مجلة منظمة الصحة العالمية

نظم البحوث الصحية: تعزيز الإنصاف في مجال الصحة أم القدرة التنافسية الاقتصادية؟

Bridget Pratt a & Bebe Loff a

a. Michael Kirby Centre for Public Health and Human Rights, Monash University, Alfred Centre Campus, 99 Commercial Road, Melbourne, VIC, 3004, Australia.

المراسلة مع Bridget Pratt (e-mail: bridget.pratt@monash.edu).

(Submitted: 20 June 2011 – Revised version received: 11 September 2011 – Accepted: 21 September 2011 – Published online: 07 December 2011.)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2012;90:55-62. doi: 10.2471/BLT.11.092007

المقدمة

استعرفت مفوضية البحوث الصحية من أجل التنمية في سنة 1990 الشراكات البحثية الصحية الدولية بصفتها أساسيةً في تطوير الصحة في البلدان النامية وتعزيز الإنصاف في مجال الصحة.1 ولاحقاً، ربطت التقارير من منظمة الصحة العالمية واللقاءات الوزارية الدولية بين البحوث الصحية وتحقيق المرامي الإنمائية للألفية.2، 3 كان من الممكن تجنب ثلثي وفيات الأطفال وثلاثة أرباع وفيات الأمهات لو حققت التدخلات الموجودة التغطية الواسعة للسكان في البلدان النامية،4، 5 ولكن المعارف عن العقبات في النظم الصحية التي تحول دون إيتاء هذه التدخلات والاستراتيجيات المطلوبة لتذليها قليلة. وبينما يلزم المزيد من البحوث الأساسية لتطوير تدخلات أفضل، إلا أن المرامي الإنمائية للألفية لن تتحقق بلا زيادة الاستثمار في بحوث السياسات والنظم الصحية. ورد في تقرير فرقة عمل منظمة الصحة العالمية المعنية ببحوث النظم الصحية أنه «من الأساسي توجيه أغلب الموارد لمعالجة جاهزية النظم الصحية لإيتاء التدخلات».3 تكرر هذا الموقف منذ ذلك الحين مراراً، إذا دعا تصريح مكسيكو حول البحوث الصحية الجهات الممولة الدولية إلى تأسيس برامج ملموسة مستدامة لبحوث السياسات والنظم الصحية تتفق مع احتياجات البلدان النامية.6، 7

ومع ذلك، تشير الأعداد من المنتدى العالمي للبحوث الصحية في سنة 2008 إلى أن تمويل البحوث الدولية لا يشكل سوى نسبة ضئيلة (1.6%) من أصل 160.3 مليار دولار أمريكي على البحوث في العالم.8 تعريفنا للبحوث الدولية هو: البحوث التي يتم تمويلها خارجياً من جهة منظمات من بلدان عالية الدخل، إلا أنها تجرى في البلدان منخفضة أو متوسطة الدخل.

يُوجَّه أغلب هذا التمويل المحدود المتوفر للبحوث الدولية نحو تطوير تدخلات جديدة وليس نحو النظم والسياسات الصحية.9، 10 ففي سنة 2005 أنفقت الجهات المانحة الأجنبية الحكومية والخيرية والخصوصية الربحية 2.6 مليار دولار على البحوث الدولية في البلدان النامية، ولكن التقديرات تشير إلى أن 134 مليون دولار فقط تُنفَق سنوياً على بحوث السياسات والنظم الصحية في البلدان النامية.8، 11 أنشئ عدد من مخططات التمويل لبحوث السياسات والنظم الصحية منذ وقت هذا التقدير، أو ذُكرت في الوثائق الاستراتيجية للممولين الدوليين، ولكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه المخططات قد أدت إلى زيادات ملموسة في الاستثمارات. لا يوجد في مجال بحوث السياسات والنظم الصحية ما يكافئ مسح G FINDER (قاعدة معطيات للتمويل العالمي للأمراض المهملة). ولا يزال ميدان بحوث السياسات والنظم الصحية نتيجة هذا الإهمال في طور تحديد مجاله وطرائقه وجدول أعماله.12-14

