نزع فتيل القنبلة السكانية "الموقوتة" في ألمانيا
ألمانيا هي واحد من أربعة بلدان فقط يمتلكون نظاماً للتأمين مخصص للرعاية الصحية طويلة الأمد، ولكن مع سرعة تشيخ السكان وانخفاض معدلات المواليد، ربما لا يصمد هذا النظام بشكله الحالي طويلاً... كتب هذا التقرير جان ديرك هيربيرمان ودابورا ميراندا
عندما أصاب الوهن والدي راينر هاميرلينج، في عام 1998, وفقدا القدرة على مواكبة الحياة اليومية، قرر راينر أن يتخلى عن وظيفته وأن يعتني بهما، حيث يقول: "كل ما أردت هو أن أضمن لهما حياة كريمة حتى النهاية". ولما كان راينر يعمل كمدلك محترف متخصص في العناية بالأشخاص المتعايشين مع فيروس العوز المناعي البشري/الإيدز، فقد استطاع التعامل مع حالة والديه الآخذة في التدهور، غير أن المهمة لم تكن سهلة، ولعل شعوره بالعزلة كان أحد الأسباب في ذلك. ويقول: "لم يكن الناس يفهمون الوضع"، مضيفاً: "فقد كانوا يتساءلون لماذا لم أضع والدي في إحدى دور رعاية المسنين". وكان السبب الآخر يكمن في المشكلات المالية؛ فبينما استفاد والداه من نظام التأمين الصحي طويل الأمد، المطبق في ألمانيا منذ 1995, إلا أن ذلك لم يعوضه تماماً عن دخله الذي كان يتحصل عليه من وظيفته التي تركها.
تشهد ألمانيا وكثير من البلدان الأخرى تزايد في مأمول الحياة؛ فأعداد متزايدة من السكان يعيشون لفترات أطول ويبلغون سناً قد يحتاجون فيها إلى الرعاية. وفي في الوقت ذاته، لم تكن معدلات المواليد مرتفعة بما يكفي لإحلال السكان، وذلك منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي وما زالت هذه المعدلات منخفضة. وكانت النتيجة هي قلة الأموال المخصصة لهذا العدد المتزايد من الأشخاص المحتاجين للرعاية.
ويقول كليمين تيش رومير، مدير المركز الألماني لطب الشيخوخة في برلين: "كان لدينا بين عامي 1955 و1965 طفرة في المواليد. وهناك فئة كبيرة من كبار السن سوف يصبحون في مرحلة الضعف والوهن في خلال 20-25 عاماً،" ويضيف: "ولكننا لم نجد بعد حلاً جيداً لهذه المشكلة."
ويغطي نظام التأمين على الرعاية الطويلة الأمد، أو ما يطلق عليه بالألمانية Pflegeversicherung، تمييزاً له عن التأمين الصحي، احتياجات الرعاية اللازمة للأشخاص الذين لا يقدرون، نتيجة مرض أو عجز، على العيش مستقلين لفترة ستة أشهر على الأقل. ونظام التأمين على الرعاية الطويلة الأمد في ألمانيا هو نظام إجباري باشتراكات تسدد مناصفة بين المؤمن عليه ورب العمل. ولا تعتمد أهلية الاشتراك في هذا النظام على سن المشترِك، غير أن ما يقرب من 80% من المستفيدين يبلغون 65 عاماً وأكثر. ويُصنَّف متلقو الدعم تحت هذا النظام وفق ثلاث مستويات للإعالة. وبحسب آخر الأرقام، هناك 79 مليون نسمة، من بين إجمالي السكان في ألمانيا البالغ 82 مليون نسمة، مشتركون بأحد أنظمة التأمين على الرعاية الطويلة الأمد. ويشارك 88% من هذا العدد في أنظمة عامة، بينما يشارك 12% في أنظمة خاصة.
