مجلة منظمة الصحة العالمية

توافر الخدمة واستخدامها والثغرة العلاجية في الاضطرابات الفصامية: مسح في 50 من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته

Antonio Lora a, Robert Kohn b, Itzhak Levav c, Ryan McBain d, Jodi Morris e & Shekhar Saxena e

a. Mental Health Department/Dipartimento di Salute Mentale, Lecco General Hospital/Ospedale di Lecco, via dell’Eremo 9/11, 23900 Lecco, Italy.
b. Department of Psychiatry and Human Behavior, Warren Alpert Medical School of Brown University and The Miriam Hospital, Providence, United States of America (USA).
c. Mental Health Services, Ministry of Health, Jerusalem, Israel.
d. Department of Global Health and Population, Harvard School of Public Health, Cambridge, USA.
e. Department of Mental Health and Substance Abuse, World Health Organization, Geneva, Switzerland.

المراسلة مع Antonio Lora (e-mail: antoniolora@virgilio.it).

(Submitted: 18 April 2011 – Revised version received: 15 September 2011 – Accepted: 21 September 2011 – Published online: 31 October 2011.)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2012;90:47-54B. doi: 10.2471/BLT.11.089284

المقدمة

الاضطرابات الفصامية حالات نفسية مزمنة وخيمة تصيب 26 مليون نسمة عبر العالم وتؤدي إلى عجز متوسط أو وخيم في 60% من الحالات.1 ونظراً لبدئها المبكر وآثارها المؤدية للعجز، يقع ترتيب الاضطرابات الفصامية في المرتبة الخامسة بين الرجال وفي المرتبة السادسة بين النساء كسبب رئيس لسنوات الحياة المعاشة مع العجز. كما تؤلف الاضطرابات الفصامية ما يقارب 1% من العبء العالمي للأمراض، وتعتبر هذه النسبة متوسطة إلى مرتفعة. كما أنها تمثل 1.3% من سنوات الحياة المصححة للعجز إجمالاً و1.2% و1.6% و0.8% في الشريحة العليا للبلدان متوسطة الدخل والشريحة الدنيا للبلدان متوسطة الدخل والبلدان منخفضة الدخل، على التوالي.2

تلعب خدمات الصحة النفسية دوراً مركزياً في علاج الناس الذين لديهم اضطرابات نفسية، حيث أنها تقوم بدور كلّ من مقدمي الرعاية المباشرين وكداعمين لممارسيّ الرعاية الأولية. تشير المعطيات الحديثة إلى أنه في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته، يمثل علاج المصابين باضطرابات نفسية باستخدام مضادات الذهان من الجيل الأول والتدخلات النفسية الاجتماعية (التعليم الأسري والنفسي)، وعندما يتم إيتاؤها عبر نماذج الخدمات مجتمعية المرتكز، تمثل استخداماً فعال التكلفة للموارد الصحية.4،3 وبرغم ذلك، لا يتلقّى سوى جزء صغير من الناس المصابين باضطرابات فصامية الرعاية من خدمات الصحة النفسية الرسمية.5

إن إتاحة الخدمات التخصصية مقياس أساسي في تقييم مقدرة أنظمة الرعاية الصحية على خفض العبء غير المعالج للاضطرابات النفسية. يتطلب هذا المقياس معلومات عن عدد الأشخاص المصابين باضطرابات فصامية والذين تتاح لهم الرعاية من أصل العدد الإجمالي للناس الذين هم بحاجة للخدمات. وبالإضافة للإتاحة، يعتبر استخدام الخدمة مؤشراً مفتاحياً آخر، والذي يصف الخدمات التي يتلقاها المرضى والتوازن بين رعاية المريض الخارجي والمريض الداخلي. في تقرير سابق، وصف Kohn وزملاؤه6 الثغرة العلاجية على أنها الفرق المطلق بين الانتشار الحقيقي لاضطراب ما وتناسب الأفراد المعالجين بين المصابين بهذا الاضطراب. تتضمن أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية (WHO-AIMS)7 معلومات عن أنظمة الصحة النفسية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته وبذلك تسمح، وللمرة الأولى، بتحليل معمَّق لمدى توافر خدمات الصحة النفسية في هذه البلدان وتقدم هيكلية للتحقق من إتاحة إيتاء الخدمة.

