مجلة منظمة الصحة العالمية

أما زالت المضادات الحيوية "تلقائيّة" الاستخدام في فرنسا؟

يتناول الجزء الأول لسلسلة من ثلاث مقالات خاصة حول المقاومة للمضادات الحيوية الحملةَ الفرنسية التي تُعرض كمثال حول كيفية تغيير الطريقة التي توصف بها المضادات ، ولكن، وفق ما أعلنه غاري هومفريس، ما تزال فرنسا بعد عشر سنوات من انطلاق الحملة أكبر الدول الأوروبية المستهلكة للمضادات، وما تزال النزعات تتحرك في الاتجاه الخاطئ.

يتذكر الدكتور بيري فين تأثير حملة وكالة التأمين الصحّي الوطنية الفرنسية عام 2002 لتعزيز استخدام المضاات الحيوية على نحوٍ أفضل توجيهاً عند أطفال كليو دي أندران، تلك القرية الهادئة في دروم جنوب شرق فرنسا، ويقول مبتسماً: "أودّ أن أبدأ بالشرح للوالد لماذا لا يوجد حاجة لعلاج رشح طفله بالمضادات الحيوية، ويهتف الطفل: لأنهاَّ لا تعطى تلقائياً، فهم يعرفون تلك العبارة الشائعة".

كانت عبارة المضادات الحيوية لا تؤخذ "تلقائيا" في الحقيقة عنوان الحملة التي انطلقت في عام 2002 بغاية تخفيض وصف المضادات الحيوية في فرنسا بنسبة 25% خلال خمس سنوات، وقد استهدفت الحملة على الخصوص معالجة الالتهابات التنفسية عند الأطفال، وكان يُحرّر لعلاجها 40% من الوصفات الطبية، وقد كُرّرت كلّ شتاء منذ عام 2002 في موسم أوبئة الالتهابات التنفسية الفيروسية، وكانت جزءاً من مبادرة حكومية أوسع أُطلقت عام 2001، ودعت إلى المحافظة على فعّالية المضادات الحيوية في خطة متعدّدة الجوانب تضمّنت الترويج لتحرّي مستضد المكورات العقدية السريع، والدليل الإرشادي للمعالجة بين مهنيي الرعاية الصحّية، واستهداف أطباء الرعاية الأولية بالتعليم فرداً فرداً.

بموافقة كريمة من وكالة التأمين الصحّي الوطنية الفرنسية.
ملصقٌ استُخدم في حملة وكالة التأمين الصحّي الوطنية الفرنسية، أحد المضادات الحيوية يقول لآخر: "استرح، إنَّها عدوى بلعومية فيروسية، ونحن المضادات الحيوية لا يمكننا المساعدة في التحسّن، حتى لو تدخّلنا"

كانت فرنسا عند انطلاق الحملة في عام 2002 تستهلك المضادات الحيوية أكثر من أي بلد آخر في أوروبا، وتواجه مشكلة المقاومة لمضادات المكروبات التي تنتشر بسرعة، وقد لوحظ وجود مكورات عقدية رئوية مقاومة لأدوية عديدة، وهذا الجرثوم يستعمر الأنف والحلق، ويمكنه أن يتسبّب في مشكلات تتراوح من التهاب الأذن الخفيفة، وحتى ذات الرئة المهدّدة للحياة، وهي خطرة على الخصوص عند الأطفال الصغار والمسنين. ومن المعروف أنَّ أيّ مضاد حيوي يُطوّر ويُستخدم على نحوٍ غير ملائم سيؤدي إلى ظهور مقاومة جرثومية، وأنَّ الاستخدام المفرط للمضادات سيزيد من ذلك الاختطار فقط. يوقظ تهديد المقاومة واسعة الانتشار لمضادات المكروبات شبح وجود عالم بدون صادات فعّالة، حيث يمكن أن يموت المريض من عدوى كانت تُعدّ بسيطة وقابلة للعلاج بسهولة. وقد كرّست منظّمة الصحّة العالمية يوم الصحّة العالمي في 7 نيسان/أبريل 2011 لنشر الوعي حول هذا الموضوع.

تعدّ فرنسا أحد 22 بلداً مرتفع الدخل قام بتدابير لتخفيض استخدام المضادات الحيوية بين عامي 1990 و2007، وقد قُيّمت في دراسةٍ أجراها الدكتور بندكت هوتنير وزملاؤه، ونشرت في مجلة لانست في كانون الثاني/ يناير 2010، ووجدوا أنَّ الحملات التي قُيّمت رسمياً مثل الحملة الفرنسية قد خفّضت من استخدام المضادات الحيوية لدى المرضى الخارجيين فيما يبدو "في البلدان التي كان وصف المضادات الحيوية فيها مرتفعاً على الأقل".

وبحسب دراسة نُشرت في مجلة بلوس ميديسن PLoS Medicine في حزيران/ يونيو 2009 تجاوزت الحملة الفرنسية التوقّعات بتحقيق خفض قدره 26.5% في عدد وصفات المضادت الحيوية خلال خمس سنوات، ورغم أن الحملة الإعلامية الفرنسية لم تكن أولى الحملات التي حقّقت نتائج هامة (فقد خفّضت الحملات الإعلامية السنوية في بلجيكا مثلاً وصف المضادات الحيوية بين عام 1999 و2000 و2006 و2007 بنسبة 36% مثلاً) إلا أنَّها غالباً ما تعدّ نموذجاً.