ومعظم المستفيدين من التأمين على الرعاية الطويلة الأمد هم من الأفراد غير العاملين (69%). وبهذه الطريقة، فلهم أن يختاروا بين الحصول على مبلغ شهري، يتراوح في عام 2012 بين 235 يورو (300 دولار أمريكي) و700 يورو (930 دولار أمريكي)، بما يغطي احتياجاتهم من الرعاية أو الحصول على منافع عينية، تتراوح في عام 2012 بين 450 يورو (600 دولار أمريكي) و1150 يورو (2065 دولار، في صورة خدمات رعاية متخصصة. كما يجوز للأشخاص إعطاء المال لأحد الأصدقاء أو الأقارب الذي يقوم بدور مقدم الرعاية. ويقول تيش رومير أما نسبة الـ 31% المتبقية من المستفيدين الذين يتمتعون بالرعاية، فهذه المبالغ لا تغطي سوى جزء من التكلفة الشهرية للرعاية المؤسسية (دور رعاية المسنين). وقد يستفيد متلقو خدمات الرعاية، إن كانوا قادرين على ذلك، من تأمين تكميلي طويل الأمد إلى جانب أنظمة تأمين أو معاشات أخرى. وإن لم يكونوا قادرين، فإن أسرهم تكون مضطرة لأن تتدخل، وإلا يجب على متلقو خدمات الرعاية أن يتقدموا للحصول على معونة اجتماعية وهي ما تمثل السبيل الأخير الذي يستطيعون اللجوء إليه.
ويعد نظام التأمين على الرعاية الطويلة الأمد في ألمانيا مسؤولاً عن اختبار جودة الرعاية في مرافق الرعاية بالدولة البالغ عددها حوالي 12 ألف مرفق، بينما يمكن لمتلقي الرعاية اختيار الخدمة التي يودون الحصول عليها ومكان حصولهم عليها. وقد أدى هذا النظام إلى زيادة مستوى الوعي؛ حيث يقول توش رومير: "إن موضوعات الخرف وجودة الرعاية وجودة الحياة في سن الشيخوخة تمثل الآن محاور رئيسية للأحاديث العامة."
وتعد ألمانيا أحد البلدان الأربعة التي تمتلك نظاماً للتأمين على الرعاية الطويلة الأمد، والبلدان الأخرى هي اليابان وهولندا وجمهورية كوريا. وهناك أنظمة رعاية أخرى طويلة الأمد تُمول من إيرادات الضرائب بحدود متباينة وفقاً لكل بلد. أما في البلدان التي تفتقر إلى مثل هذه الأنظمة، فيقع العبء المالي على الأفراد المحتاجين وأسرهم.
ويقول جون بيرن، مدير إدارة التشيخ ومجرى الحياة بمنظمة الصحة العالمية: "إن الرعاية الطويلة الأمد تطرح تحدياً أمام كل بلد". ويذكر أن منظمة الصحة العالمية قد خصصت اليوم العالمي للصحة هذا العام، الذي يوافق السابع من نيسان/أبريل، لموضوع التشيخ والصحة. ويضيف بيرن: "يمكن تمويل هذه الرعاية من الإنفاق المباشر من إيرادات الضرائب الحكومية أو أموال التأمينات. وقد اختارت هذه البلدان الأربعة اتباع نظام تأمين إجباري، وهو نظام يضمن تمتع كل فرد بقدر من الحماية على الأقل مقابل هذه التكاليف.
وفي حين أن نظام التأمين على الرعاية الطويلة الأمد في ألمانيا قد لاقى اعترافاً دولياً، إلا أن ثمة شكوك تدور حول مستقبله. فبحسب منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، تجاوز 20% من السكان الألمان سن الخامسة والستين عاماً، حيث كان هناك 2,24 مليون شخص، في عام 2009، عند سن الخامسة والستين وأكثر، وهو العدد الذي سوف يتضاعف إلى 4,35 مليون عام 2050، ذلك العام الذي يُتوقع أن تحتل ألمانيا فيه المرتبة الثانية من حيث أكبر السكان سناً بين بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بعد اليابان.
إضافة إلى هذا، يمول التأمين على الرعاية الطويلة الأمد في ألمانيا على أساس دفع الاستحقاقات أولا بأول - وفيه توزع الاشتراكات فوراً لتمويل الرعاية - وهو ما يعني أن قيمة الأقساط يجب أن ترفع مع زيادة النسبة بين من يتلقى الرعاية ومن لا يتلقاها. ويطالب البعض بالتحول إلى نظام الدفع المقدم الذي يسمح بنمو صندوق تأمين الرعاية الطويلة الأجل بزيادة التزاماته، غير أن أي إصلاح ينطوي على رفع قيمة الاشتراكات أو زيادة التمويل الحكومي سيكون صعباً، ولاسيما في ظل المناخ الاقتصادي والاجتماعي الحالي.
