكاماً أقسى على المعتدين بما في ذلك السجن المؤبّد، طبقا لمسودة نائب رئيس اللجنة أوك كيملاك.

وبالرغم من المزيد من الانتباه إلى العنف باستخدام الحمض في بنغلادش، فهناك الكثير جداً مما يتوجب عمله لمنع الاعتداءات في المستقبل ولتلبية احتياجات الضحايا. فأولاً، وبحسب رحمن ، تبقى معدلات الاتهام بهذه الاعتداءات منخفضةً جداً - تتراوح بين 10 و20%. وثانياً، ما زالت بنغلادش تكافح من أجل تلبية احتياجات الضحايا على الجبهة السريرية. فأربعة عشر من جرّاحي التجميل المؤهّلين الخمسة عشر في البلاد يعملون في وحدة الحروق في داكا والتي تتسع 50 سريراً، ويبقى واحدٌ فقط يعمل في وحدة الحروق في شيتاجونج، جنوب شرقي البلاد. إنّ أحد أكبر التحديات في معالجة مرضى الحروق الحمضية هو التصرّف دون تأخير، ولذا فقلة المرافق خارج داكا مشكلةٌ ضخمة. فرأي الدّكتور سمانتا سن، مدير مشروع وحدة الحروق في مستشفى كليّة داكا الطبية، هو أنّ أحد الحلول يتضمن تدريب المزيد من الأطباء والمساعدين إذ يقول: "هناك حاجة لوجود معهدٍ مستقل للحروق وجراحة التجميل". وفي هذه الأثناء، خطت الحكومة خطوات نحو افتتاح وحدة حروق في كلٍّ من المستشفيات العائدة لكليات الطب الثلاث عشرة في البلاد.

مناهضو العنف باستخدام الحمض في بنغلادش
بإذنٍ كريم من مؤسسة الناجين من الحمض
مناهضو العنف باستخدام الحمض في بنغلادش

مثالياً، وفي المقام الأول، يجب ألا تحدث الاعتداءات، والحكومة تعمل لجعل هذا حقيقةً من خلال تطوير الصلات مع أجهزة الإعلام المحليّة والوطنية لتركيز الانتباه على المشكلة. والمستهدفون الرئيسون للحملة الحكومية لرفع الوعي هم الذكور في بنغلادش، وهو ما رحب به موريسون من مؤسسة ترست الدولية للناجين من الحمض ، ملاحظاً أنّ فريق الكريكت الوطني حمل لواء التنديد بالعنف باستخدام الحمض علناً. والامتداد المجتمعي من النوع الذي تقوم به مؤسسة بنغلادش للناجين من الحمض ، والتي أسست ارتباطات وثيقة مع منظمات قاعدية غير حكومية أخرى مثل ناريبوكو ولجنة تنمية ريف بنغلادش (BRAC)، يمكن أن يلعب أيضاً دوراً في الوقاية.

هناك أسبابٌ في الوقت الحاضر للتفاؤل الحذر بشأن المستقبل في بنغلادش، فرغم معدل الاتهام المنخفض ضد الجناة ونقص الرعاية الصحية المتخصّصة، انخفض، بحسب رحمن وموريسون، العدد المقدّر من الاعتداءات باستخدام الحمض من 500 في عام 2002 إلى أقل من 100 في عام 2010. ويجب أن تحصل مؤسسة الناجين من الحمض على الكثير من التقدير لمساهمتها في ذلك، وبالطبع أيضاً لمساهمتها في لمّ شتات حياة أسماء أخطر المحطّمة قبل 12 عاماً. خضعت أسماء للجراحة التجميلية في كليّة داكا الطبية وأرسلت أيضاً إلى الخارج للمعالجة. تقول أسماء: "كانت عيني قد أتلفت عندما وصلت إلى داكا، ولذا فليس هناك الكثير الذي يمكن عمله حيال ذلك." إنما، ومنذ تلك الليلة الفظيعة، استطاعت أسماء أن تعيد حياتها إلى السواء، فعملت كمستشار زميلٍ للمؤسسة، وتزوّجت وأصبحت أماً فخورةً بابنتها ذات الثلاث سنوات.

شارك