وفي حين يرى الأستاذ بينو شليمير رئيس لجنة المحافظة على فعّالية المضادات الحيوية التي عيّنتها الحكومة أنَّ إنجازات الحملة الفرنسية لا تنكر، فإنّه بعد تسع سنوات من انطلاقها ما يزال هناك مخاوف كبيرة بشأن طريقة وصف المضادات الحيوية واستهلاكها في فرنسا، لأمر واحد ما تزال فرنسا قريبة من قمة جدول دوري مستهلكي المضادات الحيوية في أوروبا بعد أكبر واصفَين للمضادات الحيوية؛ وهما اليونان وقبرص، ورغم أنّ جداول الدوري قليلة الأهمية لديه يقول شليمير: "الأمر الهام أنّ وصف المضادات الحيوية لدينا يتجاوز الوسطي في أوروبا بنسبة 50%، فنصف الوصفات المحرّرة [للمضادات الحيوية] في فرنسا دون جدوى"، ويقول شليمير: "إنّ الحال لم يتحسّن، وفي الواقع تزايد وصف المضادات الحيوية بنسبة 4% لدى البالغين بين عامي 2008 و2009". يضاف إلى ذلك أنَّ التزايد كان حاداً من شتاء إلى آخر؛ فقد قفز بنسبة 10% على الأغلب.

ُترى أين مكمن الخطأ؟ أحد التفسيرات قد تكون في الطريقة التي يتلقى فيها الأطباء الفرنسيون أجورهم، فدخل الدكتور فين يرتبط بعدد المرضى الذين يعاينهم مثل جميع الممارسين العامين الفرنسيين، لديه مصلحة مالية في اجتذاب المرضى والمثابرة على تقديم استشاراته في أقصر وقت ممكن. يقول شليمير: "إنَّ الوقت هو المال، وفي الواقع من الأسرع أن تصف مضاداً حيوياً بدلاً من أن تستغرق نصف ساعة وأنت تشرح للمرضى لماذا ليسوا بحاجة إلى ذلك المضاد حقاً".

وفي الوقت نفسه لا يعدُّ الطلب من المرضى أن يذهبوا ثم يراجعوا مرةً أخرى إذا ما ساءت أعراضهم بالأمر السهل أيضاً، ويعترف فاين: "يفضّل الناس ألا يعودوا". وبعض الأطباء مستعدون لاتخاذ موقف، يقول الدكتور البان بينيه: "أقول ]لمرضاي[: إذا ما كنت قد شخّصتَ العلّة ووصفتَ العلاج فإنّك لست بحاجةٍ إليّ"، ويقول ممارس عامٌ أخر يستقر خارج قرية لاباجو دي مازنك على بعد بضعة كيلومترات من كليو داندران: "إنني أعطيهم كراس الوصفات الطبية، وأقول: هيا حرّر الوصفة"، ويرى بينيه أنَّ الحملة قد زادت الوعي العام بموضوع المقاومة، وجعلت من الأسهل كسب المناقشة، ولكن يعترف أنَّ بعض المرضى لا يرغبون أن يُرفض مطلبهم، وفي حال رفضه سيذهبون ببساطة للبحث عن طبيب آخر يعطيهم ما يريدون.

من الواضح أنَّ ذلك ليس مشكلة فرنسا بمفردها، يقول الأستاذ جون كونلي من مركز المقاومة لمضادات المكروبات في جامعة كالغاري بكندا والرئيس السابق لمجلس اللجنة الكندية لمقاومة الصادات: "إنَّها طبيعة بشرية، والأطباء يذعنون لضغوط المرضى لجملة من الأسباب؛ أحدها- تبعاً لنظام الرعاية الصحّية- خشيتهم من فقدان مرضاهم".

أجمع الأطباء والمرضى الذين جرت مقابلتهم من أجل هذا المقال أنَّ الأطباء عادةً ما ينتهون إلى تبنّي نوع من الحلّ الوسط حيث يصفون المضادات الحيوية المطلوبة، ثم يخبرون المريض أن ينتظر قبل أخذها ليرى ما إذا كانت الحالة ستتحسّن من تلقاء نفسها. ويقول لورانس ديبراز، وهو أب عمره أربعون عاماً لطفلين عرضة لالتهابات الأذن والسعال: إنَّ طبيب أطفاله في باريس يجري اختبار المسحة الفموية قبل وصف المضادات الحيوية، ولكن "حتى لو كان من الواضح أنّ العلّة لا تحتاج إلى استخدام المضادات الحيوية آنذاك فإنَّ طبيب الأطفال يحرّر باستمرار وصفة ثانية للمضادات لاستخدامها بعد ثلاثة أيام إذا لم تتراجع الأعراض". يقول شليمير: "ثمّة مشكلة في السلوك هنا، نوعٌ من الكسل الفكري فحواه أنَّ ذلك قد لا يقدّم للمريض أيّ منفعة، ولكن بالتأكيد لا يؤذيه".

بيد أنَّ ذلك سيؤذيه على المدى الطويل؛ لأنَّ الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية يؤدي إلى تطوير جراثيم مقاومة، وقريباً أو بعيداً قد يتعرّض المريض نفسه لجرثوم ستكون معالجته ببساطة غير فعّالة، وقد يكون تغيير الطريقة التي يتلقّى من خلالها الأطباء أجورهم أحد الحلول للمشكلة الفرنسية، ولكن بحسب شليمير فإنَّ هذا الموضوع حساس جداً؛ لأنَّ الأطباء الفرنسيين يمانعون مناقشته: "لقد تحدثنا مع وزارة الصحّة حول إمكانية تحفيز الأطباء للتقليل من وصف المضادات الحيوية، إلا أنَّ أيّ قرار لم يتخذ" ويضيف: "إنني شخصيّاً لست متأكداً من أنّ ذلك سيغيّر كثيراً. إنها مسألة ثقافية، وقد يستلزم تغيير السلوك مدّة 10 سنوات، وربما 20 سنة، ولكننا نواجه كارثة ما لم ننجح".

شارك