نبين في هذه المقالة أن خلل التوازن في البحوث تحدده إلى حد بعيد القوانين والسياسات التي تحكم البحوث في البلدان عالية الدخل، حيث تفضّل البيئة التشريعية الوظيفة الاقتصادية للنظم الوطنية للبحوث الصحية على وظيفتها في تعزيز الصحة. في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية تبنى البحوث الدولية لتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية الوطنية مما يؤدي إلى التركيز على تطوير تكنولوجيات صحية جديدة. تطرح هذه المقالة أن السياسات الحالية تحدّ من قدرة البحوث الصحية التعاونية الدولية على تعزيز الإنصاف في الصحة عالمياً لأنها تحوّل التمويل عن البحوث المطلوبة لتنفيذ التدخلات الموجودة وتقوية النظم الصحية، أي بحوث السياسات والنظم الصحية.

الاستراتيجيات الاقتصادية تصوغ البحوث

خلال الانتقال إلى الاقتصادات المرتكزة على المعارف تبنت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة استراتيجيات القدرة التنافسية للبحوث التي تدعم زيادة الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا. يُزعَم أن من خلال مثل هذه الاستثمارات يستطيع البلد أن يزيد من حصته في السوق العالمية للتكنولوجيا المتقدمة عالية الربح (من خلال خصخصة وتسليع الملكية الفكرية المرتكزة على العلوم) وأن ينشئ أماكن عمل عالية الراتب في الاقتصاد المحلي.15

تجسدت استراتيجيات القدرة التنافسية للبحوث في المملكة المتحدة والولايات المتحدة في سلسلة من القوانين التي غيرت هيئة البحوث الصحية تغييراً جذرياً.15-17 يطغى على هذه التشريعات التركيز على نقل التكنولوجيا، أي ترجمة النتائج العلمية إلى منتجات في السوق.

تم تأسيس حسومات ضريبية للشركات على البحوث في الولايات المتحدة، وسُمح للمؤسسات البحثية بأخذ براءة اختراع على مخرجاتها البحثية وبترخيص براءات الاختراع للصناعات (الإطار 1).18 في المملكة المتحدة أنشأت قوانين نقل التكنولوجيا حوافز تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في البحوث والبرامج لتعزيز نقل التكنولوجيا بين الجامعات والصناعة مثل صندوق الابتكار في التعليم العالي وتدابير لتعزيز تطوير عناقيد بحثية إقليمية.16، 19

الإطار 1. تشريعات نقل التكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية

  • مرسوم Bayh-Dole لسنة 1980: أنشأ حوافز للباحثين الأكاديميين لإجراء بحوث ذات مخرجات قابلة للتتجير ثم ترجمة اكتشافاتهم إلى منتجات طبية يمكن بيعها بقصد الربح
  • مرسوم ضريبة الانتعاش الاقتصادي لسنة 1981: أسس حسومات ضريبية بحثية للمؤسسات فيسمح لها بالحصول على حسم على ضريبة دخلها تكافئ 20% من نفقاتها البحثية فوق القيمة القاعدية
  • مرسوم تطوير الابتكار في مؤسسات الأعمال الصغيرة لسنة 1982: يلزم الوكالات الفيدرالية التي لها ميزانيات كبيرة للبحوث والتطوير خارج جدرانها (مثل المعاهد الوطنية للصحة) أن تخصص 2.5% من أموالها لشركات البحوث والتطوير الصغيرة. هذا البرنامج، المسمى «برنامج البحوث الابتكارية في مؤسسات الأعمال الصغيرة»، مصمم لتحفيز الابتكار التكنولوجي وزيادة الاستفادة من مؤسسات الأعمال الصغيرة في تحقيق الاحتياجات الوطنية من الابتكار
  • المرسوم الوطني للتعاون البحثي لسنة 1984: أضعفَ التشريعات الوطنية المضادة للاحتكارات ومنح وضعاً خاصاً مضاداً للاحتكارات للمشاريع المشتركة والجمعيات البحثية، وسمح بذلك بشراكات بحثية واسعة بين الحكومة والجامعات والصناعات
  • المرسوم الفيدرالي لنقل التكنولوجيا لسنة 1986: وضع آلية للشراكات البحثية التعاونية بين الوكالات الفيدرالية والصناعات الخصوصية، هي الاتفاق حول البحوث والتطوير التعاونية (CRADA). تسمح هذه الاتفاقات للشركات بانتقاء المنتجات والعمليات من المخابر التي تملكها أو تديرها الحكومة والتعاون معها من أجل إيصال المنتج أو العملية إلى السوق. تحصل المخابر الفيدرالية بالمقابل على حصة في الأرباح من خلال إما اتفاق حقوق الملكية الفكرية أو ترخيص
  • مرسوم نقل التكنولوجيا التنافسية الوطنية لسنة 1989: وسّع استخدام اتفاقات CRADA إلى المخابر التي تديرها الحكومة والجهات المتعاقدة
  • مرسوم التفوق التكنولوجي الأمريكي لسنة 1991: شمل الملكية الفكرية أكثر بصفتها من العائدات الكامنة بموجب اتفاقات CRADA
  • مرسوم نقل وتقدم التكنولوجيا الوطنية لسنة 1995: جعل اتفاقات CRADA أكثر جاذبية للصناعات الخصوصية عن طريق تقديم ضمانات بأن الشركات ستحصل على حقوق كافية بالملكية الفكرية لدفعها إلى التتجير الفوري للاختراعات، كما يقدم للشركات حقاً بالترخيص الحصري أو غير الحصري بالاختراعات الناتجة عن اتفاق CRADA
  • مرسوم تتجير نقل التكنولوجيا لسنة 2000: توسيع سلطة الترخيص بموجب CRADA لتشمل الاختراعات الحكومية الموجودة سابقاً
  • مرسوم America COMPETES لسنة 2007: زاد الاستثمار في البحوث، قوّى فرص التعليم في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، تطوير بنية تحتية للابتكار
  • مرسوم إعادة إقرار America COMPETES لسنة 2010
  • مرسوم توسيع تعويض البطالة لسنة 2010: مد الحسم الضريبي البحثي حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2010

CRADA, Cooperative Research and Development Agreement; NIH, National Institutes of Health.

أثر القوانين

أدى الالتزام المستدام بتشريعات نقل التكنولوجيا إلى تغييرات ملموسة في البحوث في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، مما أدى بدوره إلى إدخال أشكال تنظيمية جديدة وتغيير أدوار ممولي البحوث والجهات المانحة. حدث نمو كبير (أو عودة نمو) في مشاركة الصناعة في البحوث من ثمانينات القرن العشرين، وبحلول سنة 2000 كانت الصناعة تدعم 62% من البحوث الطبية البيولوجية في الولايات المتحدة، أي نحو ضعف النسبة في سنة 1980. 20 أما في المملكة المتحدة فتدعم الصناعة نحو 50% من البحوث.21 حدثت خصخصة تدريجية في البحوث السريرية.18 ظهر عدد متزايد من الجهات الخصوصية للبحوث الطبية البيولوجية، بما فيهم الباحثون الأطباء الخصوصيون ومنظمات التعاقد على إجراء البحوث ومنظمات إدارة المواقع ومجالس مراجعة مؤسساتية هادفة إلى الربح.18 قبل سنة 1990 كان 80% من التجارب السريرية في الولايات المتحدة يجرى من خلال مراكز بحثية طبية أكاديمية، وبحلول سنة 2005 تناقصت هذه النسبة إلى 25%، حيث صارت الصناعات تعهِّد التجارب السريرية للأطباء الخصوصيين ومنظمات التعاقد على إجراء البحوث السريرية.21

توسعت الصلاحيات التقليدية للجامعات والهيئات البحثية الوطنية لتشمل «المساهمة في التنمية الاقتصادية الوطنية»؛ وبالتالي، فإن المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية ومجلس البحوث الطبية في المملكة المتحدة أولوا الأولوية لبحوث الترجمة والشراكات بين القطاعين العام والخاص ويدعمانهما من أجل زيادة تتجير مخرجاتها البحثية.23 أسست كلتا هاتين المؤسستين مكاتب خاصة بنقل التكنولوجيا لتقديم المزيد من الدعم لهذه العملية.24، 25

أنشأت الجامعات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة أيضاً بنى تحتية لنقل التكنولوجيا ونفذت سياسات جديدة لتقوية وظيفتها في ريادة الأعمال.19، 26 تجمع الدورات الجديدة بين التدريب في مجالي العلوم والأعمال، مثل درجة الماجستير في الأعمال والعلوم في جامعة رتجرز (نيو جيرسي، الولايات المتحدة الأمريكية) ومنح مجلس مرافق العلوم والتكنولوجيا لطلاب الدكتوراه في المملكة المتحدة كي يتعلموا كيفية تعزيز نقل التكنولوجيا.

