مجلة منظمة الصحة العالمية

التلقيح: جَلَبَةُ سلسلة الإمداد

يَضغط إدخال اللقاحات الجديدة المرافق للعمل على التوسّع في التمنيع عالمياً بهدف الوصول إلى كلّ طفل على سلاسل الإمداد باللقاح إلى الحدّ الأقصى، وثمّة حاجة إلى تفكير جديد بطرق إيتاء اللقاحات. تقرير غاري هيميفرس

Bulletin of the World Health Organization 2011;89:324–325. doi:10.2471/BLT.11.030511

ربما كان العقد الأول من هذا القرن الأكثر نتاجاً في تاريخ تطوّر اللقاحات، فقد شهد إطلاق العديد من اللقاحات المنقذة للحياة ضد إسهال الفيروس العجلي rotavirus وأنماط من التهاب السحايا وذات الرئة وعدوى فيروس الورم الحليمي البشري التي تسبب سرطان عنق الرحم. يقول الدكتور عثمان منصور من منظمة الأمم المتحدة للطفولة في نيويورك، وهو من كبار المستشارين الصحيين في البرنامج الموسع للتمنيع واللقاحات الجديدة: "إننا في حالة صعبة جداً حالياً مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات"، ويلحظ أنَّ لقاحات أكثر في الطريق، وفي الواقع يوجد أكثر من ثمانين لقاحاً في المراحل الأخيرة من الاختبار السريري، وقد صُمّم أكثر من ثلاثين منها للوقاية من الإصابة بأمراضٍ كبرى بما فيها الملاريا وحمّى الدنك.

في الوقت ذاته يزدهر سوق اللقاحات العالمي؛ فمنذ عام 2000 تضاعفت عائدات بيع اللقاحات ثلاث مرات تقريباً لتصل إلى أكثر من 17 مليار دولار أمريكي في منتصف عام 2008، وفي حين أنّ معظم هذا التوسّع كان ناجماً عن بيع لقاحات حديثة وأكثر تكلفةً في البلدان الصناعية، فإنّ المزيد من اللقاحات تصل إلى البلدان النامية أيضاً بجهود التحالف العالمي للقاحات والتمنيع؛ وهو شراكة أُسّست عام 2000 بين القطاعين العام والخاص لزيادة التمنيع في البلدان الفقيرة.

WHO/Umit Kartoglu

تقدّر منظمة الصحّة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أنَّ ما يزيد قليلاً عن 80% من أطفال العالم حالياً يُتاح لهم التمنيع بحسب قياس شمول الجرعة الثالثة من اللقاح الثلاثي DTP (الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي), في حين توجد أعداد متزايدة أيضاً تُتاح لها لقاحات جديدة وفعّالة. يقول منسّق تحسين المشروع موديبو ديكو Modibo Dicko في إشارةٍ إلى برنامج منظمة الصحّة العالمية الموسّع للتمنيع الذي أُطلق عام 1974: "اعتمدت البلدان في الماضي على مضمومةٍ من اللقاحات ضد أمراضٍ ستة، أمّا الآن فقد ضاعفت بعض البلدان عدد اللقاحات التي تقدّمها".

ومع تشجيع الجميع لذلك يبدو أنَّ التوسّع في برامج التمنيع وإدخال لقاحات جديدة يلقي عبئاً غير مسبوق على أنظمة الإمداد التي لم تتغيّر منذ عقود. ويُعدّ جيمس شيني James Cheyne مستشار سلسلة الإمدادات الذي بدأ حياته المهنية في الخدمات اللوجستية للقاحات في بورما (ماينمار حالياً) عام 1977 في موقعٍ حسن للحكم على تلك النظم؛ فقد كانت له اليد في تصميم العديد منها بنفسه.

يذكّر شيني بالطبقات الموجودة غير الضرورية في شبكات التوزيع بوصفها أحد الهموم الرئيسة، فيقول: "يوجد عادةً مخزن رئيسي يزوّد المخازن الإقليمية التي تغذّي مخازن المقاطعات ومخازن المناطق الصحيّة التي تقوم بدورها بإمداد المراكز الصحية المحليّة" مشيراً إلى أنَّ هذه الطبقات أُحدثت قبل ثلاثين عاماً لأنَّ خطوط الاتصالات كانت ضعيفة, في حين أنَّ تكنولوجيا الاتصالات منخفضة التكلفة هذه الأيام غيّرت الأمور. يقول شيني: "إنّك لا تحتاج إلى مخزنٍ في كلّ مستوى إداري بعد الآن؛ فلدينا الهواتف المحمولة، والشخص الموجود في المركز الصحّي يمكنه الاتصال بالمخزن المركزي مباشرةً".

