مجلة منظمة الصحة العالمية

تحويل الاستجابة العالمية للسل عبر إشراك منظمات المجتمع المدني: دور منظمة الصحة العالمية

Haileyesus Getahun a & Mario Raviglione a

a. Stop TB Department, World Health Organization, avenue Appia 20, 1211 Geneva 27, Switzerland.

المراسلة مع Haileyesus Getahun (e-mail: getahunh@who.int).

(Submitted: 03 February 2011 – Revised version received: 17 May 2011 – Accepted: 17 May 2011.)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2011;89:616-618. doi: 10.2471/BLT.11.086801

معلومات أساسية

منظمات المجتمع المدني هي منظمات غير ربحية تتضمن المنظمات غير الحكومية وعقائدية المرتكز ومجتمعية المرتكز والمستندة إلى المرضى فضلاً عن النقابات المهنية. تُدعى هذه المنظمات أحياناً باسم "القطاع الثالث" بعد القطاع الحكومي "الأول" والقطاع الخاص الربحي "الثاني". وتتراوح فعالياتها المرتبطة بالقطاع الصحي بين الرعاية، وتأمين خدمات البحث والتأييد والدعم والتفعيل، والمساهمة في الخدمات والدعم الاجتماعي. ويبقى محركها الأول عادةً حماية المجموعات الأضعف وتقويتها وتعزيز المجتمعات التي تخدمها.

أصبح دور منظمات المجتمع المدني وتأثيرها في الصحة العالمية موضوعاً شديد الأهمية نتيجةً للتغيرات الديموقراطية في البيئة السياسية للبلدان والحاجة للابتكار في الصحة العالمية.1 لقد ولّد التحفيز القوي للاستجابة الأفضل للاحتياجات الصحية والإنسانية المُلحّة جدلاً حول كيفية إضفاء الطابع الرسمي على المساهمة المهمة، وفي الأوقات العصيبة، لمنظمات المجتمع المدني في حَوكمة الصحة العالمية. واقترح البعض تأسيس "اللجنة C" المؤلفة من الجهات الفاعلة غير الحكومية في جمعية الصحة العالمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية.1 وفي أحد تقاريرها إلى اجتماع جمعية الصحة العالمية الرابع والستين في أيار/مايو 2011، اقترحت المدير العام لمنظمة الصحة العالمية إقامة منتديات الصحة العالمية لمختلف المعنيين كوسائل لإشراك المجتمع المدني وغيرهم من اللاعبين الرئيسين.2

وفي عرضنا لوجهة النظر هذه، نجادل في ضرورة عمل الحكومات على إعطاء منظمات المجتمع المدني المزيد من المساحة والاعتراف لتيسير استجابة صحية أقوى مع التركيز خصوصاً على الوقاية من السل ورعاية المصابين به ومكافحته. كما ندافع عن وجوب أن تلعب منظمة الصحة العالمية وشركاؤها الدوليون دور الوسيط والميسّر لتحفيز العملية، ونقدم إطاراً سياقياً حول كيفية تحقيق ذلك.

الاستجابة لفيروس العوز المناعي البشري/الإيدز

بالرغم من أن أول تعزيز لمشاركة المنظمات غير الحكومية في الصحة العالمية كان في مؤتمر الرعاية الصحية الأولية عام 1978 في ألمآتا،3 فقد كانت هناك زيادة سريعة في مشاركتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة في الاستجابة لفيروس العوز المناعي البشري/الإيدز.4، 5 وقد كان هذا نتيجةً لزيادة توافر الموارد من منظمات حكومية وخيرية متعددة فضلاً عن الاهتمام الجديد بتأمين التمويل عبر منظمات المجتمع المدني بدلاً من البُنى الحكومية التقليدية.6 وفي العديد من البلدان كانت منظمات المجتمع المدني مسؤولة عن معالجة معظم الموارد لإيتاء الخدمات للأفراد ولعبت دوراً قيادياً في وضع الاسترتيجيات المستدامة لتخفيف أثر فيروس العوز المناعي البشري/الإيدز وتنفيذها. كما أنتجَ الارتباطُ بين منظمات المجتمع المدني العالمية والوطنية وتشبيكُها تغيراتٍ مهمةً في البرامج والسياسة الوطنية الخاصة بفيروس العوز المناعي البشري/الإيدز والقضايا الصحية الأخرى.5، 6