نموذج جديد

كانت تشريعات نقل التكنولوجيا دافعاً لنموذج جديد للبحوث الصحية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، يتصف بالخصائص التالية:

  • يدعم البحوث التي تؤدي إلى منتجات قابلة للتتجير. ينفق أكبر ممولين للبحوث الصحية في الولايات المتحدة، المعاهد الوطنية للصحة والصناعات، 73% من تمويلهما على البحوث الأساسية والسريرية،27 والاستثمارات في المقاربات الفعالة لإيتاء التدخلات الصحية العمومية والطبية المسندة بالبينة قليلة.28، 29 وفي المملكة المتحدة تستهلك البحوث الأساسية والسريرية 83.9% من التمويل الحكومي والخيري، ويخصص 4.8% منها لبحوث الخدمات الصحية.24، 25
  • يستهدف الاحتياجات الصحية التي يمكن تلبيتها بمنتجات التكنولوجيا العالية التي تجلب الربح.
  • هدفه النهائي ترخيص منتج جديد.
  • يقيّم الفعاليات والمخرجات البحثية وفق مساهمتها في الاقتصاد الوطني. يتزايد عدد التقارير الحكومية التي تقيّم المخرجات البحثية الوطنية وفق مؤشرات العلوم والتكنولوجيا (مثلاً، المؤشرات العلمية والهندسية لمؤسسة العلوم الوطنية لسنة 2010 وتقرير الابتكار السنوي لوزارة الأعمال والابتكار والمهارات للملكة المتحدة).
  • يؤكد على التعليم العلمي والتعليم المشترك في العلوم والأعمال.
  • يركز على زيادة الحصة في سوق البحوث العالمية من أجل الازدهار الاقتصادي، وهذا يتعارض مع دعم البلدان الأخرى لبناء مقدراتها البحثية.
  • يتصف بشراكات بين الوكالات الحكومية والأكاديميا والصناعة. في الولايات المتحدة شاركت المخابر الفيدرالية في سنة 2007 في 7327 اتفاقاً تعاونياً حول البحوث والتطوير مع قطاع الأعمال.30

الاستراتيجيات الصحية على المستوى العالمي

استراتيجية الولايات المتحدة للصحة على المستوى العالمي موصوفة في تقريرين أساسيين من معهد الطب. يدعو تقرير سنة 1997، بعنوان «المصالح الحيوية للولايات المتحدة في الصحة على المستوى العالمي: حماية شعبنا وتعزيز اقتصادنا والتقدم بمصالحنا الدولية» أمريكا إلى تناول المشاكل الصحية العالمية من قاعدتها الأقوى، وهي تفوّق أمريكا في العلوم والتكنولوجيا. يوصي التقرير بالتوسع في استثمارات القطاعين العام والخاص في البحوث الطبية البيولوجية التي تعالج المشاكل الصحية العالمية الكبرى، والاستمرار في تدريب العلماء والمهنيين الصحيين من بلدان أخرى،31 ويشار إلى أن تنفيذ هذه التوصية الأخيرة له أهمية بالغة لأنها تقدم فرص دخول المنتجات والتكنولوجيات الطبية الأمريكية إلى الأسواق الأجنبية.31 ويدعو تقرير 2009 المجتمع البحثي الأمريكي أيضاً إلى تطوير تكنولوجيات صحية مبتكرة للبلدان النامية، بالدرجة الأولى من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير المنتجات،32 وتُناقَش زيادة الاستثمار في بحوث النظم الصحية بصفتها وسيلة تحسين إيتاء التكنولوجيات الصحية الموجودة.32