يُعدّ الاستخدام الأفضل لهذا النوع من التكنولوجيا أحد الجوانب الرئيسة للعمل الذي يؤديّه مشروع التحسين بالتعاوّن بين منظّمة الصحّة العالمية وبرنامج استخدام التكنولوجيا المناسبة في الصحّة(PATH)، وهو منظّمة غير حكومية.

يرى ميشيل زفران مدير مشروع التحسين أنَّ تكنولوجيا المعلومات هي المفتاح في مقارعة واحدةٍ من أكبر المشكلات التي تواجهها أنظمة توزيع اللقاحات، ألا وهي التخزين خلال الإمداد. وفي مقابل ذلك تبدو فكرة أنَّ ما يعرقل برامج التمنيع وجود لقاحات كثيرة متناقضة، ولكن في الحقيقة يزيد تخزين اللقاحات من تكاليف التخزين المبرّد، وينتج نفايات (عندما تُهمل اللقاحات، أو تتضرّر، أو لا تُستخدم قبل موعد انتهاء صلاحيتها, وعندما لا تستخدم جميع القوارير متعدّدة الجرعات).

يقول زفران: "نريد أن يكون المخزون الاحتياطي أقل ما يمكن مع الرغبة الدائمة في وجود لقاحات كافية لتلقيح الأطفال" مؤكّداً أنَّ ذلك يعني وضع أنظمة معلومات وتقنيات تزوّد المديرين بصورة في الزمن الحقيقي عما يوجد من مخزون على نطاق البلد، ومعرفة ما إذا كانت الكميات تلبّي متطلبات إستراتيجية التمنيع فيه.

WHO/Umit Kartoglu

ووفقاً للدكتور منصور من منظمة الأمم المتحدة للطفولة فإنَّ المشكلة الأكثر إلحاحاً تبرز عندما تعجز إمدادات اللقاحات عن تلبية طلب الأطفال الذين يحضرون من أجل دورات التمنيع.

يمكن أن تتفاقم تلك المشكلات أكثر عند تزايد حجم اللقاحات التي تتدفّق من خلال النظام، وهذا واقع الحال منذ عام 2000، فقد أصبحت اللقاحات أضخم، ويعود ذلك جزئياً إلى سياسات المصنّعين في التعبئة والتغليف. ووفق تفسير زفران فإنّ رفع السعر أحد الموجّهات الرئيسية لتلك النزعة: "في الأيام الأولى، عندما كان اللقاح يكلّف 0.1 دولار أمريكي، شجعت منظمة الصحّة العالمية العاملين الصحيين على فتح قارورة من أجل طفل واحد حتى لو كان ذلك يعني تبديد تسع جرعات، وقد وصلت معدّلات الضياع إلى 60% أو 70%. والآن نُدخل لقاحات تكلّف الجرعة الواحدة منها العديد من الدولارات، لقد تغيّرت الأمور".

ووفقاً لديكو فإنّ تكلفة الجرعة الواحدة من اللقاحات الأحدث بين 3.5 و 7.5 دولار أمريكي (عندما تُشترى عن طريق منظمة الأمم المتحدة للطفولة)، وأحياناً أكثر، وغالباً ما تُقدّم اللقاحات الأحدث في عبوات وحيدة الجرعة أو ثنائية الجرعة، وفي حين أنَّ ذلك يساعد في الحدّ من الهدر، فإنّه يعني أيضاً أنّنا نحتاج إلى حيّز أكبر للجرعة الواحدة في سلسلة التبريد مقارنةً باللقاحات التقليدية في برنامج التوسّع بالتمنيع التي تحتوي القارورة الواحدة منها على 10 جرعات أو 20 جرعة.