إن مرمى هذه الورقة هو استخدام أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية لتحليل إتاحة خدمات الصحة النفسية للأشخاص المصابين باضطرابات فصامية في 50 بلداً منخفض الدخل ومتوسطه، لتقدير حجم الثغرة العلاجية ولتوصيف استخدام الخدمات الصحية لدى الناس المصابين بالاضطرابات الفصامية.

الطرائق

الأداة: أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية

تتألف أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية من 155 مؤشراً للمدخلات والعمليات التي تغطي ستة ميادين:7-8 (1) إطار السياسات والتشريعات، (2) خدمات الصحة النفسية، (3) الصحة النفسية في الرعاية الأولية، (4) الموارد البشرية، (5) المعلومات العمومية وروابطها مع القطاعات الأخرى، (6) الرصد والبحوث. تقوم هذه الورقة بالتبليغ عن مؤشرات منتقاة تم الحصول عليها من الميدانين الثاني والرابع.

قام باحثون يعملون في كل بلد بجمع المعطيات المتعلقة بالمؤشرات من جميع المصادر المتوافرة (أي الإحصاءات الوطنية والمحلية والمسوح التي خُططت خصيصاً لجمع معطيات أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية) مستخدمين تعاريف واضحة وتعليمات صريحة. وقدم موظفو منظمة الصحة العالمية في البلدان والمكاتب الإقليمية والمقر الرئيسي المساعدة التقنية والإشراف.

العينة

تستند هذه الورقة، التي تركز على خدمات الصحة النفسية للبالغين، على المعطيات المقطعية المستعرضة من البلدان أو الأقاليم منخفضة الدخل ومتوسطته التي أجرت تقييماً بأداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية بين آذار/ مارس 2005 وحزيران/ يونيو 2010. كانت المعطيات التشخيصية متوافرة لخمسين فقط من 63 بلداً التي أنجزت التقييم، وبالتالي تم استبعاد 13 بلداً بسبب عدم القدرة على حساب معدلات الانتشار للمرضى المعالجين والثغرة العلاجية نظراً لفقد المعطيات والأخطاء في جمع المعطيات (مثال: تم الإبلاغ عن الاتصالات بالمستخدمين عوضاً عن عدد المستخدمين). ومع ذلك، لم يبين اختبار U بحسب Mann-Whitney أيّ اختلافات معتدّ بها إحصائياً بين هذه البلدان الثلاثة عشر، والبلدان الخمسين المستخدمة في تحليل المؤشرات التسعة المنتقاة والتي توافرت لها المعطيات الكافية (الجدول 1). وتضمنت العينة النهائية 46 بلداً، وإقليمين محليين (إقليماً في الصين وولاية في الهند) ومقاطعتين (كوسوفو، والضفة الغربية مع قطاع غزة). ومن أجل الملاءمة، سيشار لها جميعاً على أنها بلدان في مجمل هذه الورقة.

من أصل البلدان الخمسين المتضمنة في هذه العينة، كان بند واحد من ثلاثة بنود معطيات مفقوداً في 15 منها: المرضى المعالجين في مرافق المرضى الخارجيين، ووحدات الطب النفسي مجتمعية المرتكز، والمستشفيات النفسية. ومن أجل هذه البلدان، قمنا بعزو بند المعطيات المفقود إلى القيمة الناصفة الإقليمية، موزونةً لعدد السكان. وقد حال حجم العينة المحدود من تضمين تصنيف فئة الدخل في هذا التقدير. وبالإجمال، قمنا بعزو تسع نقاط معطيات من أجل المرضى الخارجيين (باراغواي وبيليز وتونس وجامايكا وجورجيا ودومينيكا وسانت لوسيا وسورينام وميانمار)، وستّ من أجل المرضى الداخليين في أجنحة المستشفيات العامة (أثيوبيا وأرمينيا وإكوادور وجمهورية الدومينيكان والهند (غوجارات) وملديف). توافرت وسطياً تسع قيم إقليمية من أجل اشتقاق قيم العزو. ولكن في حالة أثيوبيا، لم تتوافر سوى أربع قيم، وفي حالتي الهند (غوجارات) والمالديف، توافرت خمس قيم فقط. ولهذا السبب، يمكن اعتبار ما جرى من عزو في هذه البلدان أقل معولية من باقي البلدان.