كررت حكومة المملكة المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية المناداة باستخدام العلوم والتكنولوجيا لمعالجة التباينات الصحية العالمية وتحقيق المرامي الإنمائية للألفية.17، 33 تشمل إحدى المكونات الرئيسية لاستراتيجية البحوث الدولية البريطانية الاستثمار في البحوث التي تنشئ حلولاً علمية وتكنولوجية للمشاكل الصحية العالمية وبناء المقدرات في البلدان الأخرى.30 تؤكد الوثيقة الصادرة في سنة 2008 بعنوان «الصحة عالمية: استراتيجية حكومة المملكة المتحدة 2008–2013» على نية الحكومة في زيادة استثمارها في الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير المنتجات ودعم البحوث عن اللقاحات ومبيدات الجراثيم والأدوية لمعالجة الأيدز والعدوى بفيروسه والسل والملاريا.34

الشراكات بين القطاعين العام والخاص

أصبحت الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير المنتجات الطريقة المفضلة لتمويل البحوث الصحية في البلدان النامية، وهي مدعومة من جهة مؤسسة بيل وميليندا غيتس ووكالات العون العمومي، بما فيها وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية ووزارة التنمية الدولية للمملكة المتحدة.35 ينفذ أكثر من ثلاثة أرباع المشاريع، من أصل أكثر من 60 مشروعاً جارياً للأدوية لمعالجة الأمراض المهملة، ضمن شراكات بين القطاعين العام والخاص،36 وفي سنة 2007 كان 23% (469 مليون دولار) من التمويل من أجل بحوث الأمراض المهملة الممنوح للمؤسسات البحثية الخارجية ممنوحاً بموجب هذا النموذج، وإذا استبعدنا التمويل من المعاهد الوطنية للصحة من التحليل، تصبح هذه المنح مسؤولة عن 42% من تمويل البحوث العالمي للأمراض المهملة.35

زادت وزارة التنمية الدولية في سنة 2009 تمويلها للشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير المنتجات بثلاثة أضعاف تقريباً وفق استراتيجيتها «الصحة عالمية» الخمسية.37 الملامح الرئيسية لهذا النموذج هي: غرض صحي عمومي مرتبط بمقاربة قطاع خاص، استهداف أمراض منفردة، تطوير تدخلات تقنية (لقاحات أو أدوية أو وسائل تشخيص) ومجال يشمل تجربة سريرية واسعة النطاق (عادةً في بلدان نامية) وتصديق سلطات التنظيم الدوائي على المنتجات الناجحة؛ أما الإنتاج والتوزيع والتبني الواسع لهذه المنتجات في البلدان النامية فليس من الملامح الضرورية، ولا بناء المقدرات البحثية في البلدان النامية.38

تذهب المنافع المالية المرتبطة بهذا الشكل من تطوير المنتجات بشكل كامل تقريباً إلى الشركات والجامعات في البلدان التي تقدم التمويل، ففي سنة 2007 أعيد استثمار 87.8% من نفقات الشراكات بين القطاعين العام والخاص في البلدان عالية الدخل، ولم يخصص سوى 12.3% من التمويل الخارجي للمؤسسات البحثية في البلدان النامية.35

تدعو حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة كلاهما إلى نموذج للبحوث الدولية يتصف بأنه يؤدي إلى التقدم الصحي باستعمال حلول علمية تكنولوجية، وكذلك إلى تدوير الأموال ضمن اقتصاديهما، ويلائم نموذج الشراكات بين القطاعين العام والخاص تماماً الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية لهذين البلدين؛ ولا نستغرب إذن أن شراكات التمويل هذه تتشابه في أغلب ملامحها مع النموذجين البحثيين البريطاني والأمريكي المرتكزين على تشريعات نقل التكنولوجيا، كما يتضح من الجدول 1.