التصدي للسل

يُصاب أكثر من تسعة ملايين شخص سنوياً بالسل، ويموت 1.7 مليون كنتيجة لذلك. وهو أحد الأسباب الرئيسة للمراضة والوفيات القابلة للاتقاء، وخصوصاً بين المصابين بفيروس العوز المناعي البشري والنساء والأطفال.7 والسل مرتبطٌ بشكلٍ معقد بهذا الفيروس ويرتبط بشدة بالأمراض غير السارية ومحددات سوء الصحة كالسكري والتدخين والكحولية وسوء التغذية.8

وبسبب طبيعته المعقدة، تواجه فعاليات الوقاية من السل ورعاية مرضاه ومكافحته العديد من الصعوبات. وإحدى المشاكل المهمة في هذا السياق هي أنّ ثلث حالات السل المقدرة عالمياً إما أنه لم يتم التبليغ عنها رسمياً في النظام العمومي أو أنّ الخدمات الموجودة لم تصل إليه على الإطلاق.8 ومن النادر أن يُعتبر السل كأولوية من قبل السلطات السياسية الوطنية ووكالات الأمم المتحدة وبنوك التنمية والصناعة الدوائية والمنظمات الخيرية. كما إنه مهمَلٌ غالباً ضمن جداول أعمال التنمية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. ورغم تسببه بموت أكثر من نصف مليون من النساء وأكثر من 50000 من الأطفال، نادراً ما يُعترَف بالسل ضمن مبادرات صحة الأمومة والطفولة، ما أدى إلى إهمال علاقاته الصميمة بمرامي التنمية الألفية 4 و5 و6. وأكثر من ذلك، فهناك نقصٌ في التعاون على مكافحة السل بين وزارات الصحة والوزارات الأخرى (كوزارات العدل من أجل الخدمات الصحية في السجون ووزارات العمل من أجل الخدمات الصحية في المناجم). تحتاج هذه الصعوبات المتنوعة إلى سُبلٍ استراتيجية لبقة وابتكارية للتعامل مع المشكلة عالمياً ووطنياً. وستلعب المشاركة المحسنة والفعالة لمنظمات المجتمع المدني دوراً حاسماً في تحويل الاستجابات العالمية والوطنية للسل.

منظمات المجتمع المدني

تمتلكُ هذه المنظمات أفضلية نسبية تتمثل في التأثير ثنائي الاتجاه على البنى المجتمعية والمؤسسات الحكومية؛ ومعرفة الأحوال المحلية وفهمها؛ والمرونة تجاه الأوضاع المحلية والتأقلم معها. كما إنّ قدرتها على العمل في المناطق البعيدة وصعبة الوصول ومناطق النزاعات يوفر فرصة فريدة لزيادة كشف حالات السل المبكر ومعالجته عبر توليد الطلب على الخدمات وتوسيع الرعاية مجتمعية المرتكز. وإذا تم التخطيط لذلك بشكل جيد، فإنه سيوسع الوقاية من السل ورعاية مرضاه ومكافحته أبعد من المرافق الصحية وإلى مناطق يصعب أن تصلها البرامج الوطنية.