ومن أصل الخمسين بلداً، كان 11 منها بلداناً منخفضة الدخل، و30 منها كان من الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، وتسعة منها كان من الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل، وذلك تبعاً لمعايير البنك الدولي.9 وقد مثلت البلدان المنتقاة النسب المئوية التالية لسكان البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته الواقعة في أقاليم منظمة الصحة العالمية الستة: 11% من الإقليم الأوروبي و13% من إقليم غرب الهادي و16% من الإقليم الأفريقي و18% من الإقليم الأمريكي و26% من إقليم جنوب شرق آسيا و57% من إقليم شرق المتوسط.

انتشار المرضى المعالجين واستخدام الخدمات

يشير انتشار المرضى المعالجين إلى تناسب الناس المصابين بالاضطرابات النفسية والمخدمين بوساطة أنظمة الصحة النفسية. ويمكن لعدد الناس لكل 100000 نسمة والذين تلقوا الرعاية من أجل الاضطرابات الفصامية في الأنواع المختلفة من مرافق الصحة النفسية (مرافق المرضى الخارجيين ووحدات الطب النفسي للمرضى الداخليين والمستشفيات النفسية) خلال العام الماضي أن يلعب دور مشعر بديل لانتشار المرضى المعالجين في الخدمات التخصصية. لقد استندت أعداد السكان إلى تقديرات الأمم المتحدة لعام 2004. 10 وتم حساب معدل استخدام الخدمات لكل نوع من مرافق الصحة النفسية (أي مرافق المرضى الخارجيين، ووحدات الطب النفسي في المستشفيات العامة، أو المستشفيات النفسية) على أنه عدد الناس المعالجين سنوياً لإصابتهم بالاضطرابات الفصامية مقسوماً على العدد الإجمالي للمرضى المصابين بالاضطرابات الفصامية والمعالجين بشكل عامّ في مرافق الصحة النفسية. وبينما تقدم أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية المعلومات عن المرضى المعالجين في مرافق العلاج النهاري والمقبولين في مرافق الإقامة المجتمعية، غير أنّ هذه المعطيات لم تخضع للإدخال، باعتبار أنّ التشخيص لم يكن مطلوباً. ولكن معدلات استخدام هذين النوعين من المرافق متواضعة عموماً بالمقارنة مع معدلات استخدام المرافق المتضمنة في تقديراتنا، لذا فمن غير المرجح أن يكون غياب هذه المعلومات قد أثر بشكل هامّ على تقديراتنا.

الثغرة العلاجية

إنّ الثغرة العلاجية هي الفرق المطلق بين الانتشار الحقيقي لاضطراب ما وتناسب المرضى المصابين والمعالجين من أجل هذا الاضطراب. وبكلمات أخرى، هي ممثلة بوساطة نسبة الأفراد المصابين بالاضطرابات الفصامية الذين لا يتلقون العلاج. ومن أجل كل بلد، تمت مقارنة انتشار المرضى المعالجين للاضطرابات الفصامية (الحالات المعالجة لكل 100000 نسمة) من خلال جميع مرافق الصحة النفسية مع تقديرات الانتشار دون الإقليمي للاضطرابات الفصامية والمستندة إلى معطيات العبء العالمي للأمراض.2 وفي قاعدة معطيات العبء العالمي للأمراض، يتم تصنيف الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية كمجموعات ضمن كل إقليم من أقاليم منظمة الصحة العالمية تبعاً لطبقات الوفيات الخمس (والتي يرمز لها بـA إلى E)، وهذا يعطي 14 إقليماً فرعياً. تتراوح التقديرات دون الإقليمية للانتشار المجتمعي للاضطرابات الفصامية من منخفضة قيمتها 270 لكل 100000 نسمة في الإقليم الفرعي الأفريقي D إلى 510 لكل 100000 نسمة في الإقليم الفرعي الأوروبي B. وكان ناصف انتشار المرضى المعالجين لجميع المناطق دون الإقليمية والتي استمدت منها معطيات البلدان 430 لكل 100000 نسمة.