ولعل يوتا بيرجير-ناب من شركة دياكوني فليج بمدينة برلين، والتي يعمل بها 650 موظفاً ممن ينصبُّ تركيزهم على تقديم الرعاية المنزلية، تدرك تماماً هذا الأمر ولا يساورها أي أوهام عن المشاكل الماثلة في هذا الإطار.حيث تقول: " تمتلك شركات التأمين على الرعاية، في الوقت الحالي، أموالاً كافية في ظل الوضع الجيد للاقتصاد وقدرة الكثيرين على الوفاء بواجباتهم تجاه النظام، غير أن السياسيين واثقون بأن الوضع يشبه القنبلة الموقوتة.
وتقول: "إن نزع فتيل "القنبلة السكانية "الموقوتة" هو أمر تعهدت الحكومة الألمانية بأن تنفذه عن طريق إصلاح النظام الحالي.
ففي أكتوبر الماضي، مرر البرلمان الألماني قانوناً جديداً يُسهِّل على الأشخاص العاملين، مثل راينر هاميرلينج، العناية بأفراد أسرهم المعالين. وبموجب القواعد الجديدة، يستطيع الشخص العمل نصف الدوام نظير الحصول على 75% من راتبه. وللحيلولة دون تلاعب الأشخاص بالنظام، فعند انقضاء مدة الرعاية، يتعين عليهم العودة للعمل بدوام كامل مقابل 75% من راتبهم كذلك حتى معادلة مدة الرعاية.
ويعد القانون الجديد وسيلة ذكية لتوزيع التكلفة وللاعتراف بالدور الرئيسي لأفراد الأسرة في تقديم الرعاية لذويهم من كبار السن. ولكن مع ذلك فالطريق إلى إصلاح نظام تأمين الرعاية الطويل الأمد في ألمانيا لن يكون سهلاً.
فالإعالة لا تراعي في تعريفها حالياً سوى الإعاقات الجسدية دون الخرف. ونتيجة لذلك، فالشخص السليم بدنيا مع عجزه عن التكيف بمفرده لا يكون مؤهلاً للاستفادة من هذا النظام. وهناك قضية أخرى تتمثل في سوء التنسيق بين شركات التأمين الصحي وشركات التأمين على الرعاية.
وتقول بيرجير-ناب: "إن الأشخاص الذين خرجوا من المستشفيات أو مرافق إعادة التأهيل، ولكن عليهم الانتظار لأسابيع أحياناً حتى يتسنى تقييمهم من قبل المفتشين الذين يصنفون هؤلاء الأشخاص من حيث الإعالة (مستويات من 1 إلى 3). وتضيف: "وعندما يأتي المفتشون أخيراً، فإنهم يسألون كل هؤلاء الأشخاص أسئلة لا تلقى دائما إجابات صريحة"، وتتساءل: "من يود الاعتراف بأنه يعاني سلس البول أمام مفتش غريب عنه؟" وتضيف: "لهذا السبب فإنه من الضروري عند تقييم شخص مُسِن أن يكون أحد أقرباءه حاضراً".
ويقول السيد بيرد من منظمة الصحة العالمية: "لا يزال هناك كثير من المشكلات في هذا النظام المعمول به في ألمانيا والبلدان الأخرى، ومنها ضمان الاستمرار وتقديم الرعاية وحماية الأسر من التكاليف المحتملة. ويردف قائلاً: "مع التشيخ السريع للسكان، يصبح إيجاد النموذج الصحيح للرعاية طويلة الأمد أكثر إلحاحاً. كما أن الأساليب الجديدة التي تدرسها ألمانيا قد توفر نماذج تتبعها البلدان التي لا تمتلك شبكات أمان من الرعاية الطويلة الأمد".
وإلى جانب التحول السكاني، فالمجتمع آخذ في التغير؛ فعندما بدأ هاميرلينج رعاية والداه في عام 1998، لم يكن يحظى سوى بقدر قليل من الدعم والتفهم لموقفه. ولكن بعد عشرة أعوام، انضم لجمعية Wir Pflegen (التي تعني "نحن نعتني" بالألمانية) في عام 2009، كانت الصورة مختلفة. فقد كانت هذه الجمعية التي تعمل في مختلف أنحاء البلد قد أنشئت حديثاً من أجل تقديم الدعم للأشخاص الذين يعتنون بأقربائهم المعالين. وأصبح هاميرلينج ممثلاً للجمعية في ولاية برلين الاتحادية، ويقول: "نحن نعمل حتى يشعر الأشخاص الذين يعتنون بأقربائهم المعالين بقيمة أكبر وحتى ينظر إليهم بقدر أكبر من التقدير."