منظمة الصحة العالمية

من خلال دورها الجوهري في تأمين الدعم التقني لوزارات الصحة، تستحوز منظمة الصحة العالمية على أفضلية نسبية في التأثير على صناعة السياسة الوطنية وتنفيذ البرامج الوطنية. وبالتالي، يجب عليها تسخير وظائفها الجوهرية تماماً لتعزيز المشاركة الفعالة لمنظمات المجتمع المدني في الاستجابات العالمية والوطنية لمعظم المهددات الصحية. ويجب أن تساعد أدوار منظمة الصحة العالمية في التيسير والوساطة على تطوير ارتباطات أقوى بين وزارات الصحة ومنظمات المجتمع المدني. ولتنفيذٍ فعالٍ لهذه الوظائف، يجب على منظمة الصحة العالمية أن تقدم المزيد لتقوية كفاءة العاملين وسرعة تأقلمهم، وخصوصاً في البلدان. أكثر من ذلك، وبينما لا يزال التردد يكتنف مشاركة منظمات المجتمع المدني، ينص دستور منظمة الصحة العالمية بوضوح في المادة 2-ب منه على أنّ منظمة الصحة العالمية سوف: "... تؤسس تعاوناً فعالاً وتصونه مع... المجموعات المهنية ومثلها من المجموعات الأخرى كلما كان ذلك مناسباً".9

الارتباطات مع الحكومة

مع الدور المتنامي لمنظمات المجتمع المدني في الصحة العالمية، غالباً ما يتم التعبير عن مخاوف تتعلق بمشروعيتها ومسؤوليتها وتمثيلها، وخصوصاً إذا كان غرضها تمثيل ذوي الصحة السيئة.6 ومن المهم تفادي تشتت الجهود وازدواجيتها؛ والبنى المتوازية، وخصوصاً المتعلقة بالمناطرة والتقييم؛ وتأمين الخدمات سيئة الجودة التي لا تتماشى مع السياسات وممارسة البرامج الوطنية. وللتغلب على هذه المشاكل والعمل بفعالية هناك حاجة للتعاون بين الحكومات وهذه المنظمات مع التركيز الرئيس على إيتاء الخدمات الصحية ذات الجودة. ولعل الاعتبار الأول يكمن في تنوع المنظمات من حيث حجمها واهتماماتها وقدراتها ومجالها وتغطيتها الجغرافية ومنطقة عملها. والأمر الثاني هو وجوب وضع النظام السياسي والحوكمة في البلد ضمن السياق، وخصوصاً من أجل المنظمات التي تعمل في الدعم والتفعيل الصحيّين. ومن المهم أيضاً الاعتراف بأنه قد يتم فهم التعاون مع الهيئات الحكومية من قبل جمهور الناخبين على إنه ولاء غير ملائم وقد يفرض هذا صعوبةً في التواصل السلس وتقديم الخدمات. وغالباً ما سيتطلب التعاون الفعال موارد إضافية من كلٍّ من الحكومة الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، وسيحتاج لإدخال تقييم منتظم للأداء والأثر. ولعل الفهم الأفضل لهذه العوامل ضروريٌّ وسيساعد على تطوير مقاربات خاصة نوعية لكلٍّ من البلدان.

الطريق إلى الأمام

مقابل بعض الجهود لإشراك منظمات المجتمع المدني في الفعاليات العالمية الخاصة بالسل،4 لا تزال هذه المنظمات تفتقر إلى الاعتراف بها كشريكة شرعية في العديد من البلدان على المستويين الوطني والمحلي، وحتى في الديموقراطيات الراسخة. أكثر من ذلك، فهناك فقط ما يُعد على أصابع اليد الواحدة من المنظمات المستندة إلى المريض والمتضمنة في الاستجابات الوطنية تجاه السل. ويتعقد هذا أكثر بنقص الموارد المالية الكبير من أجل فعاليات السل مجتمعية المرتكز والمستندة إلى المريض. وإن وجد، فهنالك قدرٌ محدود من الوضوح أمام منظمات المجتمع المدني الخاصة بالسل في الحوكمة العالمية والوطنية للآليات المالية الرئيسة كالصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا. يعتبر السل أولويةً للمنظمات العاملة في مجال التنمية وتخفيف الفقر والمرمى الرابع والخامس من مرامي التنمية الألفية وفيروس العوز المناعي البشري والأمراض المزمنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. وما يضفي المزيد من التعقيد على الموضوع النقص في الخبرة وفي إشراك الموظفين من منظمة الصحة العالمية وشركائها الدوليين فيما يخص وساطة إشراك منظمات المجتمع المدني، وخصوصاً على مستوى البلدان.