التحليل الإحصائي

أظهر التحليل الوصفي الأولي أنّ المعطيات كانت جنفاء بشدة في الاتجاه الإيجابي، ولهذا نبلغ عن ناصف المعدلات. ومن أجل التحليل المتعدد المتغيرات لكلّ من منبئات الإتاحة والثغرة العلاجية واستخدام الخدمات، تم استعراف 52 من مؤشرات أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية المتعلقة بالتنظيم والتمويل والموارد وإيتاء الخدمات الصحية النفسية على أنها من المنبئات المحتملة. ولكن لم تتوافر المعطيات الكاملة سوى عن 13 منبئاً من جميع البلدان الخمسين، ولهذا، استخدمت هذه المنبئات فقط في التحليل. وتم حساب ترابطات Spearman لفحص العلاقة بين كل منبئ (الجدول 1) ومتغيرات الحصيلة الخمسة (انتشار المرضى المعالجين والثغرة العلاجية ومعدل العلاج في مرافق المرضى الخارجيين ومعدل علاج المرضى الداخليين في المستشفيات النفسية ومعدل علاج المرضى الداخليين في وحدات الطب النفسي في المستشفيات العامة). وباعتبار درجة التغايرية والاختلاف في أحراز الحصيلة، لم يتم إجراء تحليل النواشز. وتم استخدام تحليل التحوف التدريجي الارتدادي لتحديد نماذج التنبؤ الأكثر ملاءمة لكلّ من الحصائل. وليتم الإدخال في النموذج، ما كان من الممكن أن يكون المتغير المستقل ذا تلاحم خطيّ مع مقياس الحصيلة ولا أن يكون جزءاً من التعريف، وكان لابد من أن يكون ترابطه ذا اعتداد إحصائيّ عند مستوى P < 0.05 بالاعتماد على نتائج ترابطات Spearman مع المتغير التابع. وتم الاحتفاظ بالمتغيرات التي كانت ذات اعتداد إحصائيّ عند مستوى P < 0.1 في النموذج.

النتائج

انتشار المرضى المعالجين

يقدم الجدول 2 (المتوافر على: http://www.who.int/bulletin/volumes/90/1/12-089284) انتشار المرضى المعالجين ومعدلات استخدام الخدمات والثغرة العلاجية لجميع البلدان الموجودة في العينة. وكان انتشار المرضى المعالجين في جميع الخدمات التخصصية 128 لكل 100000 نسمة، مع اختلافات كبيرة بحسب مستوى دخل البلد: كانت المعدلات في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل والشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل (126 و157 لكل 100000، على التوالي) أكثر ارتفاعاً بما يعادل تقريباً أربعة أضعاف ما هي عليه في البلدان ذات الدخل الأكثر انخفاضاً (36 لكل 100000).

وكما هو مبين في الجدول 1، كان انتشار المرضى المعالجين مترابطاً بشكل يعتد به إحصائياً مع الانتشار التقديري للاضطرابات الفصامية (r = 0.52)، والدخل الوطني الإجمالي، وتوافر أسرّة المستشفيات النفسية (أي عدد الأسرّة لكل 100000 نسمة)، وعدد الأطباء النفسانيين لكل 100000 نسمة وعدد الممرضات في مرافق الصحة النفسية لكل 100000 نسمة. لقد كان نموذج التحوف الأكثر ملاءمة لتفسير انتشار المرضى المعالجين (الجدول 3) هو مستوى الموارد البشرية – أي الأطباء النفسانيين والممرضات في مرافق الصحة النفسية – المتوافرة لعلاج الأفراد المصابين بالاضطرابات الفصامية.