أمّا الموجِّه الكبير الآخر لزيادة الحجم فهو التغليف الأكثر تعقيداً؛ فحتى عام 2009 كان لقاح المكورات الرئوية المقترن (ضد مجموعة من أخماج الأطفال بما فيها ذات الرئة والتهاب السحايا) اللقاح الوحيد المتيسّر في محاقن معبأة سلفاً تحتاج حيّزاً للتخزين أكبر بعشرين مرة من القوارير ذات الجرعات العشر. يقول ديكو: "تحتاج اللقاحات الحديثة حيّزاً فيزيائياً أكبر بخمس مرات عند التخزين المبرّد"، واستشهد بالمشكلات التي واجهت تركيا كمثال لهذا النوع من الصعوبات التي تنجم عن ذلك: "احتاجت تركيا في عام 2005 إلى 2600 م2 من التخزين المبرّد لاستيعاب مخزوناتها من اللقاحات، وعندما أَدخلت الجيل الأول من لقاح المكورات الرئوية عام 2008 قفزت حاجات حيّز التخزين في تركيا إلى أربعة أضعاف، لتبلغ 11400م2"، وقد تطلّب الأمر استئجار حيّزات للتخزين المبرّد". لقد وجدت تركيا حلاً، ولكن ليس بمقدور كلّ بلد أن يجده، ويرى زفران أنَّ ذاك المثال لم يكن قوياً بما يكفي لبيان الحالة التي تواجه بلدان عديدة بوصفها "أزمة"؛ فيقول: "تؤجل البلدان إدخال تلك اللقاحات بسبب عدم وجود سعة استيعاب لديها، والواقع أنّ بعض البلدان تؤخّر وقت وصول اللقاحات حتى لو سدّد ثمنها آخرون؛ فليس لديها سعة استيعاب سواء على المستوى المركزي أو في البلد".

يدفع هذا النوع من المشكلات التي واجهتها تركيا الناس إلى إعادة التفكير باستخدام سلسلة التبريد، وضبط درجة حرارة سلسلة الإمداد الذي استخدم تقليدياً من أجل إيتاء جميع اللقاحات عملياً. ويشرح شيني ذلك بقوله: "معظم اللقاحات تخزّن في درجة حرارة تتراوح بين 2 و8 درجات مئوية" في إشارةٍ إلى الإرشادات المذكورة على عبوات اللقاح.

يقول شيني: "أحد اللقاحات يمكن أن يُحفظ مدّة ستة أشهر بدرجة 45 مئوية، إلاّ أنّ المطلوب ما يزال حفظه بدرجة تتراوح بين 2 و8 درجات مئوية، وليس لذلك مغزى على الإطلاق". إنّ تحريك بعض اللقاحات من سلسلة التبريد إلى سلسلة الحرارة المضبوطة، لتكن 25 درجة مئوية مثلاً، سيفسح المجال للقاحات أخرى، أو يمكّن البلدان من خفض تكاليف التخزين بحسب رأي شيني. أمّا الدكتور منصور من منظمة الأمم المتحدة للطفولة فيرى مِيْزة أخرى: "برأيي أنَّ المسألة ليست في إخراج الكثير من اللقاحات من سلسلة التبريد، بل الحصول عليها بعد سلسلة التبريد عندما تصل إلى مناطق لا يوجد فيها تبريد حيث يمكن أن يستفيد منها المزيد من الأطفال".

WHO/Umit Kartoglu

ويرى منصور أنَّ التحريك يغدو مقنعاً أكثر؛ نظراً إلى وجود راصدات قوارير اللقاح عملياً على ملصقات جميع اللقاحات التي تُشحن عن طريق منظمة الأمم المتحدة للطفولة. وتحمل هذه الملصقات صورة دائرة تحتوي على مربّع أبيض، ويشرح منصور: "يصبح المربّع الأبيض أقتم بتعرّض اللقاح لحرارة تراكمية، فإذا ما تعرّض لسخونة تجعله أقل فعّاليةً فإنَّ راصدات قوارير اللقاح تكشف ذلك عندما يغدو لون المربع الداخلي مماثلاً للون الحلقة الخارجية أو أقتم منه. لا توجد حالياً طريقة كشف مماثلة للتجميد الذي يُعدّ أكثر ضرراً من التسخين لبعض اللقاحات الأحدث في ترتيبات سلسلة التبريد الحالية". ويوافق ديكو شيني في التفكير؛ فهناك العديد من اللقاحات المرشّحة للخروج من سلسلة التبريد، ومن الأمثلة التي يضربها لقاحات التهاب الكبد B والتهاب الدماغ الياباني والكوليرا والدفتيريا وفيروس الورم الحليمي البشري، لكنه يرى أنّ تلك القائمة لا يمكن وضعها دون موافقة الشركات المصنّعة والسلطات التنظيمية، فيقول: "لا يمكن القيام بذلك خارج تلك العملية، لكننا نأتي بأدلّة تؤكّد أنّ ذلك ممكن، ويجب القيام به".

شارك