هناك حاجة ملحة للتغلب على هذه الصعوبات وتحويل الاستجابات العالمية والوطنية تجاه السل عبر شراكات وطنية فعالة وإشراك فاعل لمنظمات المجتمع المدني. وفي هذا السياق فالعمل مطلوبٌ على ثلاثة مستويات. الأول: خلق السلطات الوطنية لبيئة تشريعية وسياسية وبرامجية مناسبة ومخولة وتعترف بالدور الجوهري لمنظمات المجتمع المدني وتعززه. كما ينبغي وضع إطار العمل القانوني الذي يعزز مشاركة هذه المنظمات ويعرف تقسيمات العمل والواجبات والمسؤوليات لكل فريق. وعلى المستوى الثاني، اعتراف السلطات الوطنية بالموقع الفريد لمنظمة الصحة العالمية من حيث تيسير هذه العملية ووساطتها. وكمنسقٍ عالمي للوظائف القياسية، يجب على منظمة الصحة العالمية تيسير ودعم خلق شراكات وطنية فعالة بين وزارات الصحة ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن توسيع دعمها التقني ليشمل هذه المنظمات فيساعدها في بناء القدرات. وأما على المستوى الثالث فيجب على منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال التنمية وتخفيف الفقر والمرمى الرابع والخامس من مرامي التنمية الألفية وفيروس العوز المناعي البشري والأمراض المزمنة وحقوق الإنسان أن تشمل فعاليات الوقاية من السل ورعاية مرضاه ومكافحته ضمن وظائفها الجوهرية. وعليها أيضاً أن تتبع بصرامة المعايير والدلائل الإرشادية الدولية والوطنية المستندة إلى البينة. وتأتي هنا الأهمية الخاصة لأنظمة المراقبة والتقييم الانسيابيين مع المؤشرات الموصى بها بهدف منع الازدواج ودفع الارتباطات مع الأنظمة الصحية الوطنية ومراقبة مساهمتها تجاه تحسين صحة الجمهرات التي تخدمها.

الخاتمة

بينما ندافع عن إشراك أكبر وأكثر قيمة لمنظمات المجتمع المدني في الاستجابة تجاه السل، يمكن تطبيق هذا المفهوم على جميع البرامج الصحية. والاستجابة العالمية الأفضل للتحديات الصحية يجب أن تبدأ بالمبادئ التي صُرّح بها أولاً في إعلان ألمآتا في العام 1978، والتي تثبت حق وواجب الناس في المشاركة، فرادى وجماعات، في التخطيط والتنظيم والتنفيذ فيما يخص الرعاية الصحية بما يسمح بالاستخدام التام لجميع الموارد المتاحة.3 وبينما ظهر هذا النوع من الفعل إيديولوجياً منذ 33 عاماً، فهو الآن مسألة ملحة غير قابلة للنقاش آخذين بالاعتبار الدور الهام الذي لعبته منظمات المجتمع المدني منذ قبولها في الصحة العالمية. ومختصر القول إنه لا يمكن، في العام 2011، غفران تضييع هذه الفرصة الجديدة لتحقيق "الصحة للجميع عبر كل الفاعلين".


الشكر والتقدير

نشكر المشاركين في اجتماع التشاور حول إشراك منظمات المجتمع المدني في مكافحة السل والتي نظمها قسم إيقاف السل Stop TB Department من منظمة الصحة العالمية في 30 أيلول/سبتمبر و1 تشرين أول/أكتوبر في جينيف – سويسرا.

تضارب المصالح:

لم يصرح بأي منها.

المراجع

شارك