الثغرة العلاجية

كان ناصف قيم التغطية العلاجية 31%، وهذا يشير إلى أن نحو ثلثي (69%) من الأفراد المصابين بالاضطرابات الفصامية كانوا لا يتلقون العلاج. وكانت الثغرة العلاجية للاضطرابات الفصامية أكبر في البلدان منخفضة الدخل (89%) مما هي عليه في الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل (69%) والشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل (63%). وبيّن حجم الثغرة العلاجية ترابطاً سلبياً معتداً به إحصائياً مع انتشار الاضطرابات الفصامية في الجمهرة العامة والدخل الوطني الإجمالي وتوافر الأسرّة في المستشفيات النفسية وعدد الأطباء النفسانيين لكل 100000 نسمة وعدد الممرضات في مرافق الصحة النفسية لكل 100000 نسمة. وتضمن النموذج الأكثر ملاءمة لاعتبار حجم الثغرة العلاجية عدد الأطباء النفسانيين والممرضات في مرافق الصحة النفسية لكل 100000 نسمة.

استخدام الخدمة

تم علاج 80% تقريباً من مرضى الاضطرابات النفسية في مرافق المرضى الخارجيين (الجدول 4). ومن حيث معدلات الاضطرابات الفصامية لكل 100000 نسمة، كانت معدلات الاستخدام لخدمات المرضى الخارجيين أكثر ارتفاعاً بما يقارب ثلاثة أضعاف في الشريحة العليا والشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل بالمقارنة مع البلدان منخفضة الدخل. وكان معدل علاج المرضى الداخليين في المستشفيات النفسية في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل أعلى بستة أضعاف مما هي عليه في البلدان منخفضة الدخل، وكان معدل علاج المرضى الداخليين في أجنحة الطب النفسي في المستشفيات العامة أعلى بتسعة أضعاف.

لقد تضمنت المتغيرات المترابطة إيجابياً بشكل يعتد به إحصائياً مع معدل العلاج في مرافق المرضى الخارجيين كلاً من الانتشار التقديري للاضطرابات الفصامية والدخل الوطني الإجمالي وعدد الأطباء النفسانيين لكل 100000 نسمة وعدد الممرضات في مرافق الصحة النفسية لكل 100000 نسمة. وبشكل مشابه، كانت المتغيرات التي تبدي ترابطاً إيجابياً معتداً به إحصائياً مع معدل علاج المرضى الداخليين في المستشفيات النفسية هي الانتشار التقديري للاضطرابات الفصامية والدخل الوطني الإجمالي وعدد الأطباء النفسانيين لكل 100000 نسمة وعدد الممرضات في مرافق الصحة النفسية لكل 100000 نسمة.

كان معدل علاج المرضى الداخليين في وحدات الطب النفسي الموجودة في المستشفيات العامة مترابطاً إيجابياً وبشكل معتدّ به إحصائياً مع النسبة المئوية للمستشفيات النفسية المدمجة تنظيمياً مع مرافق الصحة النفسية للمرضى الخارجيين وعدد الأسرّة في وحدات الطب النفسي للمرضى الخارجيين مجتمعية المرتكز والمستشفيات النفسية لكل 100000 نسمة والنسبة المئوية لخفض عدد الأسرّة في المستشفيات النفسية خلال السنوات الخمس الماضية ونسبة أسرّة الطب النفسي الموضعة بالقرب من المدن الكبيرة.