التجارب الدوائية الدولية

يوجَّه استثمار الصناعات في البحوث السريرية بالدرجة الأولى إلى التجارب السريرية التي تعهَّد إلى منظمات التعاقد على إجراء البحوث، وكثيراً ما تجرى على جميعات كبيرة من المرضى في البلدان النامية. أجري 40% من كل التجارب الدوائية في سنة 2005 في البلدان النامية، بينما في سنة 1991 كانت النسبة 10%.39 تشمل البلدان ذات معدل نمو مرتفع للتجارب السريرية الممولة من قبل الصناعات الصين (47%) والاتحاد الروسي (33%) وجمهورية التشيك (24.6%) والهند (19.6%) والأرجنتين (19%) وجنوب أفريقيا (5.5%).40 وكما هو متوقع، تتسق هذه التجارب تماماً مع نموذج البحوث الذي تشجعه السياستان الأمريكية والبريطانية (الجدول 1).

المقتضيات على الصحة على المستوى العالمي

من غير المرجح أن تدعم النماذج البحثية الحالية البحوث التي تحسن الإنصاف في مجال الصحة على المستوى العالمي، فهي لا تقدم حوافز قوية من أجل:

  • الأشكال غير الطبية البيولوجية للبحوث الصحية (سواء ضمن البلدان عالية الدخل29 أم دولياً)؛
  • البحوث الطبية البيولوجية على الأمراض النادرة في البلدان عالية الدخل (علماً أنه في الولايات المتحدة الأمريكية يعالج مرسوم الأدوية اليتيمة عوز الحوافز لإجراء البحوث على الأمراض النادرة)؛
  • البحوث الطبية البيولوجية الدولية لتطوير التدخلات التي تستهدف الحالات الصحية المصادفة في البلدان النامية بالدرجة الرئيسية؛
  • إنشاء الإتاحة الحقيقية (التوافر وتيسر التكلفة والتبني) للتدخلات الجديدة في البلدان النامية والجمهرات الأخرى التي تمثل الأسواق غير المربحة في البلدان عالية الدخل؛
  • تقوية المقدرات البحثية في البلدان النامية.

يعالج تمويل الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير المنتجات مشكلة غياب الحوافز على إجراء البحوث على الأمراض المهملة معالجة جزئية، ولكن ذلك يعتمد على استمرار التمويل الحكومي والخيري لمثل هذه الشراكات.

أثر خلل التوازن

توجَّه أغلب الاستثمارات المحدودة أصلاً في البحوث الدولية إلى بحوث تطوير المنتجات التي تركز على المرض.9 تدعم استثمارات الصناعات في البحوث الدولية بالدرجة الرئيسية التجارب السريرية، ويبين مسح G FINDER أيضاً أنه، لو استبعدنا الأموال التي أنفقت على البحوث الأساسية (التي تجرى في الغالب في البلدان عالية الدخل)، قد أنفِق 2.1 مليار دولار أمريكي على بحوث تطوير الأدوية للأمراض المهملة في سنة 2009، بالدرجة الأولى من الجهات الممولة الحكومية والخيرية.37 من غير الواضح ما هو التناسب الدقيق من هذا التمويل المخصص لدعم البحوث الدولية في البلدان النامية، ولكن من المحتمل أن أغلب التجارب السريرية في الطورين الثاني والثالث قد أجريت في البلدان النامية. إذن، فإن الحوافز التي تخلقها استراتيجيات البحوث الوطنية تحرف التمويل الدولي عن بحوث السياسات والنظم الصحية في البلدان النامية، ولهذا الأمر مقتضيات ملموسة على قدرة البحوث الدولية على تعزيز الإنصاف في مجال الصحة على المستوى العالمي.

ساهمت الابتكارات التكنولوجية في بعض المكاسب الصحية الحاسمة في القرن العشرين، ولها قدرة كامنة على تحقيق التقدم في الصحة في البلدان النامية اليوم. يلزم تطوير الأدوية للأمراض عندما لا يكون هناك تدخلات فعالة أو عندما أدى تطور المقاومة الدوائية إلى خفض فعالية التدخلات الموجودة. إن التطورات التي حدثت مؤخراً في الجينوميات والوسائل التشخيصية الجزيئية وتكنولوجيا اللقاحات المأشوبة تعني أن البيوتكنولوجيا المبتكرة لها القدرة الكامنة على تحسين الصحة في البلدان النامية.41، 42 ومع ذلك، فإن تطوير المنتجات الجديدة بطيء ومكلف ويتصف بمعدلات فشل عالية.12، 29 والأهم من ذلك أن المنافع الكاملة للتكنولوجيات الجديدة والموجودة لا يمكن أن تدخل مجال الممارسة (سواء في البلدان عالية الدخل29 أم النامية12) بلا استثمار في بحوث السياسات والنظم الصحية. قال Rudan et al. عن أمراض الأطفال:

«...إن هذه التجربة... عندما تم تطوير تدخلات ذات فعالية تكلفة عالية لمكافحة ذات الرئة والإسهالات عند الأطفال منذ عقود، لكنها لم توضع قيد التطبيق، إنما هي منبئ جيد لما يمكن أن نتوقعه في المستقبل إذا بقي النموذج الحالي للاستثمار في البحوث.»43

في هذا المثال لم يكن هناك بحوث لاستعراف ومعالجة العقبات أمام الإيتاء الواسع للتدخلات، لذا لم يتم تحقيق التغطية الواسعة بالتدخلات الموجودة. ولو تم تحقيق التغطية الواسعة لأمكن خفض وفيات الأطفال بثلثين.4 وبالمثل، بينما أدى الاستثمار في الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير المنتجات إلى تطوير أدوية جديدة للملاريا وداء الليشمانيات، فإن عدم الاستثمار في بحوث السياسات والنظم الصحية يعني أن التحديات في الإيتاء مستمرة، وأن المنافع الصحية الكامنة لن تصل إلى الناس الذين يحتاجونها.

يمكن أن يكون للاستثمار في بحوث السياسات والنظم الصحية أثر أعظم على صحة السكان من بحوث تطوير المنتجات؛ فقد بين تحليل أجري مؤخراً أنه، بينما يمكن أن تخفض التكنولوجيات الجديدة وفيات الأطفال بنسبة 22%، إلا أن تحقيق الاستخدام الكامل للتكنولوجيات الموجودة يمكن أن يؤدي إلى خفض الوفيات بنسبة 66%.10

تتحقق مكاسب صحية بالفعل من خلال بحوث السياسات والنظم الصحية المجراة في البلدان النامية؛ فمثلاً، في ملاوي أدت البحوث العملياتية إلى تحسينات في تشخيص وإبلاغ وعلاج السل وعززت مكافحة داء كلابية الذنب في أفريقيا.13، 44 عززت بحوث التنفيذ رعاية وعلاج الأيدز في أفريقيا عن طريق استعراف التقييدات المحلية لإعلام تصميم البرامج والسياسات.45 تشير الموجودات الحديثة أيضاً إلى أن النتائج من البحوث العملياتية المحلية على العلاج الوقائي بكوتريموكسازول للعدوى بفيروس عوز المناعة المكتسب قد أدخل في السياسات الوطنية في ملاوي وأوغندا أسرع من نتائج التجارب المضبطة المعشاة التي اختبرت العلاج نفسه في زامبيا.46 وبالتالي، فإن بحوث السياسات والنظم الصحية تحسن الرعاية الصحية أولاً بتوليد البينات التي تُعلِم بالتقييدات المحلية على أفضل وسائل إيتاء التدخلات، ثم بربط هذه البينات بالتغيرات في الممارسات والسياسات العلاجية.13

وأخيراً، بحوث تطوير المنتجات وبحوث السياسات والنظم الصحية تتمم بعضها، فالأخيرة أساسية عندما يلزم دمج التدخلات التي تستهدف الأمراض ضمن النظم الصحية؛12 كما تلزم هذه البحوث أيضاً لتصميم وتقييم التدخلات التي تستهدف مكونات النظم الصحية.47 إن فرط الاستثمار في البحوث الطبية البيولوجية على حساب بحوث السياسات والنظم الصحية سيبقى يعرقل التقدم في خفض الأمراض في البلدان النامية.