كان النموذج الأكثر ملاءمة لتفسير معدل علاج المرضى الخارجيين هو عدد الأطباء النفسانيين لكل 100000 نسمة وعدد الممرضات في مرافق الصحة النفسية لكل 100000 نسمة. أما بالنسبة لمعدل علاج المرضى الداخليين في المستشفيات النفسية، فقد بقي فقط عدد الممرضات ذا اعتداد إحصائي. وأخيراً، ومن أجل معدل علاج المرضى الداخليين في أجنحة الطب النفسي ضمن المستشفيات العامة، تضمن النموذج الأكثر ملاءمة منبئاً واحداً فقط: الاندماجات التنظيمية للمستشفيات النفسية مع مرافق الصحة النفسية للمرضى الخارجيين.

المناقشة

تشير الموجودات إلى أنّ المصابين بالاضطرابات الفصامية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته لديهم إتاحة محدودة لخدمات الصحة النفسية التخصيصية. إنّ ناصف معدلات انتشار المرضى المعالجين، البالغ 128 لكل 100000 نسمة سنوياً، أخفض بكثير من الأعداد المفترضة من الدراسات الوبائية المجتمعية (330 لكل 100000 في بحث Saha et al.11، و408 لكل 100000 في تحديث عام 2004 للعبء العالمي للأمراض).2

لا تتاح لنحو ثلثي المصابين بالاضطرابات الفصامية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته الرعاية الصحية النفسية التخصصية. إنّ الثغرة العلاجية الناتجة (69%) أكبر بكثير من الثغرة (32%) التي وجدها Kohn et al.،6 وربما يعود ذلك لاستخدام مصادر مختلفة للمعطيات في الدراستين. استخدمت دراستنا معطيات مجمّعة منهجياً بواسطة أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية والمستمدة من مقدميّ الرعاية الصحية النفسية في كل بلد، في حين استخدمت الدراسة السابقة عدداً من مسوح وبائية مجتمعية المرتكز لأفراد بأعمار 15 سنة أو أكثر تم نشرها منذ عام 1980 أو التي قدمها باحثون أو وكالات. تساهم الفروق في الانتشار التقديري للاضطرابات الفصامية بين الدراستين (من تقديرات العبء العالمي للأمراض في هذه الدراسة ومن الدراسات والمراجعات الوبائية في الدراسة السابقة) بشكل جزئيّ فقط في النتائج المختلفة. لقد اخترنا معطيات العبء العالمي للأمراض لأنها قدمت تقديرات الانتشار دون الإقليمية. ومع ذلك، حتى لو طبقنا التقديرات المقدمة من قبل فريق Saha، لبقيت الثغرة العلاجية أكثر ارتفاعاً وبشكل هامّ (62% في العينة الكاملة و86% في البلدان منخفضة الدخل) لدى مقارنتها بتقرير Kohn et al.. وربما يمكن تفسير هذه الاختلافات جزئياً باختلاف عينات البلدان في الدراستين: تضمن تحليل Kohn et al. مسوح الانتشار المستمدة من البلدان مرتفعة الدخل، والتي كانت فيها الثغرة العلاجية أصغر. وفي الواقع، الاختلافات بين تقديري الثغرة العلاجية منخفضة في البلدان مرتفعة الدخل مثل إيطاليا.12 فعندما تم تحديث دراسة Lora في إيطاليا وفقاً لتقديرات انتشار العبء العالمي للأمراض في عام 2004، وإجراؤها وفق الطرائق المستخدمة في هذه الدراسة (جمع معطيات الخدمة الصحية النفسية وتقديرات العبء العالمي للأمراض)، كانت الثغرة العلاجية في إيطاليا (33%) مشابهة للثغرة التي وجدها Kohn et al..6

لا تأخذ هذه النتائج في الحسبان الفروق في الحالة الاجتماعية الاقتصادية وتأثيراتها على الثغرة العلاجية أو عن اللاإنصاف الإقليمي ضمن البلد. كما أنّ الثغرة أكثر اتساعاً عند من أملاكهم أقل (أي الفقراء والأقليات الإثنية والمهاجرين) واحتياجاتهم أكثر (أي هؤلاء الذين تكون معدلات الاضطراب لديهم أكثر ارتفاعاً). ومن أجل هؤلاء، الإتاحة قضية هامة، وهم بحاجة لبرامج خاصة بهدف إيجاد ردم التباينات. وعلاوة على ذلك، ليس كل من يطلب الخدمات يعالج بشكل كاف دائماً أو يعالج بالأصل على الإطلاق. ولهذا السبب، قد تكون معطياتنا تفرط تقدير عدد الأشخاص الذين تلقوا العلاج المناسب.

وإنه لمن الهام ليس فهم الإتاحة فحسب، ولكن فهم المكان الذي يتلقى فيه الناس الرعاية أيضاً. إنّ واحدة من النتائج الرئيسة لهذه الدراسة هي أنّ معظم الناس الذين لديهم اضطرابات فصامية تتم معالجتهم في مرافق المرضى الخارجيين، وذلك حتى في أنظمة الصحة النفسية الأكثر أساسية في البلدان منخفضة الدخل. وإنّ رعاية المرضى الخارجيين ترفع بشكل فعال التغطية ضمن نظام الصحة النفسية. ولا تساهم مرافق الصحة النفسية للمرضى الداخليين، سواءً أكانت في المستشفيات العامة أو المستشفيات النفسية، إلا بشكل متواضع في الإتاحة الإجمالية للخدمات.13

تبين معطياتنا بوضوح أّنّ خدمات الصحة النفسية بمفردها غير قادرة على مكافحة عبء الاضطرابات النفسية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته. ومن منظور الصحة العمومية، يجب على خدمات الرعاية الأولية أن تملأ هذه الثغرة عن طريق إيتاء مضمومات فعالة من الرعاية بالاشتراك مع الخدمات التخصصية. لقد أطلقت منظمة الصحة العالمية حديثاً برنامج العمل الصحي النفسي العالمي الخاص بمنظمة الصحة العالمية وأوجدت حالة من المقاربة الشاملة التي تعزز دور قطاع الرعاية الأولية في تحسين الرعاية.4

ومن حيث منبئات استخدام الخدمات، يبدو أنّ كلاً من مستوى الموارد البشرية المتوافرة، وما يتعلق بالأطباء النفسانيين والممرضات في مرافق الصحة النفسية، يبدو أنها منبئ إيجابي بانتشار العلاج ومعدل رعاية المرضى الخارجيين، ومنبئ سلبي بالثغرة العلاجية الإجمالية. تؤكد هذه النتائج الحاجة إلى التوسع في القوى العاملة في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته.14

تدعم نتائجنا فيما يتعلق بمعدل المرضى الداخليين المعالجين في المستشفيات العامة حقيقة أنه كلما زاد توافر أسرّة الطب النفسي، كان معدل العلاج في وحدات الطب النفسي في المستشفيات العامة أكثر ارتفاعاً. ولسوء الطالع، يبقى معدل استخدام المستشفيات العامة منخفضاً في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته.