الخاتمة

تضمن القوانين والسياسات في البلدان عالية الدخل أن أغلب التمويل للبحوث الدولية لا يوجَّه إلى بحوث السياسات والنظم الصحية، رغم الحاجة الماسة إليها. وبالتالي لا تقدم البحوث الصحية التعاونية الدولية سوى مساهمة محدودة في تحسين الإنصاف في مجال الصحة على المستوى العالمي. ومع أنه سيكون هناك دائماً دور لتطوير المنتجات الجديدة عندما لا يوجد تدخلات فعالة أو تظهر المقاومة الدوائية، إلا أن تمويل البحوث يجب أن يخصَّص بصورة أكثر عدلاً.

لإصلاح خلل التوازن في التمويل يجب استعراف أسبابه البنيوية بوضوح. سيتطلب تحقيق النمو المستدام في بحوث السياسات والنظم الصحية في البلدان النامية إصلاحات هامة في القوانين والسياسات البحثية في البلدان عالية الدخل. لا شك بأن هذا يشكل تحدياً سياسياً. بادئ الأمر، على حكومات البلدان عالية الدخل تصميم وسن سياسات: (1) تخلق حوافز قوية لإجراء بحوث السياسات والنظم الصحية؛ (2) تدعم إنشاء الأقسام الجامعية والتعليم العالي المختص بهذه البحوث؛ (3) تشجع شراكات بحوث السياسات والنظم الصحية بين هيئات بحثية عمومية والأكاديميا ومقدمي الرعاية الصحية والمؤسسات الخصوصية. تستطيع الحكومات مثلاً أن تنشئ مصدراً للتمويل بتطبيق ضريبة على الأرباح من المنتجات المشتقة من معطيات التجارب المجراة في البلدان النامية لتشجيع هذا النوع من البحوث، ثم تستطيع الحكومات توزيع هذه الأموال استجابةً لمناقصات تنافسية مفتوحة. يمكن توسيع الحسومات الضريبية لتشمل مقدمي الرعاية الصحية والمؤسسات البحثية التي تجري بحوث السياسات والنظم الصحية. من أجل دعم البنى التحتية لمثل هذه البحوث تستطيع الحكومات تعديل قوانين مثل مرسوم America COMPETES (America Creating Opportunities to Meaningfully Promote Excellence in Technology, Education, and Science: خلق الفرص للتعزيز ذي المغزى للسيادة في التقانة والتربية والعلوم) (الإطار 1) لينطبق على الصحة على المستوى العالمي والصحة العمومية والعلوم الاجتماعية بالإضافة إلى العلوم والتكنولوجيا. يمكن كذلك دراسة إنشاء شراكات بين القطاعين العام والخاص من أجل بحوث السياسات والنظم الصحية، حيث تقدم الحكومة حافزاً من خلال حسم جزئي للأموال التي ساهمت بها كيانات خصوصية.

إن هذه الموجودات والتوصيات لها علاقة أيضاً بالبلدان النامية التي يدرس الكثير منها استراتيجيات تنافسية بحثية مماثلة لتلك المحدثة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. تصرح خطة العمل الموحدة للعلوم والتكنولوجيا للشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا «بالتزام [أفريقيا] بالأفعال المشتركة لتنمية واستخدام العلوم والتكنولوجيا من أجل التحويل الاجتماعي الاقتصادي للقارة ودمجها في الاقتصاد العالمي.»48 يشمل تنفيذ هذه الخطة مبادرات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة لتطوير السياسات الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار للبلدان الأفريقية من خارجها وبناء الشراكات البحثية الجامعية والصناعية للعلوم والتكنولوجيا في أفريقيا.49 في الوقت الحاضر يقوم أكثر من 25 بلداً أفريقياً بصياغة السياسات المنقحة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار أو بتصميم خطط عمل لعملية التنقيح.50

الخطر المحدق بالبلدان الأفريقية مزدوج: فأولاً، لن يتم تحقيق المنافع الصحية الكاملة للتدخلات الجديدة المطورة بواسطة الشراكات الدولية، وثانياً، ستبنى النظم الوطنية للبحوث الصحية بحيث لا يكون تعزيز الصحة نقطة تركيزها الأولية. يجب على البلدان الأفريقية، مثلها مثل البلدان عالية الدخل، أن تشتمل الحوافز لإجراء بحوث السياسات والنظم الصحية في سياساتها البحثية.


تضارب المصالح:

لم يصرح بأي منها.

المراجع

شارك