محددات الدراسة

لهذه الدراسة محددات تنبع بالدرجة الأولى من شح قواعد المعطيات المعولة في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته. ولذلك فإنّ معولية ومصدوقية المعلومات المبلغ عنها في هذه البلدان موضع تساؤل، كما قد يكون تقديرنا لانتشار المرضى المعالجين متحيزاً وبالتالي قد يكون إما منخفضاً جداً أو مرتفعاً جداً. فمن جهة واحدة، لا تتطلب أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية تصنيف المعطيات المستمدة من مرافق العلاج النهاري ومرافق الإقامة المجتمعية وفق التشخيص. ولهذا السبب، لم يتم حساب المرضى المصابين بالاضطرابات الفصامية والذين كانوا متابعين في هذه المرافق، ويمكن لهذا أن يكون قد أدى إلى بخس تقدير انتشار المرضى المعالجين. ولكن نتائج أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية تشير إلى أنه في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته تكون هذه الأنماط من المرافق نادرة وتساهم بـ1% فقط من إجمالي انتشار المرضى المعالجين.13 وبالإضافة لذلك، وجد القليل من الباحثين العاملين في البلدان صعوبة في الحصول على المعلومات من مرافق الصحة النفسية الخصوصية والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال رعاية الصحة النفسية. ولكن إتاحة مرافق الصحة النفسية الخصوصية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته تقتصر على الأغنياء بالدرجة الأولى، ولا يقوم إلا القليل من المنظمات غير الحكومية بعلاج الناس المصابين بالاضطرابات النفسية الخطيرة. وبذلك، تكون التغطية الإضافية المقدمة من قبل القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية صغيرة. ومن جهة أخرى، كون بعض المرضى قد تعالجوا في أكثر من موقع واحد (مثلاً في وحدة المرضى الداخليين مجتمعية المرتكز وعيادة المرضى الخارجيين خلال العام ذاته)، وبالتالي تم حسابهم أكثر من مرة، قد أدى إلى فرط تقدير انتشار المرضى المعالجين.

قد تكون التشاخيص المقدمة في أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية، والمستندة إلى معطيات إدارية، متدنية الجودة. فعلى سبيل المثال، إنّ المعدلات الضخمة لانتشار المرضى المعالجين المتعلق بالاضطرابات الفصامية المشاهدة في لاتفيا وأوكرانيا، والتي ربما نتجت عن التشخيص الخاطئ، جعلتنا نضع سقفاً لتقديرات انتشار المرضى المعالجين في هذه البلدان عند 100%. ولكن تجميع التشاخيص المستمدة من التصنيف العالمي للأمراض بإصداره العاشر، ضمن أصناف تشخيصية كبيرة، كما هو الأمر في أداة منظمة الصحة العالمية لتقييم أنظمة الصحة النفسية، قد يؤدي إلى زيادة مصدوقيتها، ويعود ذلك إلى أنّ التفريق بين أصناف الاضطرابات (مثل الاضطرابات الفصامية مقابل الاضطرابات العاطفية) قد يكون أسهل من التفريق ضمن أصناف الاضطرابات (مثل الاضطرابات الفصامية مقابل الاضطرابات الفصامية العاطفية).

وأخيراً، لا يمكن الافتراض بأنّ البلدان المتضمنة ممثلة لمناطقها الإقليمية. حيث أنّ عينة مؤلفة من 50 بلداً ليست بالحجم الكافي وتمثل معطياتنا ناصفاً مقداره 17% من سكان كل إقليم متعلق بذاك البلد. وعلاوة على ذلك، باعتبار أنّ 30 بلداً من أصل البلدان الخمسين المتضمنة في هذا التقرير هي من بلدان فئة الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، فإنّ النتائج الإجمالية تعكس وعلى نحو كبير البلدان الموجودة في مجموعة الدخل هذه.

الاستنتاج

يؤلف كلّ من توافر الخدمة، واستخدام الخدمة، والثغرة العلاجية مؤشرات مفتاحية لتقييم مقدرة أنظمة الصحة النفسية على الاستجابة لاحتياجات المصابين بالاضطرابات الفصامية. يمكن رصد تحسن أنظمة الصحة النفسية وعلى وجه الخصوص إتاحة الخدمات من خلال هذه المؤشرات. ونظراً للايقين في تقديرات الانتشار المجتمعي، إنّ تحليل الثغرة العلاجية ما هو إلا تقريب للاحتياج إلى الرعاية، ولكن مثل هذه القياسات ضرورية لرصد التغطية على مستوى نظام الصحة النفسية. ومن هذا المنظور، قد تصبح هذه المؤشرات هامة في إجراء الدعوة، كما يمكن للمعلومات التي تقدمها هذه المؤشرات أن ترفع الإدراك والوعي لدى الحكومات والجهات المعنية التي تهدف إلى التخطيط والإيتاء لرعاية صحية نفسية أفضل.15


تضارب المصالح:

لم يصرح بأي منها.

المراجع

شارك